المجتمع المدني السوري: الإنجازات والتحديات


عبدالله تركماني
2016 / 7 / 25 - 01:12     

المجتمع المدني السوري: الإنجازات والتحديات
السؤال الرئيسي الذي تطرحه الثورة السورية في سنتها السادسة هو: هل يمكن الحديث، اليوم، عن دور فاعل للمجتمع المدني السوري، عبر حاضنة اجتماعية من الشباب والنساء، يساعد على إنجاز التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية ؟
خاصة أنّ المجتمع المدني يحيل إلى فضاء الحرية في الفكر والعمل، وهو ضمير الشعوب والركن الأساس في عملية التغيير، وهو مرادف للتحول الديمقراطي، باعتباره البديل عن المجتمع الذي تهيمن فيه سلطة الدولة الاستبدادية الشمولية، والبديل، عن النظام القبلي والمجتمع الطائفي الذي تكون فيه الكلمة العليا لشيخ القبيلة أو رئيس الطائفة. وبمنظور أوسع، فإنّ المجتمع المدني هو الفضاء الذي يستطيع المواطنون المشاركة فيه بشكل متزايد في مرحلة التحول إلى مجتمع ديمقراطي.
وفي دولة حوّلتها السلطة الأمنية من فضاء عام لكل مواطنيها إلى فضاء خاص لأهل الولاء، حيث سلطة الدولة لا تستند إلى شرعية دستورية، وغير خاضعة لأية مؤسسات رقابية حقيقية، بل بوجود مراتبية تلعب فيها الأجهزة الأمنية الدور الأهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تقرّب أهل الولاء وتنفّر أهل الكفاءة، في دولة من هذا النمط من المؤكد أنّ تكون أسئلة الدولة والمواطنة من أهم إشكالياتها. فعلى امتداد العقود الخمسة الماضية هيمن نمط من الأجهزة الأخطبوطية على مجمل نواحي الحياة السورية، بحيث تم ابتلاع كل المظاهر الأولية لوجود المجتمع المدني السوري. بل أنّ المجتمع السياسي نفسه لم ينجُ من سيطرة هذه الأجهزة، حيث " قُضمت " الدولة وأُرغمت على إخلاء الساحة للسلطة الأمنية.
وبعد أن أوغلت سلطة آل الأسد في خيارها الأمني وصولاً إلى البراميل المتفجرة، وبعد أن تزايد الميل نحو العسكرة والأسلمة المتطرفة وطغيانهما على فعاليات الثورة السورية، وبعد الشرخ المجتمعي الذي تشهده سورية، وبعد أن تعثرت فعالية العمل السياسي المعارض، وبعد أن تعكر الأفق أمام تحقيق طموحات الشعب السوري في الحرية والكرامة، تكمن أهمية هذه المقاربة في أنها محاولة لإعادة الاعتبار لدور المجتمع المدني السوري لعله يستطيع التعاطي المجدي مع رهانات التغيير الديمقراطي في الحياة السياسية السورية.
المجتمع المدني ومسألة الدولة
يخترق تعبير المجتمع المدني اليوم الشعارات والبرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلدان المتقدمة والنامية على السواء، ويعتبر إحدى الوسائل في مواجهة طغيان سلطة الدولة وسبيلاً لتحقيق حرية الفرد. ويتعاظم دور هذا المجتمع في كل مرة يصبح فيها الشأن العام أكثر التصاقاً بأمور مطلبية مباشرة.
إنّ ما يتوافق عليه الجميع، كون مؤسسات المجتمع المدني مستقلة عن مؤسسات الدولة، وغير خاضعة لسلطتها، وتمارس دوراً متعدد الجوانب، يبدأ بالسياسة لجهة الرقابة ومتابعة ما يصدر عن سلطة الدولة في ميادين متصلة بحقوق الإنسان والحريات السياسية والفكرية والإعلامية، إلى مهام اجتماعية وتنموية، وقضايا تتناول هموم المواطن.
لقد شهد المجتمع المدني في البلدان العربية تطوراً كبيراً في العقود الأربعة الماضية، لكن هويته ظلت ملتبسة وغامضة في الكثير من الأحيان ولم تستقر بعد، فلا يزال التخبط مستمراً بين ما هو سياسي وحزبي وماهو حقوقي ومدني، وبين ما هو مطلبي واحتجاجي، وما هو رقابي ورصدي، وبين ما هو رفضي واعتراضي وما هو اقتراحي وتشاركي.
وفي الواقع المجتمع المدني، كمجتمع مواطنين أحرار، لا يتبلور في معزل عن مسألة الدولة، بل من خلال عملية تفاعل معها.
معوّقات المجتمع المدني السوري
واقع المكونات التقليدية للمجتمع السوري وديمومة الاستبداد لنصف قرن كان لهما دور كبير في إعاقة منظمات المجتمع المدني أو قبول طروحاتها. إضافة إلى جملة من الأسباب المعوّقة لجهودها منها: كثرة انقساماتها وتنازعها على القيادة، والتمويل الخارجي، وضعف الطاقة الاستيعابية لهذه المنظمات، إذ ظل بعضها محصوراً ومحدوداً وليس فيها عضوية حركية، وطاقات جديدة. وهكذا أصبحت معزولة وضعيفة، وأحياناً تكرر نفسها ويستمر في إدارتها رموز مهيمنة.
إنّ مجتمع الحزب الواحد أشاع حالة من السلبية والعزوف عن الانخراط في النشاط العام، إذ غابت لدى غالبية الأفراد والجماعات المبادرة الذاتية والتفكير المستقل، وحصلت حالة من القطيعة بين أغلبية أفراد المجتمع والنخبة السياسية، في السلطة والمعارضة معاً، بعدما بطشت السلطة بقوى المعارضة وأماتت أي تعبير أو مؤشر على حياة سياسية طبيعية. وأفضت حالة الانفصال والقطيعة إلى إنتاج التكلس والتخشب ومراكمته في مفاصل المجتمع والسياسة، وإيجاد بنية مجتمعية راكدة ألغت أي حافز للاجتهاد والإبداع، وأعادت إحياء روابطها البدائية من عشائرية وطائفية وغيرها.
ورغم تطور نشاط العمل المدني السوري خلال السنوات الخمس الماضية ونشوء العديد من مبادارت المجتمع المدني لكنّ هذه المبادارت بقيت مشتتة وبعيدة عن وضع الرؤى والسياسات العامة.
ولعل من أهم المعوّقات الفكرية:
- الدور الذي يمكن أن تقوم به مؤسسات المجتمع المدني، فإذا كان هدف الأحزاب السياسية الوصول إلى السلطة، فإنّ مؤسسات المجتمع المدني لها آليات وأساليب أخرى، وإن اشتركت أحياناً في بعض الأهداف.
- ضعف الثقافة الديموقراطية، وكذلك النقص الشديد في الوعي الحقوقي.
- معاناة مؤسسات المجتمع المدني السوري من غياب المبادرة أو ضعفها على المستوى الفكري والعملي، وعدم التوجه إلى دراسة الظواهر الجديدة.
- الارتياب من العلاقة مع الآخر، ولعل بعض الأطروحات الانغلاقية لا تدرك أنّ العالم كله أصبح قرية عالمية صغيرة، وأنّ هناك قيماً إنسانية مشتركة لبني البشر، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو لغتهم أو منشئهم الاجتماعي أو جنسهم.
إنجازات منظمات المجتمع المدني السوري
بعد انطلاق الثورة في آذار 2011، وازدهار النشاط المدني، تضافرت الجهود التي اتجهت نحو رسم خطط لبناء المؤسسات في سورية الديمقراطية مستقبلاً، وطالبت بالعدالة الانتقالية، ووضعت تصورات لحوكمة رشيدة، هي الأقرب في عملها إلى المساهمة في تحقيق تنمية سياسية في سورية، رغم أنه غاب عن أذهان البعض من منظمات المجتمع المدني أنّ الانتقال الديمقراطي دون آلية محاسبة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الأعمال الانتقامية الدموية.
لقد نشأت، منذ بداية الثورة في آذار 2011، مئات المنظمات المدنية، معظمها موجود في الخارج، ويوجه نشاطه نحو الداخل، ومثل هذه المنظمات غير قادرة على تأسيس، أو المساهمة، في إنشاء حيّز عام مدني/سياسي، طالما اقتصر عملها على الجانب الإغاثي أو التوثيقي، على الرغم من أهميته. ذلك أنّ حصر عمل هذه المنظمات بالعمل الخدمي المباشر يهدد المجتمع المدني في سورية، من خلال تغييب دوره عن مجالات المشاركة السياسية، وصنع السياسات العامة.
وعلى الصعد الثقافية والتربوية، ساهمت بعض هذه المنظمات في رفع مستوى الوعي عن طريق انشطتها في هذه المجالات مثل تمويل برامج التدريب، وتنظيم الدورات التدريبية، وعقد الندوات وإصدار المجلات وتشجيع أعضائها على المشاركة في الحياة السياسية والثقافية، وتوعية المواطنين بحقوقهم وواجباتهم.
أما على صعيد المساعدة في نشر قواعد ومفاهيم الديمقراطية، فقد لعبت بعضها أدواراً مهمة، لجهة تقديم الوسائل والخبرات والإمكانات، وشكلت مدارس للتدريب على فنون الادارة والقيادة ومعالجة الأزمات.
ويبدو أنّ الحامل الاجتماعي للثورة السورية سيكون العامل الحاسم في سيرورتها وآفاقها المستقبلية، وتكمن أهمية مؤشر انخراط مكونات وفئات جديدة في فعاليات الثورة، في إمكانية إعطاء الثورة هوامش حراك ومناورة ضرورية وحيوية، تخرجها من وصف " ثورة الريف "، أو " ثورة المساجد "، أو " ثورة الأحزمة العشوائية "، وهو الأمر الذي بقدر ما يعطيها القدرة على الاستمرار والتواصل، يمنحها أيضاً القدرة على تحقيق التمثيل لأكبر فئات المجتمع ومكوناته، على طريق الحالة الوطنية الشاملة، التي ترتكز إلى استنهاض الشعب، ككتلة سياسية فاعلة، لها مطالب واضحة تخص الجميع وترتبط بالإطار الوطني الجامع وبالمشاركة السياسية.
إنّ السوريين الجدد هم أبناء الحراك الشعبي، وغالبيتهم من الشباب، وقسم كبير منهم من المتعلمين، وعلى رغم أنّ أكثرهم من الرجال، فإنّ قسماً مهماً منهم من النساء، ويتركز وجود هؤلاء جغرافياً بصورة أساسية في الأرياف وفي المدن المتوسطة وعلى حواف المدن الكبرى، ولهذا الانتشار الجغرافي ما يبرره. ففي غالبية هذه المناطق كان السكان مهملين أو على هامش الحياة العامة بمناحيها وأنشطتها، حيث لا أنشطة ولا مشاركة سياسية، وإن حضرت فإنها أنشطة ومشاركات للتسبيح بحمد وشكر السلطة وحزبها، في وقت لا تتوافر فيه الفرصة لأنشطة من ألوان سياسية وأيديولوجية أخرى، كما لا تتوافر الفرصة لأنشطة عامة في إطار المجتمع المحلي أو منظمات المجتمع المدني ومنها الجمعيات التي تهتم بالبيئة أو التنمية وحقوق الإنسان وغيرها.
إنّ الطيف الشبابي، الناشط في منظمات المجتمع المدني، أعاد السياسة إلى الفضاء السوري العام، بعد أن غابت لعقود، والحرية تعني له آفاقاً مفتوحة أرحب تحيل إلى سورية كمجال عمل، وإلى خبرات اجتماعية وسياسية واقتصادية مشتركة، أساسها الشعور بحصار السلطة وضآلة الفرص، وإلى قيم إنسانية عامة كالمساواة والاحترام. لقد أعلنها واضحة جلية أنّ الوحدة الوطنية هي قدس الأقداس، وأنه لا جدوى من أي شحن طائفي، أو غرس الرعب في أفئدة الناس عبر إيحاءات تمتد خيوطها إلى مكاتب المسؤولين في أجهزة المخابرات. فالوحدة الوطنية السورية المبنية على قاعدة احترام الخصوصيات، وتأمين الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لجميع المواطنين من دون أي استثناء، مثل هذه الوحدة الوطنية هي التي تعد الحاضنة الكبرى القادرة على جمع كل السوريين، بعيداً عن روحية الأحقاد، وعقلية الانتقام والإقصاء، وسياسة اعتماد الولاءات ما قبل الوطنية، المتناغمة مع النزعات الاستبدادية.
إنّ الشباب السوري يختزن طاقة نضالية هائلة، وقدرة على إنتاج قيادات بسرعة قياسية، واستعداداً للتضحية لا حدود له. وقد يتمكن، من خلال شعارات تتعلق بالخبز والحرية والكرامة، من إقناع فئات مختلفة من الشعب السوري بالانضمام إلى حركة التغيير، فضلاً عن لعبه دور مؤثر في الدعاية لهذا التغيير من خلال تبادل الرسائل والصور عبر " التويتر " و" الفيسبوك " وبث كل ذلك إلى العالم.
وتعد المجالس المحلية، التي ساهم فيها العديد من نشطاء المجتمع المدني، أحد أهم إفرازات الثورة السورية لتعبيرها عن التحول الذي طرأ على طبيعة العلاقة مع المركز من جهة، ولكونها أداة لإدارة المرحلة الحالية والانتقالية من جهة أخرى.
تحديات منظمات المجتمع المدني السوري
بعد انطلاق الثورة في آذار 2011، وازدهار النشاط المدني، درج جزء كبير من منظمات المجتمع المدني العاملة داخل سورية أو في دول الجوار على تصنيف عمله في خانة التنمية، لكنّ هذا الأمر حمّل تلك المنظمات ما لا طاقة لها به، خاصة أنّ البلد يشهد نزاعاً على امتداد كامل أراضيه تقريباً. ومعظم هذه المنظمات عنت بالتنمية، مع خلط واضح بين مفهوم الخدمة ومفهوم التنمية. وهذا ليس لقلة معرفة عند تلك المنظمات، ولكن بسبب الحاجة الماسة التي خلقتها الحرب، ولاستحالة إنجاز مشاريع تنمية مستدامة على أي صعيد داخل سورية، والنزاع على أشده، وما من بوادر حلول في الأفق.
وفي ظل الحراك السياسي لدفع العملية التفاوضية للتوصل إلى حل سياسي ينهي الصراع الدائر، فإنه من الأهمية بمكان تعزيز الدور السياسي للمجالس المحلية واستثماره لأجل تعزيز الموقف التفاوضي للمعارضة، ولاحقاً لدفع العملية السياسية وحماية المكتسبات الناجمة عنها من محاولات الثورة المضادة الرامية لإجهاض الحراك الثوري. ولا يخفى على المراقب أنّ المجالس المحلية تملك كموناً عالياً يؤهلها لتشكيل هيئات سياسية مستندة على شرعية شعبية محلية تجعلها تتفوق عن كافة الأجسام السياسية الحالية.
ولتحقيق ما سبق يتوجب توفير دعم يستهدف تعزيز قدرات وموارد المجالس وتمكينها مؤسسياً من الصمود في وجه التحديات المختلفة، من خلال رفدها بعوامل النجاح المؤسسي والمالي وبرامج بناء القدرات والتدريب المستمر، لاسيما في ما يتعلق بالعمل السياسي، إضافة إلى تأطير علاقة المجالس بغيرها من هيئات الحراك الثوري، المدنية والعسكرية، على قاعدة وحدة الهدف ووفق مبدأ توزع الأدوار وتكاملها.
ويستوجب الأمر إحداث نقلة مهمة في الميدان التربوي بتغيير وتطوير المناهج الدراسية وتنقيتها من كل ما يتعارض مع حقوق الإنسان وحرياته، وبالتالي الاهتمام بنشر الثقافة الحقوقية والديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان، ويمكن هنا أن يلعب المجتمع المدني دوره كقوة اقتراح، سواء بتقديم مشاريع أو أنظمة وقواعد عمل أو برامج خاصة، كما يمكن الإسهام في التدريب والتأهيل.
نحن أمام ثورة وطنية تجمع فقراء المدن والأرياف إلى أبناء الطبقة الوسطى، للمطالبة بالحرية والمشاركة السياسية والتقاسم العادل للثروة. والحل في سورية اليوم هو في انخراط جميع مكونات المجتمع السوري في عملية التغيير، لإعادة بناء وتشكيل دولة الحق والقانون المدنية التي تضم كافة مكوّنات المجتمع دون استثناء ودون خوف أو قلق.
إنّ عملية التحول الديمقراطي تقتضي إعادة صياغة القيم السائدة، وتغيير أنماط السلوك من خلال مجموعة كبرى متكاملة من التحولات، من أهمها: التغيير من مناخ اليأس والقدرية إلى مناخ الثقة بالذات والقدرة على التحكم في المصير، والانتقال من القدرية التي يسيطر عليها الماضي إلى التوجهات المستقبلية.
وفي هذا السياق لا ينبغي توجيه طاقات الشعب السوري لتصفية الحساب مع الماضي وإهمال تحديات الحاضر وتأجيل التفكير في آفاق المستقبل، لأنّ تصفية الحساب مع الماضي ينبغي، استعانة بخبرات الدول الأخرى التي انتقلت من السلطوية إلى الديمقراطية، ألا تؤدي في النهاية إلى تفكيك الدولة ذاتها إلى مكوّناتها الفسيفسائية.
والتحدي الكبير هنا لا يقتصر على إصلاح التخريب الإنساني والوطني الذي تسبب به الاستبداد، بل يتعداه إلى ظهور الإنسان الجديد، الفرد المستقل الضمير والعقل. فما هو قادم لا يزال كبيراً، ولا يقل عن ثورة دائمة في أشكال وتعبيرات سياسية وثقافية وإنسانية مختلفة. وما هو قادم أصعب من أن يُحتوى بتنازلات شكلية أو بحلول اقتصادية لمشكلات هي في الأساس سياسية. فالحكم الصالح اليوم يتطلب دستوراً جديداً يؤكد قيم الحرية والعدالة، وينجح في إرساء تقاليد التداول على السلطة، في ظل انتخابات حرة وشفافة وضمانات لكل مكوّنات المجتمع. ففي المرحلة الجديدة لن تكون مصادرة حرية الرأي مقبولة، ولن يكون سجن صاحب الرأي ممكناً بلا مقاومة، ولن يكون انتهاك حقوق الإنسان مقبولاً، ولن يكون السكوت عن الفساد والتسلط أمراً طبيعياً. وفي المرحلة الجديدة لن يقبل الناس بعدم المشاركة ولن يخضعوا لحالة الطوارئ، بل سيتصرفون انطلاقاً من حقهم الطبيعي في الكرامة والعدالة والمساواة التامة في وطنهم. وهذا سيعني اعتبار الوطن ملكاً لجميع مكوّناته وليس لفرد أو حزب أو أقلية.
وهنا تكمن أهمية دراسة جدل وتكامل دوري المجتمع المدني والأحزاب السياسية المعارضة، من زاوية علم الاجتماع السياسي، في أنّ هذا التكامل يندرج ضمن إطار " التربية المواطنية "، كوسيلة من وسائل تنوير المواطن بحقيقته من حيث أنه عضو حر في الدولة، يتساوى مبدئياً مع سائر أعضائها في الحقوق والواجبات، ويشارك في حياتها على جميع الأصعدة.
وبإشاعة هذا التكامل في التنشئة السياسية يزداد الوعي العام بأهمية الحوار، بوصفه وسيلة لتحقيق التماسك الاجتماعي، وبوصفه وسيلة لمحاولة التوصل إلى الأحكام الرشيدة، وبوصفه أحد ضمانات إنجاز التحول الديمقراطي واستمراره.
ففي الحالة السورية، يبدو أنّ الأولوية تقتضي إعادة السياسة إلى المجتمع، بما يضمن ويمكّن الجمهور العام وقواه الحية من الدخول في الحوار، وتبادل الرأي في كل مسائل الشأن العام، بصبر وروية، والابتعاد عن الشعارات الطنانة، كي نقترب من جوهر السياسة القائم على الاستعداد للتفاعل والتبادل والتسويات، من خلال عقد الاجتماعي مبني على إرادة جماعية عليا، على جميع أفراد المجتمع احترامها وقبولها والانصياع لها.
إنّ شرعية وجود المجتمع المدني مهمة من حيث وظيفته الاعتراضية السلمية، ذلك أنّ توسّع فكرة المجتمع المدني فتح باباً لدخول شركاء جدداً في الحياة العامة، يرصدون ويراقبون ويحتجون ويعترضون ويقترحون بدائل عما هو قائم، ولا يريد التدخل بالسياسة بشكل مباشر أو إحداث تغييرات بالقوة، لكنه لا يلين بالدعوة إلى الإصلاح والتغيير.
وانطلاقاً من تجارب الدول الأخرى، يجب تقييم تجربة التنمية السياسية بأبعادها الشاملة في سورية قبل 2011 وفي الوقت الحالي. إنّ المشاركة العامة في الشؤون السياسية يجب أن تكون ذات أولوية، وهذا يتضمن تعديل الأطر الدستورية والقانونية التي تحد من هذه المشاركة. والمشاركة السياسية يجب أن تشمل تلك الفئات التي كانت غائبة عن المشاركة في أي نشاط سياسي، أو تم حرمانها من حقوقها. ويجب تمكين المرأة السورية من أجل تحقيق علاقة شراكة متساوية مع الرجل في المجال السياسي، باعتبار أنّ هذا النوع من المشاركة الفاعلة للمرأة هي الضامنة لحصولهم على حقوقهم القانونية والاجتماعية والاقتصادية. ويجب أن يتضمن هذا الإطار المستقبلي تحديث القوانين الانتخابية في البلاد ووضع آليات من شأنها تحقيق مستوى عالٍ من الشفافية والنزاهة في الانتخابات، وإعطاء الفرصة للشباب.
وفي الوقت نفسه الذي يتم فيه تنفيذ هذا الإطار المستقبلي، يجب أن يتم وضع ضمانات من أجل منع أي تراجع في هذا السياق، وهذا يتضمن توثيق محاولات الحد من الاختيار السياسي الحر، ورفع الوعي فيما يتعلق بأهمية المشاركة السياسية الفاعلة لكل المواطنين وتفعيل آليات مراقبة ومساءلة السلطات.
خاتمة
تفعيل وتعزيز آليات عمل المجتمع المدني وبناء قدارته ورفع الوعي وزيادة القدرة على التنسيق والتواصل ضمن إطار تمكين المواطنة الإيجابية وتطبيق مفاهيم الحقوق والمسؤوليات. من هنا كانت الحاجة لعمل وطني مشترك يؤكد على الدور الاستراتيجي لمنظمات المجتمع المدني في بناء سورية وملء الفضاء العام وترسيخ الوحدة الوطنية الجامعة، وتعزيز قدرة هذه المنظمات على تقديم الخدمات وبرامج التوعية وطرح البدائل، وتشكيل قوة ضغط قادرة على حمل هذه المشاريع وتنفيذها، بحيث يصبح لجميع السوريين القدرة على المشاركة في صناعة قرارهم واستراتيجية دولتهم، وذلك من خلال العمل ضمن المسؤولية الوطنية على جعل المجتمع المدني وأصحاب الاختصاص صانعين لاستراتيجيات الدولة وبناء السلام بدلاً من أن يكونوا مجرد متلقين أو منتقدين لما يصدر عن السلطات.
وهكذا، يبدو أنّ الثورة السورية قد تجاوزت مرحلة الخطر، بعد أن حققت الانتشار، وصنعت الديمومة، وأفرزت قياداتها، وباتت تملك الهوامش الضرورية للمناورة والمساومة وتحقيق الإنجازات. فالعامل الرئيسي في النهاية هو الشعب السوري، تصميمه على خوض معركة الحرية والكرامة إلى نهايتها، ووعيه بحقيقة الفرصة التاريخية المتاحة أمامه اليوم، ومخاطر تفويتها على مستقبل سورية وحريتها، كما على وعيها بذاتها.
إنّ سورية بحاجة ماسة إلى دولة مدنية تعمل بمقتضى دستور عادل وديمقراطي، يكون الجميع متساوين في الحقوق والواجبات دون تمييز أو تفرقة، وطن تكون العلاقة فيه بين الدولة والمجتمع أساسها المواطنة وحقوق الإنسان، والقانون العادل هو أعلى سلطة لخدمة الجميع. مما يتطلب مبادرة الشباب وسعيهم لبلورة خياراتهم ورؤاهم، ومحاولة تجديد ما هو موجود وبث الروح فيه، أو إبداع أشكال جديدة للتعبير عن أنفسهم، والمشاركة في تحسين أوضاعهم، وليكون لهم دور في بناء وطنهم، فقد يكون هذا الدور هو الأكثر أهمية والأشد حسماً في مستقبل سورية.
ولا شك لدينا أنّ الانتعاش النسبي لدور منظمات المجتمع المدني يمثل عودة الروح إلى ركن أساسي من أركان الحراك الديمقراطي، ولذا فمن الأهمية بمكان أن تقلع الأحزاب السياسية عن عقلية الوصاية، وأن تتجه هي نفسها إلى إكساب عملها السياسي أبعاداً اجتماعية أعمق. إذ أنّ العلاقة بين العمل السياسي وبين العمل في مجال المجتمع المدني هي التي يمكن افتراضها بين السياسة وبين الشروط المتحضرة لممارستها، إذ أنّ منظمات المجتمع المدني تحاول أن تقوم بكبح جماح المكيافيلية في الممارسة السياسية وتقييدها بضوابط قيمية معيارية لتهذيب السياسة وإخراج منطق ممارستها من المنطق الانتهازي، المتمحور حول المصلحة فقط، إلى المنطق الحضاري الذي تصير فيه السياسة فعل مؤنسن تتكامل فيه الأدوار بين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.
وثمة جانب آخر من العلاقة بين الأحزاب السياسية المعارضة ومنظمات المجتمع المدني في تكوين صيغ جديدة للعمل السياسي الديمقراطي، ذلك أنه كلما نجح العمل في جبهة المجتمع المدني لانتزاع حقوق المواطن والجماعة الوطنية، وضمان حريتهما وكرامتهما في وجه أية سلطة وفرض حدود قانونية لتدخلها، أسفر ذلك عن ميلاد المواطنية بمعناها العصري، وعن تكريس السلطة كعقد اجتماعي متوافَق عليه، وحوّل السياسة إلى قضية عامة لا تحتكرها النخب بل يتداولها الجميع. وبتعبير أخر حين يعاد الاعتبار للمواطن تعاد هيكلة السياسة والعمل السياسي، إذ يكف الإنسان عن أن يكون مجرد رقم في الساحة السياسية وفي المجتمع، ليصير إنساناً كامل العضوية في مجتمع المواطنين.
ومن المؤكد أنّ منظمات المجتمع المدني هي - في المحصلة - جزء من الحراك السياسي العام في المجتمع، إنها جزء من حيث الفعالية السياسية ومن حيث بعض الأدوات وقوى الضغط التي تعتمدها في عملها، لكنها أكبر من الجزء إذا عالجنا علاقتها بالعمل السياسي من زاوية الأهمية التي يكتسبها وجودها، وطبيعة التأثير الذي تمارسه على العمل السياسي. إنها عنصر جذب نحو توحيد المواقف وإعطاء العمل السياسي بعداً ثقافياً - إنسانياً يمنحه الشرعية الشعبية الواسعة.

غازي عينتاب: 23/7/2016 الدكتور عبدالله تركماني
باحث في مركز حرمون للدراسات المعاصرة