أسباب إرتباط العنف بالمسلمين..


مولود مدي
2018 / 5 / 3 - 13:31     

من يستقرأ تاريخ نشأة الفكر الاسلامي سيخرج بنتيجة أن المسلمين الأوائل في القرون الثلاث الأولى ( الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ) لم يتكلّموا في العقيدة, ولم يؤلفوا فيها, وهذا يعني اقتناعهم بأنه أمر يخص العلاقة بين العبد وربه، ولأنها حال قلبي لا يعلمه إلا الله, إضافة الى حركة الفتوحات الكثيفة التي لم تعط الوقت للمسلمين للإنشغال بالمواضيع العقائدية, بعكس ما نجده من غزارة في الأراء والفتاوى الفقهية, أي أنهم ألفوا فيما يفَقّه المسلم والأمم الحديثة العهد بالإسلام ويعينهم على الفهم. ولم ينشغلوا بطرق تصنيف الناس وتكفيرهم وتبديعهم لأن الكفر عندهم هو الإنتساب الى غير دين الإسلام.

الخليفة قديما لم يكن يهتم بأمور التوحيد من عدمه ليس فقط لأن لا يمكنه ضبطها في نفوس البشر، بل أيضا لأن غاية الخليفة هو ضبط المجتمع لإرادته هو, فيستخدم رجال الدين وينشر قيم الطاعة والخوف بينهم فتنتقل هذه المشاعر تلقائيا عند الجماهير، ولو يكون حاكما نبيلا ستجده يجمع بين قيم الطاعة والاحترام, وحتى لو إفترضنا أن هناك خلفاء في تاريخ الإسلامي قد حاولوا ضبط العقائد في أنفس المسلمين, فذلك سيكون اجل منع أصحاب تلك العقائد من تهديد سلطانهم وملكهم وسيطرتهم على المجتمع, يعني أن من ينسب التطرف للسياسة, يجب أيضا أن يعترف أن المذهب العقدي الذي يسود في دولة أو خلافة هو يحقق مصلحة تلك الحكومة بالضرورة, أي أن المصلحة هي الدافع الأول لأي خليفة في نشر مذهب أو عقيدة, فلا يهمه إن كان شعبه متطرفا ومتشدّدا أو معتدلا منفتحا بقدر ما تهمه المصلحة التي يحققها ذلك المذهب.

لكن ابتداء من القرن الرابع الهجري وبداية تراجع حركة الفتوحات الخاطفة السريعة، إلتفت المسلمون الى التفكّر والتعمّق في فهم الدين ولكن هذه المرة بأدوات وطرق تفكير لا عهد لهم بها, بل هي ناتجة عن إحتكاك وتواصل مع الثقافات غير العربية كالثقافة اليونانية والسريانية والفارسية الخ.. فابتدعوا صنفا جديدا من العلم الذي يبحث في مواضيع العقيدة كالإيمان والكفر سمّي بـعلم الكلام بأسلوب شبيه بأساليب الفلاسفة وبالضبط على طريقة المنطق الأرسطي، حاولوا من خلاله تصنيف المسلمين إلى موحّدين وغير موحّدين، لكن حدث خلط أعتبره بذرة التطرف الأولى في تاريخ الإسلام وهو الخلط بين الإعتقاد والمعرفة فالاعتقاد بالعموم مبني على الاكتفاء والتسليم بينما المعرفة لا حدود لها ولا يمكن لأي بشر أن يدّعي أن معرفته كاملة وهكذا طلع على الأمة أناس أرادوا تنصيب أنفسهم أوصياء على عقائد الناس لاعتقادهم بشمولية وكمال معرفتهم، فكانت تلك نقطة تحول فتحت الباب على مصراعيه أمام تكفير المسلم وجواز قتل المسلم للمسلم على أساس التشكيك في توحيده لله تعالى وفي عقيدته لمجرد جهله بمعارف الأخر أو عدم إقتناعه بها أو إعتقاد المتطرّف بمكابرة وتعالي الأخر المخالف.

أنا لا اقول أن إختلاف المسلمين في موضوع العقائد, هو أمر غير مشروع ومذموم, بل إن ظاهرة وجود مدارس ومذاهب كلامية مختلفة فيما بينها ظاهرة طبيعية صحّية لا يمكن اجتنابها, وهذه الظاهرة لم يسلم منها أي دين, بل شملت جميع أديان الإنسان قبل الإسلام, سواء منها الأديان السماوية الإبراهيمية, اليهودية, المسيحية, أو الأديان العالمية الأخرى, كالهندوسية والبوذية, وغيرها. لكن المشكلة هي في تحوّل هذا الاختلاف الى سبب للتكفير وللعنف والتطرف.

وهذا يعني أن من إشتغل بمواضيع العقيدة كان هدفه النفوذ وإعلاء رأيه بكل الوسائل ولو كلّف ذلك تفرقة صفوف المسلمين, ولهذا عندما تقرأ الصراعات الكلامية لن تجد فيها ما يدعو الى التقارب والوحدة بين المسلمين بصهر الإختلافات الفكرية والتركيز على المشتركات التي لا تقبل النقاش عندهم كموضوع وحدانية الإله والمعاد الجسماني الخ.. بل ستجد أن التحلل من الأخلاق والأمانة العلمية يدفع بمن يتناول مواضيع العقيدة إلى عدم الممانعة في الكذب والتدليس على المختلف وتزوير الحقائق ونسبة أي فكرة غريبة عنه الى الفكر الوثني والزعم أن الإفتراق والإختلاف في الفكر دسيسة إلحادية.

ومنه فلسفة الدين عند المسلمين بنيت على أن الإختلاف العقدي مذموم وهو أمر خطير على الإسلام, فيجب التخلّص من هذا الإختلاف بأية طريقة سواء بالترغيب والترهيب, ولهذا شاع عند أغلبية الفقهاء المسلمين وعلى رأسهم ” إبن تيمية ” أن أفكار الفرق الإسلامية وبالضبط أهل الرأي والعقل أخطر من عقائد اليهود والنصارى, وهذا موقف براغماتي, فالسلفي يشعر بالخطر القادم من فرقة إسلامية تنتقد ممارسات شيوخه وتفصلها عن الدين والوحي وردة فعله ضدها تكون أعنف من نقد يأتي على يد غير مسلم, والشيعي لا يهضم أن يرى نظرية الإمام الغائب تدحض وترفض من طرف السني بينما لو يأتي النقد من طرف غير مسلم يسارع الى التأكيد على أن عقائده هي فوق-عقلية لا يمكن رفضها بالمنهج العلمي, ومنه منطق المنافسة على النفوذ قرر أن المسلم يزيغ عن الحق عندما ينخرط في أقوال المعتزلة وأهل الرأي والباطنية, أكثر من انخراطه في أطروحات غير المسلمين.

و حتى لا يخدعوك, فالتطرف ليس وليد البارحة, أو يعود سببه الى الدعم المخابراتي الغربي للجماعات الإسلاموية الإرهابية, بل لأن الفكر الذي تستقي منه هذه الجماعات وتتغذى منه بني على أن الإسلام ديانة توسّعية تنشر بقوّة السيف, وعلى القارئ أن لا يكرر نفس خطأ الفقهاء القدامى بالخلط بين التبشير والتوسّع. فالتبشير هو حق ومهمة كل ديانة وإعتقاد, بينما التوسّع لا علاقة له أبدا بالتبشير وهو يحمل معاني سلطوية عسكرية لا أساس لها في النصوص القرأنية.

ثم اصبح عند الفقهاء أن غزو البلدان وفتحها عنوّة هو أمر مشروع وعلى الأهالي إما الإسلام أو دفع الجزية أو القتال, ولعمري لو إخترعت الكاميرا أيّام الفتوحات الإسلامية لما وجدنا أي فروقات كبيرة بين غزوات المسلمين وغزوات داعش في العراق وسوريا, لان هذه الأخيرة لم تطبّق سوى ما أتت به كتب التراث الإسلامي بالحرف, وعندما تجلّى قبح تلك الأفكار, لم يهتم المفّكرون المسلمون بالتحقق من صحة إنتسابها للإسلام ونقدها, بل إهتموا بالهروب الى الأمام والقول بأن داعش والقاعدة صناعة غربية, ونسوا أن كل ما فعله الغرب هو تقديم الدعم المادي لتلك الجماعات لكي تطبّق تفاسير وأقوال الفقهاء, وتغاضوا عن مصادر الأفكار التي تحملها في عقولها والتي لا تتورع عن تطبيقها مادام الهدف هو العودة الى سنة السلف الصالح ونيل رضا الله عزوجل, وبالنسبة للغرب فمادام أنها تحقق مصلحته بتدمير الدول الإسلامية وتقسيمه الى دويلات وطوائف بالفكر الديني الذي يستحل دماء المسلمين قبل غير المسلمين فلماذا لا يدعمها؟.

فمن الغريب على المسلم الذي يحاول أن ينسب كل شيء للغرب والمؤامرة الغربية, أن يظهر نفسه بمظهر انه لا يقبل أن يغشه الغربي ويحاول بكل الطرق أن يربط أوضاعه بالمؤامرة الغربية بينما يقبل أن يغشّه الفقيه ولا يحاول أن يبحث في حقيقة فتاوى داعش أو بن لادن أو بن باز أو بن عثيمين أو إبن كذا وكذا لأنها تغلّف بغطاء قال الرسول أو قال تعالى, فإذا أتيت للمسلم بقول فيه قال صلى الله عليه وسلم أو قال الفقيه فكل شيء سيكوم تمام يا أفندم.

المهم أن من زرع أفكار تستحل دماء المسلمين وحتى غير المسلمين بسبب الإختلاف العقائدي, هم أشخاص بدائيين ساذجين ظنوا بكمال معرفتهم وأن المسلمين سيبقون مجرد قطيع يسمع ولا يعقل مثل تلامذتهم, وتناسوا أن في هذه المعمورة أن ليس كل المسلمين عبارة عن قطيع, بل هناك الكثير من أصحاب الفكر الحر الذين لا يقبلون الإنقياد والتبعية بمجرد أنك تعنعن عليهم بقال فلان وحدّثنا أو تتعالى عليهم بمجرد حفظك لأية قرأنية أو تتبجح عليهم بأفكار أجدادك المغفّلين, بل يقيسون كل شيء بعين العدل والعقل والحكمة.