الشيوعية العمالية وحزبها السياسي في العراق ... إلى أين ؟ الحلقة الأولى


سعد محمد حسن
2018 / 10 / 24 - 10:17     

الشيوعية العمالية وحزبها السياسي في العراق
إلى أين ؟
الحلقة الأولى
تمهيـــــد
لاشك من أن الأزمة البنيوية الأخيرة التي طالت بنية الحزب الشيوعي العمالي العراقي جراء استقالة العديد من قادة الحزب و قيامهم بتشكيل تنظيم سياسي تحت أسم منظمة البديل الشيوعي * لم تكن الأولى في تاريخ الحزب وربما لن تكون الأخيرة , فمنذ تأسيسه في العام 1998 بل وقبل انعقاد مؤتمره الأول 1998وحركة الانشقاقات تلازم تاريخه مما يدفع ذلك للتقصي عن حقيقة الأسباب الكامنة وراء متلازمة الانشقاق وأبعادها النظرية والعملية وحيث يتيح هذا التقصي من الوقوف عن مدى واقعية رهان الحزب النظري والعملي . الجدير بالملاحظة من أن الحزب منذ أن ظهر علنا في بغداد بعد سقوط نظام صدام حسين 2003 محتلا بذلك أحدى البنايات الحكومية مقرا له لتكون دالة على وجوده العلني وواجهة لنشاطه السياسي والتنظيمي وبدلا من أن يتسع نشاطه وتتسع قاعدته التنظيمية والشعبية فأن مؤشر الفعالية العملية يشير نحو التراجع والانحسار الواضح مما قد يعكس ذلك من أن الحزب نفسه بات يخطو على طريق نهايته العملية كوجود تنظيمي قائم على أسس نظرية وعملية محددة
صورة منصور حكمت في عقل مريديه ...
يظهر لنا ما كتبه فارس محمود ( السكرتير الحالي للجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي ومترجم كتابات منصور حكمت من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية ) بوضوح الجهد الرامي لإضفاء الأهمية والمكانة لشخص منصور حكمت وكتاباته وترسيخ ذلك في عقل مريديه وأنصاره حين وصفه بقوله من أنه :
(عين ماركس ولينين وبصيرتهما في هذا العصر ... أنه عين البشرية الداعية للتحرر والمساواة ) وأنه ( ماركس عصرنا الراهن وأكبر مفكري ومنظري هذا العصر ) .
تبدو النظرة القائمة أساسا على تضخيم الذات أي كانت ومنحها حجما أكبر مما هي عليه في واقع الممارسة النظرية والعملية كما في محاولات أظهار منصور حكمت بوصفه عين ماركس ولينين في عصرنا هذا , بل هو ماركس وأكبر مفكري هذا العصر على حد تعبير فارس محمود من أنها تنطوي على مؤشرات عدة يمكن من خلالها فهم منطق التفكير السائد في خطاب الشيوعية العمالية وحزبها السياسي ومع أن فارس محمود لا يحدد لنا ماهية طبيعة عصرنا الراهن وسماته الجوهرية وتأثير ذلك على الواقع الاجتماعي لكلا البلدين العراق وإيران كي نتمكن من الوقوف على الأهمية المعرفية لمساهمات منصور حكمت وأيضا لرؤية الحزب ومدى واقعية هذه الرؤية عمليا ويبدو أن عدم الخوض في مسألة تحديد طبيعة العصر الراهن وأهميتها في تقرير أشكال التطور اللاحق وأشكال مواجهة أسئلته قد أوقع فارس محمود نفسه في تعميم معرفي بسيط لا يتناسب وعلمية منهج الماركسية وأيضا ما يحفل به المجتمع العراقي من تطورات بنيوية وأفاق مسارها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي , كما أن أبراز الأهمية النظرية لمنصور حكمت وإضفاء هالة التضخيم على كتاباته بالشكل الذي يظهره فارس محمود قد يفهم منها أولا : تكريس حالة النزوع نحو معيارية استعلائية قائمة على التقليل من أهمية ومكانة مساهمات ماركسيو بلدان العالم المختلفة ومنها الماركسيون في إيران والعراق على وجه التحديد مقاربة بالحضور النظري والعملي لمنصور حكمت نفسه الذي يراد إظهاره كأحد أكثر المنظرين حضورا في المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي المعاصر , ثانيا كما أن النزوع نحو تلك الاستعلائية قد دفعت بقادة الشيوعية العمالية ومنهم منصور حكمت من أن يقعوا فريسة سهلة بحبائل الوهم النظري والعملي حين راحوا يروجون من أن الشيوعية العمالية هي الوحيدة التي تمثل الماركسية دون التنظيمات الماركسية الأخرى التي يصفها برنامج عالم أفضل بأنها أحزاب شيوعية برجوازية أو أحزاب شيوعية برجوازية صغيرة ) مما دفع بهم هذا الوهم من أت يسيروا على طريق العزلة و الانغلاق الإيديولوجي ثالثا : حيث ساهمت هذه العزلة في دفع الشيوعية العمالية من أن تقف تماما بالضد من السمة النقدية التي تمثلها الماركسية نفسها , فلا غرابة من أننا نرى الحزب الشيوعي العمالي العراقي و كذلك التنظيمات السياسية التي حملت راية الشيوعية العمالية و أيضا منظمة البديل الشيوعي حديثة التأسيس من أنها ما زالت تعيد تدوير مفاهيم الشيوعية العمالية في حلقة مغلقة لا يمكن الفكاك منها ما لم تتمكن هي ( أي هذه التنظيمات ) من التخلي تماما وبشجاعة عن الشيوعية العمالية والعودة إلى ماركس وذلك باستعادة منطقه ومنهجه العلمي المادي الجدلي..
في سطور أخرى في مقالته نفسها يعيد فارس محمود تأكيد مسعاه في إبراز أهمية كتابات منصور حكمت النظرية ومكانته في المشهد الفكري المعاصر عندما كتب يقول (رغم كل تأكيدات منصور حكمت على انه لم يأتي بشيء خارج ماركس، بوسع المرء وبسهولة أن يضع كتابات منصور حكمت جنبا إلى جنب مع ماركس ولينين أن لم يتخطاهما في بعض الأحيان . انظر إلى "عالم ا أفضل " و"البيان الشيوعي"! قارن بين "الدولة في المراحل الثورية" و"الدولة والثورة" للينين! " الأحزاب السياسية والصراع الطبقي" و"الإيديولوجية الألمانية ". ا أنها تدلل على ما أقول ) . الملفت للنظر في مقاربة فارس محمود لمنصور حكمت بماركس ولينين ليس في مدى الإجحاف الذي ألحقه بماركس ولينين ومكانتهما النظرية والعملية ولدورهما في تشكيل فكر العالم ورؤيته المعاصرة , فحسب و إنما أيضا المطب الفكري الذي أوقع فيه فارس محمود نفسه حين كشف للآخرين دون أن يعي عن تداعيات فكرية خطيرة تنم حتما عن فهمه القاصر في عدم إدراكه لطبيعة منطق ماركس القائم أساسا على الفهم المادي الجدلي للتاريخ في تشكيلاته الاجتماعية والاقتصادية و إغفاله أيضا الأهمية المعرفية التي يوليها الماركسيون في مقاربة الواقع الاجتماعي الخاص بمجتمعاتهم وبلدانهم والأهمية الكامنة لهذه المقاربة في أعادة صياغة المفاهيم والتصورات الخاصة بواقع تلك المجتمعات , لقد أغفل فارس محمود ومن ورائه الشيوعيين العماليين تلك المقاربة والتي تشكل بدورها غاية علم اجتماع المعرفة الماركسي وهي المهمة الأولى التي تطرح على عاتق أي ماركسي أصيل , حيث تمكنه في النهاية من أعادة بناء رؤية علمية سليمة للواقع الاجتماعي في حركة تناقضاته دون الانجرار إلى وهم إيديولوجي متخذا المنهج الماركسي إطارا مرجعيا لرؤيته تلك , الجدير بالملاحظة من علماء اجتماع المعرفة الماركسيين يذهبون في تعريف الماركسية من أنها مثلت فهما جديدا للفرد والمجتمع والعالم ومنهجا جديدا في التحليل والنقد قياسا على المذاهب الفكرية التي كانت سائدة في عصره وما قبل ذلك (1)
أن أهمية علم اجتماع المعرفة الماركسي تكمن في قدرة منطقه المادي الجدلي على إنتاج وإعادة إنتاج منظومة من المفاهيم والتصورات التي تضفي طابع الأصالة على قيمة الممارسة النظرية والعملية للشيوعيين في رؤيتهم لخصوصية الواقع الاجتماعي في حركة تناقضات بنيته الأساسية .
الجدير بالملاحظة من أن كل التنظيمات السياسية التي حملت راية الشيوعية العمالية بدء من الحزب الشيوعي العمالي الإيراني وبعده العراقي و التنظيمات السياسية التي انشقت عنهما واتخذت من كتابات منصور حكمت دليلا نظريا وعمليا , لم تجرؤ أي منها على ممارسة نقد البرنامج السياسي للشيوعية العمالية الذي حمل أسم عالم أفضل , وكذلك الكتابات الأخرى لمنصور حكمت لبيان مدى واقعية كتاباته وتأكيد ما هو راهن منها وتجاوز ما حفلت به من مضامين ورؤى قد شاخت بتعبير أنجلس . ولعل أي محاولة في نقد أطروحات منصور حكمت ورؤيته قد تصطدم بهالة التقديس التي أحاطتها تك الأحزاب بشخصية منصور حكمت نفسه عندما أضفت عليه بعدا رمزيا أقرب منه إلى عصمة الأنبياء , فيما بات هو وحتى بعد وفاته محل نزاع عن أحقية هذا الحزب السياسي أو ذاك في امتلاك أرث الرجل الفكري وتمثيله سياسيا , ولا شك من أن الصراع على أرث الرجل قد أوجد الأرضية الإيديولوجية لنمو نزعة عبادة الشخصية داخل صفوف تلك التنظيمات ا وهي أحدى أكثر المظاهر وضوحا لتغييب العقل ومصادرة حرية التعبير والاختلاف وتكريس سلطة الحزب البيروقراطية ( وهو ما بات واضحا في طريقة تعامل سكرتير الحزب الشيوعي العمالي العراقي وبعض قادة الحزب مع الرفاق الذين قدموا استقالتهم من الحزب ) .
أن نقد أطروحات منصور حكمت وكل التراث القائم على مفاهيم الشيوعية العمالية تعني مسألتين أولهما أما موت الحزب تماما وهو ما بات يؤشر على تزايد عزلة الحزب واقعيا وتفكك بنيته التنظيمية على أثر تزايد الانشقاقات في صفوفه وثانيهما في أنها قد تدفع ببعض أعضاء الحزب إلى تخليهم تماما عنه و عن الشيوعية العمالية نفسها والسير باتجاه أعادة الاعتبار لمنطق الماركسية وتأكيد التمسك بمنهجها والرهان على حيويتها وقدرتها على الإمساك بالواقع الاجتماعي في تناقضات بنيته .السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وفي هذا الاتجاه جاءت الخطوة التي أقدم عليها بعض قيادي الحزب عام 1998 بتخليهم عن الشيوعية العمالية وحزبها السياسي وإعلانهم عن تشكيل تنظيم سياسي لتشكل خطوة سليمة على الطريق الصحيح , الجدير بالذكر من أن أهمية العودة إلى الماركسية تنبع من فكر ماركس الذي يفكك العلاقات الاجتماعية والحقائق الغامضة , ويقلب عادات التفكير, ولا يعطي قيمة مطلقة نهائية لممارسات الأفراد والجماعات التي لن تتجاوز التاريخ ولن تأخذ معنى في الفكر الأبدي وهي مرتبطة بالتناقضات وتُبنى باستمرار (2)
في حوار أجراه الرفيق رزكَار عقراوي مع الرفيقات والرفاق في أحزاب الشيوعية العمالية في العراق وإيران بتاريخ 1 تموز 2013 أشار فيه إلى طبيعة الممارسة النظرية والعملية للحزب الشيوعي العمالي العراقي واصفا نشاط الحزب النظري والعملي بعدم العقلانية وأن الحزب يدور في أطر نظرية هي أبعد عن الواقع مستمدا في رؤيته اللاعقلانية واللا واقعية من كتابات منصور حكمت. يقول الرفيق رزكَار عقراوي :
(للشيوعيين العماليين برنامج - ثوري راديكالي- لبناء المجتمع العراقي. بعد 2003 وتغير خطابهم السياسي نحو المزيد من العقلانية والواقعية ولكن بشكل عام ما زال إلى الآن أسير إلايديولوجيا والجملة الثورية، يرددون أطروحات منصور حكمت، وينطلقون مما هو مطلوب نظريا وليس مما هو ممكن الآن على ارض الواقع , واعتقد أن المنهج العلمي في كيفية تنفيذ هذا التغيير المجتمعي الكبير والشامل في ظل الأوضاع والموازين الطبقية الحالية، ضعيف أو غير واضح. لذا أرى ضرورة الاستفادة بشكل اكبر من المنهج العلمي الديالكتيكي ومن فهم الواقع واستيعاب التغيرات الطارئة على طبيعة المجتمع من أجل تحليل وصياغة البرنامج والسياسات، والاستفادة من الباحثين والمتخصصين ومراكز البحوث والدراسات في المجالات المختلفة، بالإضافة إلى مشاركة الجماهير - التغذية العكسية - من خلال التواصل بمختلف إشكاله. إن الشيوعيين العماليين هم بأمس الحاجة إلى تقييم جدي لخطابهم وطرحهم السياسي ودراسة أسباب عدم تطورهم، ) انتهى الاقتباس
هذا النقد الواضح والصريح نجده أيضا في الحوار الذي أجراه موقع الحوار المتمدن مع الرفيق نزار عبد الله أحد أبرز القياديين السابقين في الحزب الشيوعي العمالي العراقي الذي أعلن عن تخليه عن الشيوعية العمالية هو ومن معه من الرفاق ممن ساهموا في توحيد الجهود لتأسيس الحزب الشيوعي العمالي في تأكيده على أن ( الأفكار والتفسيرات الحديثة التي نادوا بها بصدد " الشيوعية العمالية" وآفاقها وركائزها فأن اقل ما يقال عنها أنها تضمنت تفسيرات أصولية متطرفة للماركسية، نظرا للمغالاة في "الشرعية الإيديولوجية" واعتبار "الشيوعية العمالية" التيار الحقيقي والممثل الشرعي الوحيد للشيوعية ) * انتهى الاقتباس.