النخلة: عقلنة النص الديني، الجزء الثاني والثالث


سلام عبود
2015 / 12 / 13 - 20:19     

2
وهزّي إليك بجذع النخلة!
علاقة المسلمين المحسوسة الى حد كبير بالنخلة، احتوت في كيانها الثقافي تاريخيا خبرات الأديان السابقة الوثنية والتوحيدية. فتمرها فطور طـَهور لدى المسلمين، اقتداء بالحديث النبوي، وخضرتها الدائمة جعلت بلدا كالعراق يحمل اسم "أرض السواد"، لكثرة ما نبت فيه من سيدة الشجر المثمر: "السواد جماعة النخل والشجر لخضرته واسوداده". وهناك مدن تحمل اسم النخلة والنخيلة والنشوة وعين تمر وغيرها.
أما شكلها فشعار المملكة السعودية، وصورتها تزين فئات عديدة من العملة العراقية. وقد ظلت النخلة ماثلة رمزيا في عملة عام 1991العراقية، تقف مقابل الديكتاتور وجها لوجه، قبل أن تتم إزالتها في الطبعات اللاحقة، لكي يكون الديكتاتور منسجما مع نفسه وعملته. وتحتل النخلة قلب دبي السياحيّ المعاصر. وهي زينة الأبواب والأقواس في الاحتفالات الشعبية والرسمية، منذ خروج الرسول من مكة الى يثرب، في مشهد مماثل لدخول المسيح بيت المقدس. وهو طقس شبيه أيضا بالطقس البابلي القديم، المتعلق بعودة الإله تموز، الذي يرحب بمقدمه بسعف النخيل أيضا.
إذاً، هناك تتابع تاريخي، قد لا يبدو مترابطا سببيا وزمانيا ومكانيا، لكنه يشير بقوة الى تاريخ الهوية الثقافية الواحدة لسكان المنطقة، والى لحمتها الداخلية الرابطة، المشتركة، التي يسميها السياسيون سذاجة بـ"العيش المشترك". إن شعوبنا ليست أقواما متجاورة، وسكانها ليسوا نزلاء يعيشون في زنزانة مشتركة. نحن شعوب متداخلة الثقافات، متفاعلة عضويا، الى حد الاختمار. امتزجت ملامحنا الحسية والروحية عبر التاريخ الواحد في خليط نظامي "سيستامي"، لا يقود خلع أجزاء منه إلا الى تدمير المحتوى التاريخي للكل.
لا تُعرف بدقة طبيعة الاستقبال الذي لاقاه الرسول محمد في يثرب. وظلت المرويات مشدودة الى صيغ وصفية، موجهة عقائديا وسياسيا وقـَبـَليّا، غايتها إسناد وتأويل بعض الجوانب السياسية والفقهية الخصامية. أما مظاهر الحياة المدنية فلم يُعن بوصفها عناية كافية. لقد جرى الحديث عن تهليل وتكبير وبشرى، وصعود النساء والصبية والغلمان على سطوح المنازل، ومنهم من ذكر النقر بالدفوف، لأنها عادة معروفة آنذاك. لكن التركيز الأكبر ظل محصورا في الصورة الشائعة عن الاستقبال، المتعلقة بالمنشدين: "طلع البدر علينا". وقد أنكر إسلاميون متأخرون، كابن القيم ( 1292- 1350 م)، مشاهد الإنشاد، مستخدما حججا منطقية قوية، منها عدم جواز طلوع الرسول من ثنيات الوداع، لأنها تقع الى الشمال من يثرب، في حين أن الرسول جاء من جنوبها. ونسب هؤلاء جوقات المنشدين الى حقبة لاحقة، ربما تكون العودة من غزوة تبوك. وهناك من يرى أن الرسول سلك طريق الساحل. أما مشاهد الاستقبال بالسعف فهي محتملة، لان يثرب منطقة نخيل أولا، ولأن التقاليد المسيحية لم تزل حينذاك ذات أثر في تشكيل وعي الناس. فعلى الرغم من أن يثرب مدينة وثنية ويهودية الطابع، إلا ان افتقاد المسلمين للتقاليد وحضور التأثير المسيحي، ربما رجّح طريقة التعبير النصرانية في عيد الشعانين على المشهد. إن ذكر عيد السباسب في شعر النابغة الذبياني أمر طبيعي، لأنه كان على صلة بعرب الحيرة النصارى، وبيته الشعري يصف بعض عاداتهم. ولكن من غير المنطقي أن يَعد الرسول محمد أتباعه بعيد على انقاض عيد يجهلونه. ومن غير المنطقي أن يسأل مسلم نبيه عن عيد مجهول لديه. حديث النبي عن عيد السباسب (الشعانين) تأكيد على أنه طقس ديني واجتماعي معروف عند العرب الوثنيين أيضا. مما لا شك فيه أنّ صورةً مسيحيةً معاصرةً قد دخلت على مشهد استقبال الرسول محمد، وتحديدا في الخيال السينمائي والتلفزيوني.
وفي الطقوس القبطية يسمى عيد الشعانين " دورة السعف"، و"أحد السعف"، وينطق "أحد الزعف". يحمل فيه المحتفلون السعف تيمنا بمستقبلي المسيح. والسعف لدى الأقباط أكثر وضوحا في طقسهم السنوي، ويبدو السعف واضحا في الايقونات القبطية أيضا وفي أحاديث رجال الدين الأقباط. يقول البابا "تواضروس" إن "السعف" يرمز في "عيد الشعانين" الى استخدام أتباع المسيح له حينما استقبلوه بمدينة الزيتون احتفالا بدخوله اورشليم". وعلى الرغم من تذكير رجال الدين الأقباط أتباعهم بضرورة المحافظة على نقاوة طقوسهم، إلا أن الحاجة والجهل الثقافي بأهمية الرمز دفعت بعض المحتفلين الى إبدال سعف شجرة النارجيل أو مثيلاتها بسعف النخل لشدة تشابهها. وظهرت نباتات أخرى بديلة، في بيئات مسيحية في شرق آسيا مثلا.
لكن النخلة ظلت شعار أحد الشعانين في إسبانيا، مع بعض التحوير الجميل والعصري، حيث يحتل السعف الأصفر الصناعي وبعض الأخضر، أجواء الاحتفال التمثيلي بقدوم المسيح على جحش أتان. وفي سان برناردينو في كاليفورنيا يحملون سعف بعص الأشجار الفوفلية الشبيهة بسعف النخيل. وفي السويد ظهرت الشمعة، المميزة لاحتفالات أوروبا، بديلا من النخلة في بعض الاحتفالات. ونلاحظ هنا أن مجتمعاتنا- على عكس المجتمعات المتطورة، التي تعتز وتتفنن في تثيبت وترقية خصوصياتها- تفقد خصوصيتها تدريجيا، أو تتخلى عنها تحت ضغط الشعور بالدونية الثقافية، كجزء من عملية فقدان الهوية التاريخية المميزة.
خصائص التمر الفريدة في مقاومة التلف، وإمكانية حفظه السهلة، وقيمته الغذائية العالية، وتعدد أشكال الإفادة منه غذائيا، سائلا ( مسكرا وغير مسكر) وصلبا ولينا ورُبّا، وخليطا مع غيره من الأطعمة كالسمسم وزيت السمسم وأنواع الجوز واللوز والعجين، يجعله غذاء في متناول الجميع من الفقير الى الغني، ومن ذي حاجة الى ذي بذخ. وكل تلك المزايا ربما تكون عاملا من عوامل ترحاله وانتشاره في أماكن غير أماكن ولادته الأصلية، مثل سواحل البحر الابيض المتوسط الشمالية. فليست القدسية وحدها، التي أضفاها الشرقيون على النخلة، هي التي دفعتها الى الارتحال، بل كانت القيمة الغذائية والقيمة النوعية هي التي جعلت منها مادة مفضلة في أغذية الجند، في الرحلات الطويلة. ولهذا هي المادة الرئيسة للطعام عند بدو الصحراء في الجزيرة العربية، ولا يستبعد أن يكون السببان النفعي والتقديسي دافعين قويين مترابطين لدى شعوب كالفينيقيين، وفي وقت لاحق العرب والبربر، دفعهم الى حملها معهم في رحلاتهم البحرية.
مصادر اتصال جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط بالشمال متعددة، ولا تتوقف على رحلات الفينيقيين البحرية والعسكرية ثم رحلات العرب. كانت مدن عديدة كأريحا نقاط اتصال تجارية مع الشعوب المجاورة. فقد سميت أريحا "مدينة النخل". قال عنها ياقوت الحموي:" فيها العديد من أشجار النخيل"، وقيل إنها كانت تصدر التمر في زمن السيطرة الرومانية. وربما لذلك اعتبر اليونانيون والرومانيون شجرة النخل رمزا لبلاد فلسطين وما يحيط بها ووضعوها على معاملاتهم الإدارية. ووضع الرومان في فلسطين صورتها على مسكوكاتهم النقدية. (دائرة المعارف الكتابية المسيحية). ويؤكد جيمس فريزر في (الغصن الذهبي) ان التأثير السامي في سردينيا وصقليا كان عميقا، وبعض طقوسها المسيحية ذات أصول قرطاجيّة. ويذهب علماء اللغة العرب من مسيحيين ومسلمين أبعد من هذا، كما نراه لدى الأب انستاس ماري الكرملي، في كتابه "أديان العرب وخرافاتهم".
أما كلمة "سباسب"، فما زال الغموض يكتنفها، رغم ورودها في شعر ما قبل الإسلام. يقول النابغة الذبياني في معلقته، واصفا احتفالات أهل الحيرة بعيد الشعانين:
رقاق النعال، طيب حجزاتهم يحيون بالريحان، يوم السباسب
والسباسب منطقة جغرافية في تونس. وهي اسم مشهور لدعاء، ينسب الى الإمام المهدي، آخر الأئمة الاثني عشر. يصعب على الباحث إيجاد دلالات قاطعة حول التسمية. بيد أن الإمام الثاني عشر، المنتظر، هو سليل أم نصرانية المولد والنشأة، وابنة سلالة عريقة. فقد روي أنها السيدة نرجس، بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم ، وأمها من ولد الحواريين، تنسب الى وصي المسيح شمعون. ونرجس اسم حصلت عليه بعد بيعها كسبية، وإصرار الإمام الحسن العسكري على شرائها والزواج بها وعتقها.
ولا يجوز ان نغفل أن التمر كان مادة للعبادة في الطقوس الوثنية العربية. فقد ظهرت أصنام مصنوعة من التمر، صارت مادة للسخرية: " أكلت حنيفة ربها" كما قال الشاعر. بيد أن المرويات العربية تربط الأوثان الجاهلية المصنوعة من التمر بنوع خاص هو "العجوة"، لأسباب منطقية جداً. ومن السخف أن يستخدم هذا الموضوع للتندر. مما لا شك فيه أن التمر كان مادة عبادية على قدر بيّن من السطحية والسذاجة في نظر الثقافات الدينية اللاحقة. لكن دلالاته التاريخية كبيرة ومثيرة. لأن تقديس التمر ونخل التمر عامة جزء من ثقافة المنطقة وتاريخها. أما خصوصية "العجوة" فلربما يجهل كثيرون أصلها وأسرارها. إن وجود حديث نبوي يقول "العجوة من الجنة"، كما ورد في (لسان العرب) دليل كاف على تمايز هذه الثمرة عن غيرها من التمور، وعلى ارتباطها بالرمز الديني الأعلى المعبر عن الخير السماوي، الجنة. يضيف (لسان العرب) نقلا عن الجوهري: " العجوة ضرب من التمر، يقال هو مما غرسه النبي ص بيديه". " وحكي ابن سيدة عن أبي حنيفة: العجوة بالحجاز أم التمر". وروي من بركاتها أن تمرتين منها كافيتان لإشباع صبي. وربما يكون مدهشا أن نعرف أن الروايات العربية، التي وصفت صنم بني حنيفة المصنوع من التمر، قد ربطته ربطا محكما بـ "الحيس". وهو طعام مصنوع من التمر والسمن. ولو عدنا الى تفسير كلمة "الزقوم" نجد أنها تعني التمر والسمن أيضا. إن ارتباط المعبودات الوثنية بـ "العجوة" تحديدا، ظاهرة تقديسيّة، نابعة من تاريخ البيئة الثقافي، وليست مزحة وثنية، كما يحسب البعض.

3
ورد النخل في مئات الأحاديث النبوية، بين صحيح وضعيف وفاسد. أما القرآن فقد ذكره سبع مرات في صيغة نخلة، وأربع عشرة مرة في صيغة نخل ونخيل.
ورد ذكر نخلة ونخل ونخيل في 22 آية قرآنية، كما وردت تعابير تدل على أجزاء النخلة من تمر ورطب وطلع وجذع. وفي بعض المواضع وردت في صيغ مستترة، مبتكرة لغويا وعقليا.
مدّنا القرآن، في الجانب البلاغي والذوقي، بأجمل صورة تعبيرية، وبأبشعها، جاء بعضها مقرونا بالنخل. الصورة الأجمل المقرونة بالنخلة نجدها في سورة مريم، المتعلقة بمخاض البتول. أما الصور البشعة فنجدها في السور الدالة على الترهيب التذكيري باستخدام الماضي، كسورة الحاقة، الآية السابعة، التي تصف هلاك قوم عاد: " فترى القوم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية"، أو التخويف الديني من الآتي، كما في سورة الصافات، الآية 52 والآية 65 . وتتميز هذه السورة بقصر وسرعة تتابع آياتها المئة واثنتين وثمانين.
أحيانا لا ترد كلمة نخلة صريحة. ففي سورة الحشر، الآية الخامسة، وردت كلمة "لينة". واللين نوع من التمر، وقيل هو الشجرة (النخلة)، لأن الفعل المرتبط بها يدل على القطع. لذلك أجد أن المفسرين العرب، على مر المراحل، تجاهلوا في الآية 52 من سورة الصافات، تفسير " شجرة الزقوم" تفسيرا معللا. فقد حار المفسرون في تفسيرها، وصارت صورتها الفنية في الآية 65 " طلعها كأنه رؤوس الشياطين"، المثل البلاغي الأول في مادة التشبيه، حينما يكون المشبه حسيا والمشبه به عقليا. وقد توسع بعض الشارحين كالطبري قائلين: إن القرآن لم يترك عباده في عماء، لأن شجرة الزقوم، التي لم يروها، معرّفة في النص الى حد ما. قيل إنها طعام أهل النار، وشجرة بالجحيم، أو نخلة بأريحا لها ثمر كالتمر. ويذكر ياقوت الحموي في (معجم الأدباء) رواية عن أبي عبيدة يقول فيها إنه فسر الآية للفضل بن الربيع ( وزير الأمين، الخليفة العباسي) حينما قدم اليه من البصرة الى بغداد. فقد أرادوا امتحانه في مسألة شجرة الزقوم، قائلين:" إنما يقع الوعد والايعاد بما عُرف مثله، وهذا لم يُعرف ". وكان جوابه: "إنما كلـّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مُضاجعي... ومسنونة زرق كأنياب أغوال، وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به".
لقد أضحى جواب أبي عبيدة مثالا تأسيسيا في البلاغة العربية. وهو جواب يدل على سعة اطلاع وبصيرة عالية وذوق مرهف. لكن تمحيص النص جيدا يجعلنا نتساءل مجددا: هل ينطبق قول امرئ القيس بلاغيا على الآية؟ الجواب، من دون تردد، لا. لأن أمرأ القيس شبه المحسوس بالمجهول. وهذا المجهول، رغم أنه لم يُر من قبل، لكنه عرف، كما يقول أبو عبيدة، من طريق الثقافة السائدة، التي اتخذت من الغول أداة للتخويف التخيّلي. فالشاعر يستخدم صورة عقلية مرعبة، ولكنها فاشية، لأنها جزء من المتخيل (الوعي) الجمعي. بيد أن الطبري وأبا عبيدة لم يحسنا تعريفنا بشجرة الزقزم. وهل يكفي القول إنها نبت من الجحيم، لكي نستدل عليها؟ لذلك يضعنا التفسير المبهم لشجرة الزقوم أمام لون جديد من التشبيه يقوم على طرفين مجهولي الهيئة، وهذا أمر قد يبدو باطلا أيضا. ما أغفله الشراح هو أن شجرة الزقوم، المذكورة، لم تكن مشبها في الآية السابقة. كان المشبه هو طلعها حسب. هذا ما أغفلته الروايات كافة. والطلع في المصادر اللغوية العربية كافة طور من أطوار نمو ثمرة شجرة واحدة هي النخلة. والطلع هو أول مراحل نمو التمر. ويكون الطلع محفوظا عادة في وعاء سميك، مثل جراب أو حقيبة طويلة، تسمى الكافور، تنشق فيظهر الطلع محمولا على عيدان طويلة صفراء، حاملة للثمر، يطلق عليها العذق. إن اقتران الطلع بالنخلة يجعل من تعبير "شجرة الزقوم" شجرة تمر، أي نخلة. لأنها الشجرة الوحيدة التي تحمل طلعا (لشجرة النارجيل خصائص نخلة التمر، لأنهما من نوع واحد). وما أشيع صورة الطلع في عيون العرب! أما تشبيه جزء من النخلة "رأسها" ببعض من رأس الإنسان، فأمر معروف أيضا في الشعر العربي:
يقول امرؤ القيس في معلقته:
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل.
و"القنو: العذق بما فيه من الرطب"، أي أحد الأطوار اللاحقة للطلع في سلسلة نمو ثمرة التمر. وحينما نقول رأس نخلة الزقوم يشبه رؤوس الشياطين، تكون الصورة واضحة، والالتباس التاريخي، اللغوي والبلاغي والفقهي، الذي حوته مئات الصفحات المفسرة قد زال. وتظل نقطة الالتباس محصورة في الاشتقاق الابتكاري لكلمة "زقوم". وزيادة في الايضاح نقول: لا يتوقف الأمر على التباس وغموض الصورة الفنية في الآية 65، بل يتعداه الى التباس وغرابة مفردة "زقوم"، حتى قيل إنها غير عربية، وتحديدا إفريقية، ولم يعرفها قريش. أما معاني الكلمة كفعل"زقم" فلا تخرج عن معاني ابتلاع الأكل والشرب في (القاموس المحيط) و(لسان العرب). وحينما نتقصى معناها كاسم فإننا نعود مجددا الى ما خلصت اليه في تفسيري السابق: التمر بالسمن. وقد أثارت هذه الآية سخرية أبي جهل (عمرو بن هشام، قتل في معركة بدر، ثم حُز رأسه وألقي جثمانه في بئر طمرت بالرمل). وأعجبه تفسير كلمة "زقوم"، فقال لجاريته ساخرا من تخويف القرآن للمشركين بالزقوم: يا جارية زقمينا! ولما يزل العراقيون يستخدمون الفعل واشتقاقاته على طريقة "أبي جهل" في نعت الطعام الكريه أو نعت الإكراه على الأكل، لذلك يقول البعض إن الأميركان زقمونا حكومة فاسدة. وربما يكون النص القرآني استند الى الفعل فأنشأ صورة خاصة: شجرة ذات ثمر لإطعام الأثيم والكافر. وهنا يظهر الإعجاز الأكبر في البلاغة القرانية. هنا لا يكتفي القرآن بصورة امرئ القيس عن الغول، بل يتجاوزها صانعا صورة أكثر التباسا في شكلها، لكي تكون حال المتخيل أعظم وأوقع. وما هو أهم من هذا أن كلمة "زقوم" الصادمة، في معناها ووقعها، باعتبارها ابتكارا ونحتا لغويا قرآنيا خالصا، أربك مخيلة رجل من كبار قريش: أبي جهل، وأربك المفسرين من بعده.
لكننا مهما ابتعدنا في التفسير نظل مشدودين الى النخلة تحديدا، سواء عند الحديث عن التمر أو الطلع. قيل أن الزقوم نبات ذو مزايا طبية عالية، وقيل نبت يشبه التمر. وتساءل البعض: وهل يأكل سكان النار؟ وكيف لشجرة مثمرة أن توجد في الجحيم؟ هذه الأسئلة كلها، ظلت تناقش سلبا وإيجابا على مر التاريخ، ضمن إطار منطق الصراع الديني. ولم يفكر أحد بالجانب الفني والابداعي للصورة البيانية التي رسمها القرآن. إن جزءا هاما من قوة الآية، كما أحسب، يكمن في أن كلمة زقوم الصادمة، كلمة إعجازية بامتياز، جاءت للابهار، وأنها نحت لغوي قرآني محض، له جذوره اللغوية والمادية الواقعية، لكنه استخدم صورة ولفظا، كإعجاز وتوليد لغوي قرآني مبتكر. ولهذا أرى أن الصورة القرآنية، للشجرة "الملعونة"، رغم استهزاء "أبي جهل" ومشايعيه بها، إلا أنها استندت في بنائها الى أرضية ثقافية محلية واقعية، أبدعت في سبل ترقية البناء الفني للنص، وسجلت نقطة تفوق لمصلحة إعجازية النص القرآني، ومقدرته على أن يسحر سامعيه ويربك خصومه.
أما الصورة القرآنية الجميلة، المرتبطة بالنخل، فهي الآية 25 من سورة مريم: " وهزّي اليك بجذع النخلة يسّاقط عليك رطباً جنيّاً". وهي صورة متحركة، ذات كثافة ترابطية عالية، وذات ترتيب حركي تكاملي، متسلسل، تضفي جوا خياليا على المتخيل التاريخي، فتضاعف من جرعات سحره: امرأة عذراء، يأتيها المخاض، وهي تستند الى جذع نخلة. تهز الشجرة، فينهمر عليها رطب الله الجنيّ. والنخلة الأم، من جانبها، لا تكتفي بإسناد الابنة "البتول" (هذه الصفة الخاصة، لم ترد في المصادر العربية القديمة إلا كنعت عام للمرأة التي لا تقرب الرجال." كل امرأة تنقبض من الرجال، لا شهوة لها ولا حاجة فيهم")، بل تمنحها جَنيَّ رطبها، لكي تمكنها من إطعام نفسها ووليدها. الإبنة الضعيفة، الواهنه، بفعل عملية الولادة تـُوصى، برفق إلهي، أن تهزّ "جذع" النخلة. تهزّ جذعها وليس عذقها! صورة إعجازية تسبغ على الكل معنى الجزء، وعلى المشهد العام صفة القدرة الخارقة. تسّاقط (جاءت بأكثر من قراءة: يتساقط، تتساقط)، وكلها تحتفظ بمعنى الانهمار الأثيث. الفعل هزّ يأتي مرتبطا بثلاثة حروف جر، الأول، "إلى"، يكثف اتجاه الهزّ ويحدد وجهته، والثاني يربط المفعول به (جذع)، على غير العادة، بالفاعل، ليعظم من وقع التشبث بالجذع. يعقبه تشديد تاء يّساقط، الذي يكثف الترابط، ويساعد على رجرجته في الوقت نفسه. ثم ينهمر "عليها" رطبا طريّا، في أوج نضارته. لم يتوقف الشارحون العرب عند كلمة جذع، لكنهم اختلفوا كثيرا في تحديد حالة عذق النخلة. بعضهم جعله أخضر نضيرا، ومنهم من جعله أصفر، لكن المعجزة الربانية أحالته جنيّا، لكي يتناسب مع فصل الشتاء، حيث يُصرّ البعض على أنه زمن ولادة السيد المسيح. بهذه الطريقة الحاذقة والماكرة تخلص المفسرون من صفة جَني، التي تعني أن الرطب كان طازجا، من قطوف اللحظة، لا تأخير ولا صناعة في انضاجه.
إذا كان المسلمون قد اختلفوا فيما بينهم حول نضرة النخلة عند المخاض، فإن المسلمين والمسيحيين يختلفون حول وجود النخلة أصلا. المسلمون يؤكدون وجودها ويدعمون حجتهم بالقران. أما المسيحيون فلا حاجة لهم بهذا الاثبات، لأنهم يمتلكون المسيح بأكمله نبيا وتاريخا ووجودا. بيد أن بعض علماء المسلمين أثبتوا بما لا يقبل الشك التصور القرآني لمكان ولادة المسيح. ولم يكن هذا الاثبات مجرد رواية متوارثة، بل قام على المشاهدة الحسية الحية. يقول ابن العربي، محمد بن عبدالله الاندلسي، في مؤلفه (أحكام القرآن)، وهو رجل ثقة واطلاع واسع، أندلسي المولد (اشبيلية 468 هـ.)، مشرقي النشأة: " دخلت بيت لحم سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فرأيت في متعبدهم غارا عليه جذع يابس كان رهبانهم يذكرون انه جذع مريم بإجماع، لما كان في المحرم سنة اثنتين وتسعين دخلت بيت لحم قبل استيلاء الروم عليه لستة أشهر، فرأيت الغار في المتعبد خاليا من الجذع. فسألت الرهبان به، فقالوا: نخر وتساقط، مع أن الخلق كانوا يقطعونه استشفاء حتى فـُقد". وعلى الرغم من أن هذه الرواية تعتمد على المشاهدة المباشرة، فإن تفسيرها ليس واحدا، وعلى وجه التحديد ما يتعلق بالجذع. هل ما رآه ابن العربي هو الجذع الأول نفسه، أم أنه طقس كنسي، متوارث، صنعه الرهبان للتقديس والبركة؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ظهرت النخلة دون سواها من الشجر في طقس التبريك هذا؟ هل استمر غياب الجذع بسبب غزوالصليبيين، الذين وضعوا بصماتهم على الطقوس المحلية، فاختفى طقس التبرك بالجذع الى الأبد؟ لا أحد يعرف.
مهما اختلف الرواة، تظل المرويات التاريخية جزءا من ثقافة قائليها وحامليها وناقليها. ولهذا السبب ورد في (القاموس المحيط) أن العرب تكني عيسى بن مريم بـ "ذو النخلة". وليس غريبا أيضا أن تتشابه ولادة المسيح مع ولادة أبي الأنبياء إبراهيم. كلاهما ولد قرب نخلة، كما يعتقد البعض.