غدر النساء


داود سلمان الشويلي
2017 / 4 / 1 - 12:06     

غدر النساء
تحليل لقصيدة الليالي "عهد النساء" (*)
داود سلمان الشويلي

القصيدة:
لا تأمنن الــــى النساء ولا تثق بعهودهــــــن
فرضــاؤهن وسخطهن معلق بفروجـــــــــهن
يبدين ودا كاذبـــــــــــا والغدر حشــو ثيابهن
بحديث يوسف فاعتبر متحذرا من كيدهـــــن
او مـــــــا ترى ابليس اخرج ادما من اجلهن
***
لم يكن الشعر في يوم ما بعيدا عن الجنس ، او عن علاقة الرجل بالمرأة على اقل تقدير،فمنذ امرؤ القيس والى يومنا هذا كان الجنس من موضوعات الشعر المعروفة ، واذا كان البعض يرى في البعض منه ادبا مكشوفا ، فانه يظل شعر قابل للقراءة من قبل العامة والخاصة ، فضلا عن انه شعر قد وجد مكانه في الدراسات الوصفية والنقدية .
في احدى قصائد امرؤ القيس المشهورة وهي معلقته (قفا نبكي )، وجد الجنس مكانا له فيها ، فهو عندما يقول :
فَجِئتُ وَقَد نَضَّـــــت لِنَومٍ ثِيابَها لَدى السِترِ إِلّا لِبــــسَةَ المُتَفَضِّلِ
فَقالَت يَمينَ اللَهِ ما لَكَ حيـــــلَةٌ وَما إِن أَرى عَنكَ الغِوايَةَ تَنجَلي
خَرَجتُ بِها أَمشي تَجُـرُّ وَراءَنا عَلى أَثَرَينا ذَيلَ مِرطٍ مُرَحَّـــــــــلِ
فَلَمّا أَجَزنا ساحَةَ الحَيِّ وَاِنتَحى بِنا بَطنُ خَبثٍ ذي حِقافٍ عَقَنقــَلِ
هَصَرتُ بِفَودي رَأسِها فَتَمايَلَت عَلَيَّ هَضيمَ الكَشحِ رَيّا المُخَلـخَلِ
إِذا اِلتَفَتَت نَحوي تَضَوَّعَ ريحُها نَسيمَ الصَبا جاءَت بِرَيّا القَرَنفُلِ
مُهَفهَفَةٌ بَيضاءُ غَيرُ مُفـــــاضَةٍ تَرائِبُها مَصقولَةٌ كَالسَـــــــجَنجَلِ
كَبِكرِ المُقاناةِ البَياضِ بِصُـــفرَةٍ غَذاها نَميرُ الماءِ غَيرُ المُحَــــلَّلِ
تَصُدُّ وَتُبدي عَن أَسيلٍ وَتَتَّقــــي بِناظِرَةٍ مِن وَحشِ وَجرَةَ مُطـــفِلِ
وَجيدٍ كَجيدِ الرِئمِ لَيسَ بِفاحِــشٍ إِذا هِــــــــــــيَ نَصَّتهُ وَلا بِمُعَطَّلِ
وَفَرعٍ يَزينُ المَتنَ أَسوَدَ فاحِــــمٍ أَثيثٍ كَقِنوِ النَخـــــــــلَةِ المُتَعَثكِلِ
غَدائِرُها مُستَشزِراتٌ إِلـى العُلا تَضِلُّ العِقاصَ في مُثَنّىً وَمُــرسَلِ
وَكَشحٍ لَطيفٍ كَالجَديلِ مُخَـــصَّرٍ وَساقٍ كَأُنبوبِ السَقِيِّ المُــــــذَلَّلِ

انه وصف لجسد المرأة المرافقة للشاعر الى المكان الذي سيختلون به.

و يصف في مكان اخر من قصيدته العملية الجنسية :
وَيَومَ دَخَلتُ الخِدرَ خِـــــدرَ عُنَيزَةٍ فَقالَت لَكَ الوَيلاتُ إِنَّكَ مُرجِــــــــلي
تَقولُ وَقَد مالَ الغَبيطُ بِنا مَــــــــعاً عَقَرتَ بَعيري يا اِمرَأَ القَيسِ فَاِنزُلِ
فَقُلتُ لَها سيري وَأَرخي زِمـــامَهُ وَلا تُبعِديني مِـــــــــــن جَناكِ المُعَلَّلِ
فَمِثلُكِ حُبلى قَد طَرَقتُ وَمُرضِــــعٍ فَأَلهَيتُها عَن ذي تَمائِمَ مُــــــــــحوِلِ
إِذا ما بَكى مِن خَلفِها اِنصَرَفَت لَهُ بِشِقٍّ وَتَحتي شِقُّها لَم يُــــــــــــحَوَّلِ
و لواطلعنا على المكتبة النثرية العربية القديمة لهالنا ما نرى من مجلدات تناقش قضية الجنس، وكلها من رجال دين معروفين ، كالسيوطي والانطاكي والتنوخي وابن الجوزي وابن حزم وابن داود والسراج وابن قيم الجوزية ومحمد النفزاوي، والتجاني ،فضلا عن الجاحظ وغيره.(1)
وان ما تشتمل عليه من اشعار يمكن ان نطلق عليها بلا تحفظ تسمية الادب لمكشوف.
***
لا يمكن ان نعد حكايات السِفر العربي العظيم (الف ليلة وليلة) حكايات ضد المرأة ، على الرغم مما يحويه من حكايات تحكي عن غدر المرأة وخيانتها ، انه ككل الكتب التراثية يتحدث عن المرأة كما يتحدث عن الرجل ، سواء بسواء ، الا انه كان قد ابرز ذلك عن المرأة ليؤكد (او لتؤكد شهرزاد لزوجها شهريار) ان على شهريار ان لا يتخذ موقفا سلبيا من المراة بسبب خيانة زوجته له ، لان البعض من النساء يفعلن ذلك .
وبالمقابل ، توجد هناك نساء عالمات،وشاعرات ،ومقاتلات، وملكات ، وحبيبات ... الخ ، اذ لا تخلو الحياة من كلا الصنفين.
ولو اردنا ان نفهم الليالي فهما صحيحا لا لبس فيه ، فهي مجموعة حكايات تتحدث عن علاقة الرجل بالمرأة ، ان كانت هذه العلاقة سلبية او كانت ايجابية .
وكان على شهرزاد ان تبرهن بالدليل ، على ان تلك الصفة التي رافقت المراة، ليس سببها المرأة حسب ، اذ ان بعض السبب ، بل هو السبب الهام ، كان من الرجل ، فراحت تقدم له الامثلة على شكل حكايات تنطلق من الواقع وتعود الى الواقع بنتائج ايجابية ،فكانت النتيجة النهائية ان اقتنع شهريار بتلك الادلة / الحكايات ، فكان شفاؤه من مرض فوبيا المرأة.
ورد الشعر اعلاه في احدى حكايات الف ليلة وليلة ، واذ نثبته هنا، فاننا في هذه الدراسة نقف منه موقف الرافض لما فيه من افكار خاطئة عن المرأة : الام ، والاخت ، والابنة ، والحبيبة ،و العشيقة ، ومن تشاركنا الفراش ، والقابل له في الوقت نفسه . فهو يطرح افكارا لا نقبلها عن المرأة وعقلها والقول ان مرجعه الفرج ، الجنس، ويرد كل دوافعها الى الجنس ، كما قال فرويد ، او كما جاء على لسان احدى شخصيات رواية الانهار لعبد الرحمن مجيد الربيعي (العشيق الاعمى) الذي وصف بطلة الرواية (هدى عباس) قائلا: (( هكذا هي ، لن تشفى من نزواتها وتظل اسيرة فرجها لا عقلها دوما )) (2) ، وموقف القابل لها، تمشيا مع التفكير الجمعي الشعبي الخاطيء ، في ان المرأة تحركها غريزتها الجنسية، وكأن المرأة وحدها في ذلك دون الرجل، على ان نصحح تلك النظرة الخاطئة .
المهم ان الشعر قد قيل وجاء ليؤكد حقيقة شعبية ،لاسباب كثيرة لا مجال لذكرها ، هو ان المرأة تحركها غرائزها الجنسية ، وهي تابعة لفرجها ، لهذا فهو يحذر من ذلك وعلينا نحن الرجال - اذ ان خطاب الليالي موجها اساسا للرجل " شهريار" - ان نأخذ العبرة مما جاء في قصتي يوسف ، و خروج ادم من الجنة ، التوراتيتين والقرآنيتين .
فقصة يوسف معروفة ، وهو يحيلنا الى جزء منها الذي يذكر مراودة زوجة العزيز له وحيلها في ذلك بعد ان ملك كل تفكيرها :
قال القرآن :((وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين )).[ سورة يوسف /23 - 24 ] (3)
وقررت ان تمارس الجنس معه مهما كانت الاسباب :
(( قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين)). [سورة يوسف -32 ]
اما قصة خروج ادم وحواء من الجنة ، فمعروفة للجميع،اذ ان ابليس قد اقنع حواء وهو بهيئة الحية ان تقنع ادم بإن يأكلا من الشجرة التي نهاهما الله الاقتراب منها ، وقد استطاعت حواء ذلك ، واكلت مع ادم منها ، فعصيا ربهما فعاقبهما بالخروج من الجنة.
قال القرآن :(( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين)). [ البقرة/ 35 /36 ]
كان سجن يوسف سببه المرأة، وخروج ادم من الجنة كان السبب نفسه.
اذن المراة - كما يريد ان يقول هذا الشعر- هي مصدر الشرور ، وان منبع هذا الشر هو غريزتها الجنسية .
لهذا فلا عهد لها طالما يتحكم فرجها بعقلها.
ولو عدنا الى الواقع لوجدنا ان الكثير من الرجال يتحكم في تصرفاتهم الجنس ، حتى قيل عن بعضهم : (عقله بين فخذيه) ، وهناك مشاكل اجتماعية كان سببها التصرف الجنسي للرجل ، وكذلك اغلب تعدد الزوجات هو بسبب الجنس .
اذن ، فبعض الرجال كبعض النساء ، تحركهم غرائزهم الجنسية... وقصة النبي داود غير بعيدة عن ذلك ،كما جاء في الموروث الديني اعتمادا على التوراة، اذ تذكر انه كان متزوجا من تسع وتسعين امراة ، وعندما رآى زوجة قائده العسكري (اوريا) الجميلة اعجب بها و اراد ان يضمها الى نسائه ، فارسل زوجها الى الصفوف الامامية لجبهات القتال ، ليقتل ، وقتل ، وتزوج من امراته.
قال القرآن : (( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب)). [ سورة ص / 21 - 24 ]
ان الابيات اعلاه قد فتحت المجال امامنا لكي ندرس حالة اجتماعية اخلاقية اشبعت بالقيل والقال على مستوى العامة ، وبالدراسات الاكاديمية على مستوى الخاصة، وقد قلنا رآينا بذلك ، امل ان نكون قد وفقنا بذلك.
***
الهوامش:
(*) جزء من كتاب بعنوان (قضية الجنس في الرواية العراقية).
1- جرد ببعض الكتب الجنسية التراثية ،كما وردت على اكثر المواقع الالكترونية المهتمة بنشر الكتب:
- رجوع الشيخ الى صباه- للشيخ الإمام العلامة الهمام سيدي محمد النفزاوي .
- نواضر الايك في معرفة النيك - الامام جلال الدين السيوطي.
- الوشاح في فوائد النكاح- الامام جلال الدين السيوطي.
- شقائق الاترنج في رقائق الغنج- الامام جلال الدين السيوطي.
- تحفة العروس ومتعة النفوس- محمد بن احمد التجاني.
2 - الانهار - عبد الرحمن مجيد الربيعي- مكتبة الثورة العربية - بغداد - ط1/ 1974 - ص253 .
3 - اختلف المفسرون في تفسير هذه الاية ، فمنهم من قال ان يوسف قد هم بها جنسيا كما همت به هي ، ومنهم من قال ان همه لم يكن جنسيا بل عقابيا ، أي انه هم بمعاقبتها، اعتمادا على عصمة الانبياء.
انظر:
- أحكام القرآن - الجصاص -ج 3 ص 220 .
- تنزيه الانبياء - الشريف المرتضى - ص 75 - برنامج المعجم العقائدي ـ الاصدار الأول.
- تفسير الطبري: 12 - 184 .
- تفسير الثوري- سفيان الثوري ص 140 .
- جامع البيان - ج 21 ص 239 .
راجع كتابنا : تجليات الاسطورة - قصة يوسف بين النص الاسطوري والنص الديني- موقع اصدقاء القصة السورية الالكتروني ، ومواقع اخرى.