تحت رايةٍ زائفة - لينين (1)


أحمد البلتاجي
2018 / 12 / 20 - 18:14     

نشرت صحيفة "قضيتنا" Nashe Dyelo في عددها الأول (بيتروجراد، يناير 1915) مقالاً تشخيصيًا وعمليًا للغاية، صاغه السيد أ. بوتريسوف*، بعنوان "في مرحلة حاسمة بين عهدين". وكما في مقالٍ أسبق للكاتب نفسه، يعرض المقال الحالي الأفكار التي يرتكز عليها التوجه البورجوازي للأفكار الشائعة في روسيا، التوجه التصفوي بصدد الراهن من المشكلات الهامة والمُلحة. وبوضوحٍ، فإننا لسنا أمام مجموعةٍ من المقالات بل هو مانيفستو لتوجهٍ محدَّد، ومن يقرأها بعنايةٍ ويتفكًر فيما تتضمنه، سيلاحظ أنه لاعتباراتٍ عارضة، كغياب الصياغة الأدبية الموحَّدة، قد حيل دون أن تظهر أفكاره (وكذلك أفكار رفاقه، حيث أن المؤلف لا ينفرد بموقفه) بالشكل الأنسب لإعلانٍ أو عقيدةٍ سياسية.

فكرة بوتريسوف الرئيسية تتلخص في أن الديموقراطية الراهنة تقف على مرحلة حاسمة بين عهدين، والفارق الأساسي بين العهد القديم والجديد يتمثل في التحول من العزلة القومية إلى الأممية. وبمفهوم "الديموقراطية الراهنة"، يحدد بوتريسوف نوع الديموقراطية التي ميّزت نهاية القرن التاسع العشر وبداية القرن العشرين، مستقلةً عن الديموقراطية البورجوازية القديمة التي طبعت نهاية القرن الثامن عشر والثلثين المبكرين من القرن التاسع عشر.

للوهلة الأولى قد تبدو فكرته صائبةً تمامًا، وأننا ننظر إلى معارضٍ للنزوع الليبرالي-القومي للديموقراطية الحالية، وأننا أمام كاتبٍ "أمميّ"، لا ليبرالي-قومي.

بالتأكيد، فهذا الدفاع عن الأممية، والإشارة إلى التعصب القومي والخصوصية القومية كملامحَ لعصرٍ بالٍ قد انقضى، أليس انفصالاً عن موجة الليبرالية-القومية، وعن الضرر الذي تمثّله الديموقراطية الراهنة، أو بالأحرى، ممثلوها الرسميون.

إنه، وللوهلة الأولى، ليس انطباعًا ممكنًا فحسب بل شبه حتميّ. غير أنه سيكون من الخطأ الفادح أن نعتقد ذلك. فالكاتب يدفع بحمولته تحت رايةٍ زائفة. سواء أكان عن وعيٍ أو لا -لا يهم الآن- فإنه يحتال برفع شعار "الأممية" كيما يأمن أن يُمرِر تحته بضاعته المُهرَّبة (الليبرالية-القومية).
فلا مُشاحة في أن بوتريسوف ليبرالي-قومي، في النهاية. جوهر مقالته (مخططه، برنامجه السياسي، ومذهبه) يكمن في توظيف هذه الحيلة المتواضعة -وإن شئت الساذجة- للدفع بالانتهازية تحت شعار "الأممية". لذا ينبغي استكشاف تفاصيل تلك المناورة، لأن المسألة تكتسب أهميةً أوليّةً هائلة.
أخطر ما في الأمر استخدام بوتريسوف لشعارٍ زائف، فهو لا يتخفّى وراء مبدأ "الأممية" فحسب، بل يزيد باتخاذه مُسمّىً لصيقًا بـ"المنهجية الماركسية". وبمعنى آخر، يتظاهر بوتريسوف بكونه تلميذًا وممثلاً مخلصًا للماركسية، بينما في الحقيقة يستبدل الليبرالية-القومية بالماركسية. يحاول أن "يعدِّل" كاوتسكي، متهمًا إياه بـ"لعب دور المحامي"، المدافع تارةً عن ليبرالية بمسحةٍ معينة، و تارةً بمسحةٍ أخرى، ما يعني ليبراليةً ذات أطيافٍ عدة لتتناسب مع خصوصية الأمم المتنوعة.
يقيم بوتريسوف التناقض بين الليبرالية-القومية من جهة (فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن كاوتسكي قد غدا ليبراليٍا-قوميَّا) والأممية والماركسية من جهةٍ أخرى. لكنه في الواقع، يمايز بين الليبرالية-القومية متعددة الألوان وبين ليبرالية-قومية من لونٍ واحد، بينما الماركسية مُعاديةٌ -وفي الوضع التاريخي الراهن، تكون مُطلَقة العداء- لليبرالية-القومية أيًّا كان نوعها.

والآن سنكمل لبيان أن القضية كما أسلفنا، سائقينَ الأسباب.

1

لتُفهم بدقة النقطة الأبرز في عثرات بوتريسوف، التي قادت مخططه ليكون تحت راية الليبرالية-القومية، على القارئ أن يفحص الفقرة التالية من مقالته:

«بطباعهم المميَّزة، كانوا -ماركس ورفاقه- يُلمّون بالمسألة، مهما بلغت صعوبتها. لقد شخّصوا الصراع، وحاولوا تحديد أيّ جانبٍ سيوفر نجاحُه آفاقًا أرحب للإمكانيات المرغوبة من وجهة نظرهم، لذا فقد وضعوا بعض القواعد ليأسسوا عليها تكتيكاتهم» (صـ 73)

«أيَّ جانبٍ سيكون نجاحُه مرغوبًا أكثر»- هذا ما ينبغي تحديده، من وجهة النظر الأممية، لا القومية. هذا جوهر المنهجية الماركسية. هذا ما لا يفعله كاوتسكي، وبالتالي ينقلب من "قاضٍ" (ماركسيّ) إلى "محامٍ" (ليبرالي-قومي). هذه هي الحجة التي يسوقها بوتريسوف. وهو شديد الاقتناع بأنه لا "يلعب دور المحامي" عندما يدافع عن الرغبة في انتصار جانبٍ ما (جانبه بالتحديد). بل إنه، وعلى العكس، مدفوعٌ باعتباراتٍ أممية صادقة بالنظر إلى الخطايا الصارخة على الجانب الآخر.

بوتريسوف، ماسلوف، بليخانوف، إلخ.. المدفوعون كلهم باعتباراتٍ أممية صادقة، توصّلوا إلى الاسنتاجات ذاتها لدى بوتريسوف. هذه السذاجات التي يحاذي بعضها بعضًا- حسنًا، لن نتعجّل بدون حق، بل ينبغي أن نكمل تحليلنا للسؤال النظريّ الخالص أولاً.

«أيَّ جانبٍ سيكون نجاحُه مرغوبًا أكثر»، سؤال طرحه ماركس أثناء الحرب الإيطالية عام 1859، على سبيل المثال. ليسهب بوتريسوف حول هذا المثال، لأنه كما يقول «يهمنا بخاصةٍ، نظرًا لسماتٍ معينة يمتلكها». ونحن أيضًا بدورنا سنأخذ المثال الذي اختاره بوتريسوف.

عام 1859 أعلن نابليون الثالث الحرب على النمسا، مُدعيًا أنها لتحرير إيطاليا، بينما كانت في الواقع لأهداف أسرته.

«من وراء ظهر نابليون الثالث»، يقول بوتريسوف، «يمكننا رؤية جورتشاكوف**، الذي كان قد وقّع اتفاقيةً سرية مع إمبراطور فرنسا». بين يدينا تشابكٌ متناقض: فمن ناحية، أشدّ الملكيات الأوروبية رجعيةً، التي تضطهد إيطاليا. ومن الناحية الأخرى، ممثلو إيطاليا الثورية، مع جاريبالدي، يناضلون لتحررها، بجانب نابليون الثالث الرجعي جدًا. »أما كان من الأبسط..»، يكتب بوتريسوف، «أن نتنحى جانبًا ونقول بأن كلاهما سيءٌ بالقدر نفسه؟. أيًا يكن، لم ينجذب ماركس، إنجلس، أو لاسال إلى "بساطة" هذا الحل، بل أخذوا يبحثون المسألة (يعني بوتريسوف، دراسة واستكشاف المسألة)، المُتعلِقة بالنتيجة المحدَّدة للصراع، التي قد توفر أعظم الفرص للقضية العزيزةِ على ثلاثتهم».

بخلاف لاسال، خلُص ماركس وإنجلس إلى وجوب تدخّل بروسيا. فمن بين اعتباراتهم، كما يعترف بوتريسوف، كان «احتمالية قائمة على نتيجة الصراع مع الحلف المعادي، للحركة الوطنية في ألمانيا، والتي قد تتطور متجاوزةً قادتها العديدين. كذلك آخذين في الاعتبار، أيُّ القوى تمثل الخطر الأعظم على المسرح الأوروبي: الملكية الدانوبية الرجعية، أم غيرُها من الممثلين البارزين في الوِفاق».

«بالنسبة لنا، فلايهم أيهم كان على صواب. ماركس، إنجلس، أم لاسال»، ليستنتج بوتريسوف «ما يهم، أنهم اتفقوا على ضرورة تحديد -من وجهة نظرٍ أممية- أيَّ جانبٍ سيكون نجاحُه مرغوبًا أكثر».

هذه هي الحالة التي استشهد بها بوتريسوف، وكيف تتبع كاتبنا القضية. لو تمكن ماركس حينها من «تقييم الصراعات الأممية» (بتعبير بوتريسوف)، على الرغم من الشخصيات شديدة الرجعية في حكومات الطرفين المتنازعَين، فإنه يتحتم على الماركسيين اليومَ القيام بتقييمٍ مشابه، كما يستنتج بوتريسوف.

هذا الاستنتاج، إما أنه صِبيانيّة ساذجة أو سفسطة بليدة. حيث أنه يتلخص في الآتي: عالج ماركس في 1859 مسألة الرغبة في تفوق أيِّ بورجوازيةٍ بالتحديد، وعلينا نحن، بعد نصف قرنٍ، ان نحل تلك المسألة بالطريقة نفسها تمامًا.

لقد فات بوتريسوف ملاحظة أنه بالنسبة لماركس في 1859 (كما في غيرها من الحالات اللاحقة)، كان سؤال «أيَّ جانبٍ سيكون نجاحُه مرغوبًا أكثر» يعني السؤال عن «أيَّ برجوازيةٍ سيكون نجاحُها مرغوبًا أكثر». فشل بوتريسوف في ملاحظة أن ماركس عالج المسألة في زمنٍ تواجدت فيه بلا شك حركاتٌ بورجوازية تقدمية، والتي لم تتواجد فحسب، بل كانت في صدارة العملية التاريخية في الدول القياديّة في أوروبا. اليوم، سيكون من السخف مجرد تخيُّل وجود بورجوازية تقدمية، أو حركة بورجوازية تقدمية، في -وعلى سبيل المثال- واحدة من الأعضاء الرئيسيين في "الوِفاق" الاوروبي، كبريطانيا أو ألمانيا.
"الديموقراطية" البورجوازية القديمة لهذين البلدين الرئيسيين انقلبت رجعيةً. "تناسى" بوتريسوف هذا، واستبدل بوجهة نظر ما يُدعى الديموقراطية (البورجوازية) القديمة، وجهةَ نظر الديموقراطية الراهنة (اللابورجوازية). هذا الانتقال صوب وجهة نظر طبقةٍ أخرى، وبالأحرى طبقةٍ قديمة وبالية، هو انتهازية محضة. هنا لا يتوفر أدنى شك، أن انتقالاً كهذا لا يمكن تبريره بتحليل المضمون الموضوعي للعملية للتاريخية في الحقبتين القديمة والجديدة.


وحدها البرجوازية - على سبيل المثال في ألمانيا وكذلك بريطانيا، في هذه المسألة- تسعى للاستبدال الذي صاغه بوتريسوف. أي ان تُستَبدَل بالحقبة الإمبريالية، حقبة حركات التحرر البورجوازية ذات الطابع التقدميّ، الوطنيّ، والديموقراطيّ. يسير بوتريسوف بلا تمييزٍ على إثر البورجوازية. هذا ما لا يمكن غفرانه، حيث أنه في الحالة التي اختارها، ألزم نفسه بتعريف وتحديد الاعتبارات التي وجهت ماركس، إنجلس ولاسال في تلك الأيام المُنقضية.

مبدئيًّا، كانت هذه اعتباراتٍ بشأن الحركة الوطنية (في ألمانيا وإيطاليا)- بشأن تطورها متجاوزةً قادتها "ممثلو القُروَسَطية". ثانيًا، كانت اعتباراتٍ بشأن "الخطر الأعظم" للملكيات الرجعيّة (النمساويّة، النابليونيّة، إلخ) ضمن الوِفاق الأوروبي.

هذه الاعتبارات واضحة كليّةً ولا تقبل الجدل. لم ينكر الماركسيون مطلقًا تقدميّة حركات التحرر الوطني البورجوازية في مواجهة الإقطاع وقوى الاستبداد. لا يسع بوتريسوف إلا معرفة أن شيئًا كهذا لم يعد ولا يمكنه التواجد اليوم في الدول الكبرى، المتناحرة. في الماضي، وُجدت في إيطاليا وألمانيا، حركات تحررٍ وطنيّ شعبية وراءها عقودٌ من الكفاح. حينها، لم تمنح البورجوازية الأوروبية الدعم المالي لدولٍ أخرى محددة، على العكس، تلكم الدول كانت بحق "الخطرَ الرئيسيّ". لايسع بوتريسوف إلا أن يعلم -كما يعترف في مقالته- أنه اليومَ لا تشكل أيًا من هذه الدول الأخرى -ولا يمكنها أن تكون- "الخطر الرئيسيّ".

تشجع البورجوازية (في ألمانيا مثلاً، وإن كان الأمر لا يقتصر عليها) لأسبابٍ أنانية، أيديولوجيا الحركات القومية، ساعيةً لنقل هذه الأيديولوجية إلى حقبة الإمبريالية، الحقبة المختلفة كليةً. الانتهازيون يتهادون وراء البرجوازية، مُتخليين عن موقف الديموقراطية الراهنة وينتقلون لموقف الديموقراطية (البرجوازية) القديمة. هذا هو القصور الرئيسي في كل المقالات، كما في الموقف بأكمله والخط الذي ينتهجه بوتريسوف ورفاقه من المفكرين التصفويين. في زمن الديموقراطية (البورجوازية) عمل ماركس وإنجلس على مسألة الرغبة في نجاح "أيِّ برجوازية تحديدٍا"، لقد وجهوا اهتمامهم للحركة الليبرالية المتواضعة التي تنمو داخل حركة ديموقراطية عاصفة. في فترة الديموقراطية ( اللابورجوازية) الراهنة، يُقارب بوتريسوف الليبرالية-القومية البورجوازية في وقتٍ لا يتصور فيه أحدٌ وجود حركات بورجوازية تقدمية، سواء أكانت ليبراليةً باعتدال أو ديموقراطيةً عاصفة، في بريطانيا، ألمانيا، أو فرنسا. ماركس وإنجلس كانا سابقين لعصرهما، عصرَ الحركات البورجوازية-القومية التقدمية، لقد أرادا أن يمنحا حركاتٍ كتلك الزخمَ كي تتجاوز ممثلي القُروَسطية.

ككل الاشتراكيين-الشوفينيين، يتخلّف بوتريسوف بعيدًا عن عصره الذي هو عصر الديموقراطية الراهنة.، متخطيّا إياها نحو وجهة النظر البالية الميتة، ولذا الخاطئة جوهريًّا، للديموقراطية (البورجوازية) القديمة.


لهذا السبب يظهر في مناشدة بوتريسوف الديموقراطية تفكيرُه المشوَّش ورجعيتُها الشديدة:
«لا تنسحبوا، بل تقدموا، لا باتجاه الفردية، بل باتجاه الوعي الأممي بكل إخلاصه وقوته. أن تتقدموا فهذا يعني، بمعنىً ما، أن تعودوا أيضًا إلى الوراء-إلى ماركس، إنجلس، ولاسال، إلى طريقتهم في تقييم الصراعات العالمية، وإلى اكتشافهم إمكانية الانتفاع من العلاقات بين الدول لهدف الديموقراطية».

يسحب بوتريسوف الديموقراطية الراهنة للوراء، ليس "بمعنىً ما" بل بكل معنى، إنه يُرجعها إلى شعارات وأيديولوجيا الديموقراطية البورجوازية القديمة، إلى اعتماد الجماهير على البورجوازية... يقوم منهج ماركس، مبدئيًّا، على الأخذ بالمضمون الاجتماعي للعملية التاريخية المأخوذة في لحظةٍ بعينها، ضمن ظروفٍ معيّنة وملموسة (مادية)، وهذا في سبيل استيعاب، أولاً، أية طبقة تشكِّل حركتُها الدعامة الرئيسية لتقدم العملية الممكنة ضمن هذه الظروف الملموسة. في 1859، لم تكن الإمبريالية تألِّف المضمون الموضوعي للعملية التاريخية في القارة الأوروبية، بل حركات التحرر الوطنية البورجوازية. كانت حركة البورجوازية هي الدعامة الرئيسية ضد الإقطاع وقوى الاستبداد. بعد خمسةٍ وخمسين عامًا، بعدما تم الاستحواذ على مواقع زعماء الإقطاع الرجعيين القدامى من قبل أشباههم زعماء (تايكونات) رأس المال المالي من البورجوازية الشائِخة. يخرج العلاّمة بوتريسوف لتقييم الصراعات الأممية من موقع البورجوازية، لا من موقع الطبقة الجديدة.

لم يمعن بوتريسوف التفكير في أهمية الحقيقةِ التي نطق بها في الكلمات أعلاه. لنفترض أن حربًا نشبت بين دولتين في عهد حركات التحرر الوطني البورجوازية. أيُّ بلدٍ سنتمنى انتصاره من موقع الديموقراطية الراهنة؟ طبعًا، البلد الذي سيعني انتصاره منحَ زخمٍ أكبر لحركة التحرر البورجوازية، والتعجيل بتطورها، والتقويض الأكثر حسمًا للإقطاع. لنفترض بعد ذلك أن الملمح المُحدِد للوضع التاريخي الموضوعي قد تغير، وأنّ موقع رأس المال الساعي للتحرر الوطني قد استُحوِذ عليه بواسطة رأس المال المالي العالمي، الرجعي، والإمبريالي. البلد الأول يمتلك ثلاثة أرباع أفريقيا، في حين يمتلك الآخر الربع. إعادة تقسيم أفريقيا هي المضمون الموضوعي لحربهما. ينبغي أن نتمنى انتصار أي طرف؟ سيكون من العبث أن نضع المسألة على الهيئة المتقدمة، حيث أننا لم نعد نمتلك المعايير السابقة للتقييم: ليس هنالك حركة تحرر بورجوازي، ولا عملية تحلل طويلة للإقطاع. ليس من شأن الديموقراطية الراهنة أن تساعد البلد الأول في تثبيت "حقه" في ثلاثة أرباع أفريقيا، أو أن تساعد البلد الآخر (حتى لو كان تطوره الاقتصادي أسرع من البلد الأول) في الاستيلاء على تلك الأرباع الثلاثة.

تظل الديموقراطية الراهنة مخلصةً لذاتها فقط إذا لم تصطف مع هذه البورجوازية الإمبريالية أو تلك، فقط إذا أعلنت أن الطرفين باطلين بالتساوي، وإذا تمنَّت هزيمة البورجوازية الإمبريالية في كل البلدان. أي موقفٍ آخر سيكون، في الواقع، ليبراليًا-قوميًّا ولا يشترك في شيء مع الأممية الحقيقية.

على القارئ ألا ينخدع بالاصطلاحات الرنانة التي يستخدمها بوتريسوف ليُخفيَ انتقاله إلى موقع البورجوازية.

حينما يصيح بوتريسوف: «... لا باتجاه الفردية، بل باتجاه الوعي الأممي بكل إخلاصه وقوته»، فإنه يهدف إلى معارضة وجهة نظره بوجهة نظر كاوتسكي. إنه يسمي وجهة نظر الأخير (ووجهات النظر المشابهة لآخرين) "الفردية"، بسبب رفض كاوتسكي لأن يقرر «أيَّ جانبٍ سيكون نجاحُه مرغوبًا أكثر»، وتبريرَه الليبرالية-القومية للعمال في كل بلدٍ "منفرد". نحن، على العكس، كما يدعي هو، فنحن -بوتريسوف، تشيرفانين، ماسلوف، بليخانوف، وآخرون- ننشد «الوعي الأممي بكل إخلاصه وقوته»، حيث أننا ندافع عن ليبرالية-قومية من لونٍ معين. ليس من موقع الدولة المنفردة (أو الأمة المنفردة)، بل من موقعٍ أمميٍّ حقيقيّ.

كلٌّ من بوتريسوف ورفاقه وكاوتسكي، الذين خانوا الطبقةَ التي يسعون جاهدينَ لتمثيلها، يقتفونَ أثرَ البرجوازية.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ألكسندر ن. بوتريسوف: اشتراكي روسي، شوفيني وانتهازي، تبنى مع كارل كاوتسكي أثناء الحرب العالمية الأولى موقف "الحرب حتى النصر"، تمسك بأن انتصار الحلفاء سيكون انتصارًا للديموقراطية الغربية على العسكرية البروسية ودعمًا للحركة الاشتراكية العالمية.

**ألكسندر م. جورتشاكوف: أرستقراطي ودبلوماسي روسي، وزير خارجية الإمبراطورية الروسية في 1859، سعى لتحالف بلاده مع نابليون الثالث عقب هزيمتها في حرب القرم.