كذب المحدثون وان صدقوا - مقال في تحقيق رواية -


داود سلمان الشويلي
2016 / 7 / 22 - 09:59     


للاحاديث والاخبار والروايات رجال يقومون بنقلها شفاهيا يسمون (رجال الاسناد )، وللرجال هؤلاء علم يفحصون به من حيث (قوة اسلامهم ،وسلامتهم الفكرية والعقلية ، ومن حيث العقيدة او المذهب الذي يعتنقونه ، و امور اخرى) يسمى علم الرجال ، وفرع منه هو علم الجرح والتعديل لهؤلاء الرجال .
وهذا الاسناد هو الذي دائما يفحص في أي حديث او خبر او رواية، فتكون سلامة الحديث او الخبر او الرواية تأتي من هذا الفحص ، اما المتن فيبقى دائما خارج المسألة ولا يفحص عند المهتمين بالحديث او الاثر .
ولكن الخبر او الرواية التالية لم تفحص من حيث الاسناد ولا المتن ، وانما ذكرها الاولون في كتبهم ، وجاء المتأخرون فابعدوها عن الروايات الصادقة .
تحدثنا المصادر القديمة المعتبرة عن وجود خبر عن السيدة عائشة ، هذا الخبر يتعارض كليا مع ما جاء في القرآن الذي هو محفوظ من قبل الله - حسب التصور الاسلامي - ، اذ يقول القران : ( انا نزلنا الذكر وانا له لحافظون ).
ولما كان القرآن يقر ويصر على انه محفوظ عن الخطأ ، والزلل ، والاندثار ، والزيادة ، والنقصان ، وكل ما من شأنه ان يغير فيه ( زيادة او نقصان ) فكيف نفهم رواية خبر السيدة عائشة ؟
الخبر جاء بعدة مصادر، وبعدة طرق سنذكرها لتعم الفائدة .
الحديث كما جاء في بعض المصادر:
-‏ ((حدثنا ‏ ‏أبو سلمة يحيى بن خلف ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الأعلى ‏ ‏عن ‏ ‏محمد بن إسحق ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن أبي بكر ‏ ‏عن ‏ ‏عمرة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏و عن ‏ ‏عبد الرحمن بن القاسم ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت ‏‏لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وتشاغلنا بموته دخل ‏ ‏داجن ‏ ‏فأكلها. )).
تنقل الرواية ان هناك اية من القرآن مكتوبة بصحيفة - لم تذكر نوع الصحيفة هل هي من الجلد ، ام من البردي ، ام أي شيء مصنوعة منه- موجودة تحت السرير، وعند وفاة النبي تشاغل اهل الدار بوفاته، فجاءت الداجن – تحددها احدى الروايات بالشاة ، واخرى بالدويبة – فاكلتها ، فضاعت الاية التي كانت مكتوبة عليها.
هذه هي قصة هذا الخبر .
كيف تستقيم نتيجة ما وصلت اليه هذه الاية – اية الرجم او رضاعة الكبير – مع قول القران (انا نزلنا الذكر وانا له لحافظون)؟
أي ان حكمين من احكام الشرع قد فقدا ، وهما اية الرجم غير الموجودة في القرآن والتي يقوم المسلمون الى يومنا هذا يرجمون الزانية تنفيذا لها، واية رضاعة الكبير عشرا ، وهو حكم لم ينفذه المسلمين الا مرة واحدة بحياة النبي.
الحديث اعلاه ذكره كل من :
- الإمام ابن ماجه 1/625 - ولد سنة 209هـ.
- أبو يعلى في مسنده 8/64 - ولد سنة 210 هــ.
- ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث – ولد في 213هـ.
-الطبراني في معجمه الأوسط 8/12-ولد في 260هـ .
- الدارقطني: 4/179 – ولد في306هـ.
- ابن حزم في المحلى 11/236 -384هـ.
و يرويه محمد بن إسحاق ، ولفظه هو : ( لَقَدْ أُنْزِلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ ، وَرَضَعَاتُ الْكَبِيرِ عَشْرٌ ، فَكَانَتْ فِي وَرَقَةٍ تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِي ، فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشَاغَلْنَا بِأَمْرِهِ ، وَدَخَلَتْ دُوَيْبَةٌ لَنَا فَأَكَلَتْهَا ).
- ورواه الإمام أحمد في " المسند " (43/343 – ولد في 164هـ ).
- ورواه ابن ماجة في " السنن " (رقم/1944) ولفظه : ( فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ دَخَلَ دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا ).
- و(( حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف ثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها)).
- وأخرجه أحمد (6/269) وأبو يعلى في المسند(4587) والطبراني في الأوسط )12/ 8(وغيرهم من طريق محمد بن إسحاق قال حدثني عبدالله بن أبي بكر بن حزم عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة زوج النبي.
- أما يحيى بن سعيد فرواه عن عمرة عن عائشة
قال ذلك ابن عيينه وأبو خالد الأحمر ويزيد بن عبدالعزيز وسليمان بن بلال
وحدث محمد بن إسحاق لفظا آخر وهو عن عائشة (( لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم انشغلنا بموته فدخل داجن فأكلها)).
- ورواه الدارقطني في سننه في كتاب الرضاع من حديث محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمره عن عائشة وعن عبد الرحمن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت (( لقد نزلت آية الرجم والرضاعة وكانتا في صحيفة تحت سريري فلما مات النبي تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها )).
- وروى إبراهيم الحربي في كتاب غريب الحديث (( ثنا هارون بن عبد الله ثنا عبد الصمد ثنا أبي قال سمعت حسينا عن ابن أبي بردة أن الرجم أنزل
في سورة الأحزاب وكان مكتوبا في خوصة في بيت عائشة فأكلتها شاتها)) .
تكذيب الحديث:
وقد كذب الحديث هذا مجموعة من الرجال اتوا بعد اؤلئك الذين ذكروه في كتبهم وكأنهم – هؤلاء المكذبين - يعلمون بما لا يعلم به الاقدمون ، وهم:
- قال الآلوسي (ولد في1217 هـ) في ) روح المعاني – ج 11 – ص 140 ): "من وضع الملاحدة وكذبهم ".
- وقال السرخسي (ت 803هـ) في ( المبسوط – ج 5 – ص 134):"ضَعِيفٌ جِدًّا".
- وقال النسفي (ت 710هـ) في(تفسير النسفي : مدارك التنزيل وحقائق التأويل – ج 3 – ص 14 ): " من تأليفات الملاحدة والروافض".
- وقال القرطبي (ت 671هـ) في(تفسير القرطبي – ج 14 – ص 113 ) " : مِنْ تَأْلِيفِ الْمَلَاحِدَةِ وَالرَّوَافِضِ ".
- وقال الجورقاني (ت 543 هـ) في كتابه "الأباطيل والمناكير" (حديث 541 (:"هذا حديث باطل."
لنتساءل :
-كيف عرف الالوسي انه من وضع الملاحدة وكذبهم؟
- ولماذا ضعفه السرخسي؟
- وكيف عرف القرطبي والنسفي انه من وضع الملاحدة والروافض؟
- وكيف ولماذا ابطله الجورقاني؟
ان اول من صدع بابطال الحديث هو الجورقاني ، واول من صدع بقول (مِنْ تَأْلِيفِ الْمَلَاحِدَةِ وَالرَّوَافِضِ) هو القرطبي ، مع العلم ان اقرب شخص الى النبي قد ذكره هو الإمام ابن ماجه 1/625 - ولد سنة 209هـ.
اذا كان هذا الحديث من وضع الملاحدة والروافض وقد ذكر في اهم كتب الحديث والتاريخ ، فكم حديثا وخبرا ورواية قد دسوها في تلك الكتب هؤلاء الملاحدة والروافض ؟؟!!!
هذا يعني ان جل الاحاديث النبوية والاخبار والروايات هي موضوعة ، ولهذا نجد الشافعي وهو امام احد المذاهب الاسلامية الرئيسة لم يصدق عنده سوى سبعة عشر حديثا فقط.
بهذه الاجوبة ظنوا – وبعض الظن اثم – انهم خلصوا الاسلام من طامة كبرى تريد ان تنسف قرآنه الذي هو محفوظ من قبل الله :(انا نزلنا الذكر وانا له لحافظون).
النتيجة:
اما ان الالاف من الاحاديث وبقدرها من الاخبار والروايات التي ضمتها كتب الصحاح والمساند وغيرها من كتب الحديث هي موضوعة وغير صحيحة سندا ومتنا ولا تصلح لاي شيء.
او:انها صحيحة كلها ، وبهذا تتأكد لنا صحة الخرافات والاساطير واللامعقول التي نقلتها؟
فايهما نختار؟؟
اترك الاجابة لحصافة القاريء اللبيب وعقلانيته.