الصراع الطبقي والتحولات السياسية بالمغرب/2


محمد الخباشي
2006 / 3 / 1 - 11:33     

الجزء الثاني : التعبيرات السياسية ووهم التمثيل الطبقي بالمغرب
المنزلق الخطير الذي سقط فيه الاستاد اديب يكمن في مساهمته من حيث لا يدري في إذكاء وهم وتكريس تضليل إيديولوجي يقضي بان الأحزاب السياسية المغربية هي تعبيرات سياسية لطبقات معينة. وقبل الدخول في نقاش هده الفكرة لا بد من الإشارة إلى أن مجتمعا يدور فيه صراع تقوده فئات وشرائح منظمة يؤدي حتما إلى نوع من الفرز الطبقي، وبالتالي تتشكل فيه أحزاب ومنظمات سياسية تعبر بالضرورة عن طبقات وشرائح معينة. إلا انه في ظل انعدام الصفاء الطبقي الذي سبق أن تطرقت له في طبيعة المجتمع المغربي وتركيبته الطبقية، يصعب الحديث عن تعبيرات سياسية لطبقات معينة. ولكي لا أطلق الكلام على عواهنه أسال الاستاد اديب عن الطبقة التي يمثلها حزب الاستقلال أو الحركة الشعبية. اسأل الاستاد اديب ان كانت الحركة الشعبية تتوفر على مقومات حزب أصلا. لنترك الوكالات الانتخابية التي تم فتحها تحت اسم أحزاب في ظروف معينة من قبل الداخلية المغربية لتعويم الخارطة السياسية. ولنأخذ بعض الأحزاب التي لها امتداد جماهيري. اسأل الاستاد اديب عن الطبقة او الشريحة التي يمثلها الاتحاد الاشتراكي. هل سنستند إلى قاعدته الاجتماعية فنقول انه حزب برجوازي صغير؟ ام الى قيادته التي يوجد من بينها أعضاء يمكن تصنيفهم في درجة المليونير؟ ام استنادا الى توجهه وممارسته السياسية فنقول انه حزب دو ميول ليبرالي و يمثل البرجوازية الهجينة؟
ونتيجة للمنزلق الدي اشرت اليه سابقا، حيث اعتبر الاستاد اديب ان الطبقة الحاكمة مستقلة عن الطبقات المسيطرة واحدث فصلا تعسفيا بينهما، نتيجة لدلك سقط في نوع من التيه يجسده ما قاله في المقطع التالي: " ... لكن الحفاظ على الاستقرار والشرعية ليس امرا سهلا كما انهما لا يتحققان دائما بالدرجة المطلوبة. فادا كانت علاقة الدولة براس المال الاجنبي قد اغرقها في الديون وجعل افعالها تفارق اهدافها التنموية، فان توسيع قاعدة الطبقة الوسطى وتضخيمها لا يؤدي بالضرورة الى تعميق نطاق الشرعية والاستقرار. فالشرائح الوسطى التي ساعدت الدولة على نموها وتضخمها لم تقف كلها في صف الدولة ولم تتبنى جميع أجنحتها الإيديولوجية الرسمية للدولة. لدلك تجد الدولة نفسها مضطرة لاكتساب اكبر قدر من التاييد اعتماد مبدإ التناوب السياسي ما بين الشرائح الموالية لخطها السياسي والشرائح التي كانت مستبعدة من السلطةشريطة التزام هده الاخيرة بالواقع الدي يفرضه النظام العالمي الجديد، مقابل تلبية بعض المطالب الاجتماعية المحدودة والتي لا تصل الى حد زعزعة المنظومة الاقتصادية والاجتماعية".
لن اعيد ما سبق ان قلته حول الطبقات واستقلال الطبقة الحاكمة عن الكتلة الطبقية السائدة. ما يهمني اكثر هنا هو التعبير السياسي عن طبقة ما. واسأل الاستاد اديب مرة اخرى عما سماه الخط السياسي للدولة. هل الدولة طرف سياسي له توجهه وخطه السياسي، ام هو اداة وجهاز بمدلوله السياسي والايديولوجي والاداري تسيطر به الطبقات السائدة على المجتمع؟ اكتفي بهدا السؤال كي لا القي بنفسي في متاهة النقاش التقليدي حول الدولة والسلطة والطبقات السائدة وهل يوجد هناك مجال حتى للتفكير في استقلالية الدولة والسلطة عن الطبقات السائدة. وبصفة خاصة في المجتمعات التي لا تسود فيها الديمقراطية، لا مجال للقول ان جهاز الدولة يتمتع باستقلالية عن الكتلة الطبقية السائدة كما هو الشان بالنسبة للسلطة.
فيما يتعلق بالتحولات السياسية التي عرفها المغرب والتي عبر عنها الاستاد اديب بكون الدولة اضطرت الى اللجوء الى التناوب السياسي كي تضمن تاييدا متزايدا، لا ارى أي تناوب سياسي شهده المغرب المعاصر. كل ما وقع ان ظروفا دولية بدأت تفرض على الطبقة الحاكمة في المغرب نوعا من المرونة او الانفتاح، ولايهام الخارج بان المغرب يشهد تحولات عميقة، ولاطفاء نار الصراع الاجتماعي على المستوى الداخلي... لجأت الى جر جزء من المعارضة وتم توريطها في تسيير الازمة التي تفاقمت نتيجة السياسيات المتبعة على مر العقود. وتم تشكيل حكومة من سبعة اطراف اضافة الى ما سمي بوزراء السيادة، فكانت النتيجة ان تراجعت النضالات الاجتماعية وتم تشليك المنظمات النقابية... فهل كان دلك تحولا ديمقراطيا؟ اعمق من دلك هل شكل تولي تلك المعارضة مهمة تسيير الازمة، اشراكا لها في السلطة؟ منطق الاستاد اديب قاده الى اعتبار تولي المعارضة التي صنفها ضمن البرجوازية الصغرى، مهمة تسيير الازمة، اشراكا لها في السلطة، واعتبر دلك تحولا لقيادة تلك المعارضة الى جزء من الكتلة الطبقية السائدة. هدا المنطق ليس سليما بالمطلق. تكليف تلك القوى لا يتعدى تكليف اشخاص ينتمون الى تلك الاحزاب، هدا اولا. ثانيا ان تولي مهمة التسيير لم يكن ظفرا بالسلطة السياسية. ثالثا ان هدا التكليف لم يكن خارج نطاق السياسة المتبعة من طرف الطبقة الحاكمة. رابعا وهو الاهم، ان دلك لم يكن موازيا لاستيلاء تلك القوى على جزء من الاقتصاد. واعني بدلك ان المشاركة في الحكومة لم يكن يوازيها اشراك تلك القوى في الثروة، وبالتالي ليس تحولا طبقيا. ولا يمكن اعتبار ما جرى حتى تناوبا سياسيا. فعادت الطبقة الحاكمة الى تغيير موظفيها الوزاريين بعدما رات ان تلك التشكيلة استنفدت مهمتها.
الصراع السياسي في المغرب في وصعه الحالي لا يرقى الى مستوى صراع تناحري. من المؤكد انه يجري بين كتلتين طبقيتين متناقضتين، من اناحية الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن القول انه يشتد بين كتلة تسعى الى مراكمة التروة على حساب اغلبية الجماهير الشعبية الكادح، فالصراع من هده الناحية حرب طبقية تنيجتها تجويع الشعب الكادح. ولكن من الناحية السياسية هو صراع ليس متكافئا. فمن جهة هناك الكتلة الطبقية السائدة، ووراءها الادوات السياسية والايديولوجية والقمعية والسلطة والدولة.... ومن جهة اخرى هناك شرائح تسعى الى ترقيع النظام السياسي من خلال المطالبة ببعض الاصلاحات الدستوري ونزاهة الانتخابات وبعض المطالب الاجتماعية... وهنا يكمن الخلل. اد ان التمثيل السياسي للطبقة العاملة وعموم الشعب الكادح غائب عن دائرة الصراع. الى حدود الان لم يحدث فرز كنتيجة للصراع الاجتماعي، يتبلور بموجبه تنظيم سياسي من طراز مختلف. تنظيم يحمل مطالب الشعب وعلى راسه الطبقة العاملة. حزب الطبقة العاملة، لن يولد إلا بولادة جديدة لليسار المغربي. ولادة قادرة على تخليص اليسار بما علق به من امراض وطحاليب وبقايا الفكر الديني والقومي والعروبي المنغلق والشوفيني، واليسراوية والطفيلية والصبيانية حتى. لن يولد إلا من خلال حركة جماهيرية واسعة، ونشاط إيديولوجي وسياسي مكثف قادر على خلق أنوية ولبنات أولى قادرة على قيادة النضال من اجل الاشتراكية. واعيد مرة اخرى ما قلته في مقال سابق، ان لدلك شروط معينة :
1- شرط توجيهي وإيديولوجي: يجب العمل على أن يصبح الفكر الاشتراكي واسع الانتشار في المغرب، وكبح جماح الانتهازية واللامبالاة والتطرف الديني. أي أن هناك معركة إيديولوجية يجب خوضها. حتى يتم تجاوز الحلقات الضعيفة المنغلقة والمتعصبة والتحريفية منها وتنفضح المتخفية في زي الاشتراكية. في ظل الأرخبيلات القائمة والعقلية الاقصائية التي لازمت منطق تفكير التنظيمات والمجموعات اليسارية القائمة ، سوف نظل ندور في حلقة مفرغة. ويتكرر الطرح السياسي لمجموعة سياسية صغيرة في خطاب شبيه ومماثل والتشدق بأن هذا الطرف سرق مواقف الطرف الثاني الخ... والحرب الطبقية الضارية تلتهم من اليسار اطرافا من حين لاخر
2- شرط جماهيري: يجب خلق حركية جماهيرية مطلبية تحرك المياه الراكدة والآسنة. من شأن هذا الشرط أن يخلق ديناميكية تعمل على تجاوز العناصر المتهالكة والشائخة، وخلق قوى اجتماعية جديدة، تستطيع أن تقود النضال من أجل الاشتراكية.
بتحقق هذه الشروط تفرز الدعائم الأساسية لبناء حزب ثوري على قاعدة اجتماعية تعرف مضمون ومعنى الاشتراكية، وعلى أرضية اجتماعية، سياسيا وإيديولوجيا، لا يعتبر فيها الفكر الاشتراكي غريبا، حينها سيصبح الصراع على ارضية مخالفة. ويتحول الصراع الطبقي في المغرب الى صراع بين قطب جماعيري تقوده الضبقة العاملة وقطب تقوده البرجوازية وادنابها. ووقتها ايضا سيصبح بالامكان الحديث عن تمثيل سياسي وتعبيرات سياسية واضحة لاطراف الصراع.