لماذا يرفض حكماء المدى التبول على أيدي المجروحين؟


سلام عبود
2016 / 9 / 16 - 16:37     

ربما سيثير عنوان المقال بعض اللبس، وبعض الضيق وعدم الاستحسان أيضا. فالحكماء حالهم كحال غيرهم من البشر يمارسون وظائفهم الحيوية على نحو سليم وطبيعي. ولهذا قد يبدو العنوان للوهلة الأولى خاليا من الحصافة. أما عدم الاستحسان فمصدره يكمن في أن وضع فعالية جسدية غير مستحبة في رأس مقال، قد يزعج الجهة الناشرة، وربما يقلل من فرص نشر المقال في قنوات لا تطيق المواجهات الجذرية، التي تسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية. إن دوافع اختيار هذا العنوان غير المستحب ليست أخلاقية أو تهكمية، بل تراثية في المقام الأول، بدت لي ضرورية من الناحية العقلية والتعبيرية. فعلى إثر ظهور عمود صحفي في جريدة عراقية معروفة الاتجاه، توقفتُ وانقطعتُ مرغما عن مواصلة تنقيح كتابي الجديد الملحّ، ورحت أفكر في هذه الدعوة الإنسانية الفريدة، الموجهة الى الحكومة العراقية والسياسيين العراقيين والشعب العراقي عامة؛ وأدهشني أكثر كيف تم رفع هذه الدعوة الى مستوى النخوة الوطنية الأصيلة، والغيورة! فقررت أن أعيد الدعوة الى موضوعها الملائم، وأردها الى أصحابها.
اليكم مقتطفا يلخص هذه الدعوة:

" أبحث عن حكمة صغرى، وأبحث عن مصلحة دنيا، وأبحث عن فائدة متناهية الضآلة، توخّاها الذين وجّهوا دعوة رسمية إلى وفد من جماعة الحوثي اليمنية لزيارة بغداد وتنظيم لقاءات من مسؤولين كبار.. أبحث ولا أجد"
(مجتزأ من نصائح إنسانية نشرت في جريدة المدى الصادرة في العراق)

يؤاخذ بعض الناصحين الغيارى الحوثيينَ على جريمة التعاون- في دفاعهم عن أرضهم اليمنية- مع من اسموه "صدام الصغير، المخلوع"، علي عبدالله صالح. لكن هذا البعض لا يؤاخذ من طبب "صدام الصغير"، ومن رممه، ومن أعاده، بعد "الخلع"، الى سدة الحكم، في ذروة الربيع العربي الكاذب. هؤلاء لا يؤاخـَذون، لأنهم أطباء الرحمن، أطباء براميل النفط، الذين يمنحون الحياة والشرعية لمن يشاؤون، ويحجبونها عمن يشاؤون، ثم يتباكون مدعين أنهم "ضحايا".
يأخذون على الحوثيين قتالهم جيوش عشرة بلدان مجتمعة، يسمونها تحالفا عربيا (كم تحبون العرب والعروبة!)، ويأخذون عليهم تحالفا وجوديا يمنيا يمنيا، لمصلحة وحدة وطنهم، وربما لمصلحة بقائهم على سطح الأرض! تحالفات الحوثيين اليمنية اليمنية باطلة، لكن التحالف مع الغزاة الأجانب والمرتزقة الدوليين والشياطين والسلفيين التكفيريين يُعتبر رأس الحكمة وأعلى مراتب الشرف الوطني الجهادي.
يسألون عن "صدام الصغير". عجبا كيف يتخذ الحوثيون منه حليفا في مقاومة الغزو؟ إنه صدام الصغير! لكنهم لا يسألون صغارهم من أنتم؟ ماذا كنتم يوم أمس؟ من نصّبكم؟ ومن منحكم الشرعية الدائمة، المتنقلة في حقائب السفر، بعد خروجكم على إجماع الكتل الرئيسية، وامتثالكم لأوامر الغزاة؟
الحوثيون- لمن لا يعلم- هم من رجح منح ما يعرف بالرئيس الشرعي صفته الشرعية المؤقتة، ضمن اتفاق التفاهم المشترك، الذي مزقه الغزو السعودي.
متى أضحى"صدام الصغير" صداما، وعلى من مارس صدّاميته؟
لم يمارس صالح غزواته الواسعة ضد أحد سوى الجنوب. قام بذلك بقيادة هادي- ضد أهله الجنوبيين- وعلي محسن الأحمر، أبرز حلفاء السعودية ومشروع الغزو. والأحمر هو اليد العسكرية الضاربة لعلي عبد الله صالح حتى يوم أمس، وقريبه، الذي عدّ في زمن التحالف مع صالح "أخا" لبعض أشقاء الرئيس.
كيف خفي على حكماء يبحثون عن حكمة " متناهية الضآلة" أن "صالح" ، بمعاونة هادي والأحمر، لم يمارس أمهات معاركه الحربية شمالا على أحد أكثر من ممارستهاعلى الحوثيين. عقد متواصل من الحملات العسكرية الضارية، المتلاحقة، وأعمال القتل والتدمير والتنكيل والاغتيال!
ألم يكن عبد ربه منصور هادي هو النائب الأول لـصالح وماسح أحذيته؟
ألم يكن "صدام الصغير" هو الأب الشرعي للرئيس، الذي أضحى شرعيا وقائدا كبيرا بلمح البصر، يقود جيوشا أجنبية، والذي جعل ابنه، في أقل من عام واحد، يغدو "عـُديّا " يمنيا كبيرا، يتحكم في مصالح الجنوبيين وأرواحهم!
كيف لرئيس "توافقي" و"مؤقت" و "مستقيل"، أن ينقلب بأمر أجنبي، على من "توافقوا" عليه، ومن قبلوا به على مضض، سعيا منهم الى تفادي وقوع غزو أجنبي، يعرفون أنه قادم، لأنه جزء من مشروع دولي مخطط سلفا، بقيادة خليجية أردوغانية، يتجاوز حدود اليمن!
عن أية حكمة تبحث يا هذا!
لنترك السياسة، فهذا شأن معقد، ومزعج، يشبه الهلوسة.
لنتوقف عند النصائح الإخوانية الصادقة، كالبحث عن حكمة ولو صغرى "متناهية الضآلة" تتعلق باستضافة الحوثيين في العراق.
أين نجدها؟ يتساءل الكاتب بحرقة الملتاعين، الحريصين على الأمة العربية وشعوبها: أين الحكمة؟
ليس هناك ما هو أسهل من هذا، يا هذا.
الحكمة نجدها في نشرات الأخبار للشهرين الماضيين، وللسنتين الماضيتين. نجدها في نشرات الأخبار جميعها، بما فيها أخبار جريدة المدى.
نجدها لدى شخص اسمه أمير الكويت، ودولة خليجية خالصة اسمها الكويت. سلهم! سيقولون: لقد استضفناهم على أرضنا لشهر كامل، تواصلنا معهم، تحاورنا معهم، وقدمنا لهم كل سبل الإقامة والتحرك والكرم، ولم نسأل عن حكمة غبية أو ذكية من وراء ذلك.
ترى، ما الحكمة الصغرى التي وجدتها الكويت في الحوثيين؟
وهل وجدها غيرهم أيضا؟
نعم، وجدها آخر سلاطين الكون، سلطان سلطنة عمان، وجدتها سلطنته الخليجية الخالصة. سلهم! سيجيبون عن أسئلة الحكمة الفلسفية العميقة بصفاء نيّة. سيقولون: نحن نستضيفهم منذ عام ونصف، نضع طائراتنا ومطاراتنا وأجهزة اتصالنا للتواصل معهم. نحن نبذل كل ما نستطيع من أجل تقريب وجهات النظر، من أجل سلام ممكن، يقلل من حجم الموت والدمار الذي حلّ باليمن.
يوم أمس تمت استضافتهم مجددا في السلطنة!
الخلاف بين الكويتيين والحوثيين معروف وكبير جدا.
الخلاف بين العمانيين والحوثيين معروف أيضا، ولا يقل سعة عن الكويتي.
لكنهم رغم ذلك وجدوا حكمة ما، ومصلحة ما، ورابطة ما، وخلقا ما (وجود الأخلاق نافع أحيانا)، يجعلهم يمدّون يد التواصل الى الحوثيين، باعتبارهم كما تنعتونهم أنتم بأنفسكم: "الطرف الأقوى والأخطر في الصراع".
مع من يتحاور المتحاورون إذا تجاهلوا الطرف الأقوى والأخطر؟ مع من يتحاور المختصمون إذا تجاهلتم القوى اليمنية الرئيسية الكبرى، بصرف النظر عن الموقف السياسي منها، وتجاهلتم معها شرائح الوطنيين المستقلين المعادين للغزو؟ تتحاورون مع أنفسكم؟ مع القاعدة؟ مع الإخوان المسلحين؟ تتحاورون على طريقة الرئيس الأوحد للإقليم مع منافسيه؟ تتحاورون على طريقة الإسرائيليين مع الفلسطينيين؟
كنت أتمنى من هذا الحكيم وغيره أن يبحثوا لي عن حكمة صغرى، ولو ضئيلة بحجم رأس الدبوس، تجيبني عن سر طرد رئيس برلمان كردستان المنتخب.
عن سر تحالفات البارزاني الخارجية والداخلية ضد مصالح الشعب العراقي.
عن سر سياسة الضرب، تحت وفوق الحزام، الرامية الى إضعاف الخصوم السياسيين الكرد المنافسين.
كنت اتمنى أن يبحث عن الحريات الصحافية، وعن ثروات الشعب الكردي المنهوبة، عن الفساد المالي والأخلاقي والسياسي والثقافي، وعن دولة المواطنة ودولة العشيرة، وعن الرئيس الأبدي.
كنت أتمنى أن يبحث عن الحكمة من وجود حارس داعشي سعودي برتبة سفير على أرض العراق، ويشير الى ذلك ولو إشارة "متناهية الضآلة".
كنت وكنت وكنت، لكنني أعرف جيدا أن من لا يدرك حجم خرابه الشخصي لا يقوى على رؤية مآسي الآخرين!
المنطقة كلها تشتعل بالنار والدم والأحقاد، من جبال حمرين حتى الأطلس، ومن جرابلس حتى خليج عدن.
اليمن كلها، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، تشتعل بالحرائق والفواجع.
أخبرونا من أنتم؟ وما خلافكم مع هذا الشعب الطيب المبتلى، الذي يجعلكم لا تجدون حكمة، ولو صغرى، في استقبال فريق منهم على أرض العراق؟
هل فرغت صحون الشر كلها ولم يعد لديكم ما تلحسونه سوى معضلة الحوثيين، ومعضلة الاستقبال المروعة؟!
ربما يكون العراق ملكا خاصا لكم من دون أن نعرف! تستقبلون فيه من تشاؤون وترفضون من تشاؤون، تجدون الحكمة لمن تشاؤون، وتنسونها حينما تشاؤون. من أنت؟ ومن أنتم؟ من أية طينة خلقتم!
...
لا تكن وفيا لسلام ممكن أو محتمل أو مستحب! ذلك شأنك.
لا تكن يد خير تمتد لتقليل حجم الدم والدمار والألم! أنت حر في خيرك وفي شرك.
لا تكن حكيما كويتيا أو عمانيا! أنت حر في اختيار مضمون حكمتك.
كن ما تريد أن تكون، فمن حق المرء أن يكون أي شيء يريد، وأن يختار ما يشاء من أدوار.
ولكن، إذا أردت أن لا تعتبر ما يحدث في اليمن كارثة بشعة، ومما لا شك فيه أنك لا تعتبر ما يحدث هناك تدميرا للبشر والحجر أيضا، لأنه تحرير على الطريقة العراقية والسورية! وربما لا تعتبره تبديدا للأعمار والأرواح والأزمان والثروات أيضا. تلك بعض من حقوقك العقلية والأخلاقية، لا ينازعك عليها أحد.
ولكن، لو تواضعت قليلا تواضعا "متناهي الضآلة"، وسعيت الى أن تجعل من عام ونصف العام من القصف والمعارك المتواصلة والموت والدمار جرحا، وليس حربا مأساوية طاحنة عبثية، مستمرة، شبيهة بقادسيات "صدام الكبير"، لم يتمكنوا من حسمها، رغما عن جيوشهم العشرة. لو تواضعت في حكمتك وقدرت أن المأساة الكبرى التي حلت باليمن لم تكن سوى جرح، مجرد جرح، محض جرح صغيرعلى يد، فمن اللؤم أن تصل العدوانية المدفوعة الأجر حدا يأبى فيه المرء أن يفعل أقل ما في مقدوره فعله: أن يبول على جرح، وأن يوقف نصائحه التحريضية المليئة بالسموم، وأن لا يستكثر على اليمني الجريح ذلك.
أما الأكثر بشاعة من ذلك كله فهو أن نطلب من الآخرين مشاركتنا في ممارسة الحكمة اللئيمة، والنخوة العدوانية الخالصة الأصيلة، بالامتناع عن "التبول على إيد مجروح"، حتى لو كانت قطرة "متناهية الضآلة".
لا سامح الله بائعي ايديولوجيات الشر! لقد أفسدوا علينا كل شيء، أفسدوا علينا أرواحنا وأمزجتنا، أفسدوا علينا حتى كلماتنا وأمثالنا الشعبية.