رؤية نفدية في مسيرة الحزب الشيوعي اللبناني

علي غريب
2015 / 7 / 31 - 09:16     


انطلاقاً من القناعة بأن أزمة أي حزب سياسي هي في الأساس أزمة سياسية فإن الاستمرار على نفس التحليل والممارسة يؤديان إلى تعميق الأزمة وليس إلى حلها وهذا هو شأن الوضع في الحزب الشيوعي اللبناني إلى حد كبير.

لا بد أولاً من التأكيد على أن أقصر تعريف للماركسية "أنها أداة لكشف الواقع الاجتماعي وتغييره". فمن لا يستطيع كشف الواقع الاجتماعي على حقيقته، من المستحيل عليه إحداث تغيير فيه. وهذا ما حصل مع الحزب الشيوعي فهل يمكن أن يكون النظام اللبناني قوياً إلى هذا الحد، بحيث لم تستطع أية قوة أن تحدث فيه مجرد إصلاحات سياسية، رغم كل التضحيات والانجازات التي قدمها الشيوعيون وحققوها على طريق القضيتين الوطنية والاجتماعية.

سأتوقف عند بعض القضايا التي شكلت في رؤية الحزب نقاط الضعف في تحليله تجاوزت الواقع الملموس وأوصلته إلى ما هو فيه اليوم .

القضية الأولى:استند الحزب ومنذ تأسيسه على تحليل يقوم أنه يناضل في بلد قائم على وحدة مجتمعية متكاملة وهذا يقود إلى تبني التحليل الطبقي الصرف ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى تحديد التناقض الرئيسي هو بين الطبقة العاملة والبرجوازية وهذا ما أوقعه أحياناً في التباس نظري تجسد في الممارسة بالتعاطي التكتيكي مع مفهوم الطبقة – الطائفة . 56

القضية الثانية: التقليل من أهمية الطائفية في بنية الدولة والمجتمع، وأحالها إلى البناء الفوقي، ومجرد التغيير في البناء التحتي لعلاقات الانتاج باتجاه الاشتراكية سيؤدي حكماً إلى ازالة كل آفات النظام الرأسمالي – الطائفي من استغلال واستلاب وطائفية. لذلك كانت العلمانية ملحقاً ثانوياً في برنامجه.

القضية الثالثة: التقليل من أهمية تأثير العامل الإقليمي وارتباطه في لبنان وردود فعله على عملية التغيير فيه مهما كان حجمها، فلم تلحظ قوى التغيير مواقف القوى الإقليمية كفاية ولذلك دفع الحزب مع حلفائة ثمناً غالياً لسياستهم تلك وكان مشروع الحركة الوطنية ورئيسه كمال جنبلاط أبرز شهداء تلك المرحلة وإذا كانت بعض الإصلاحات السياسية التي حملها المشروع الوطني يومذاك قد أدت إلى تكاتف الموقف الإقليمي والدولي على إفشالها فكيف عليه أن يقبل بمشروع تغييري جذري بقيادة سلطة الطبقة العاملة: قد يقال أن عوامل التوحد بين الحركة الوطنية والثورة الفلسطينية يومذاك شكلا الأساس لرد الفعل الإقليمي، إلا أن ما جرى بعد احتلال إسرائيل للبنان، للمشروع الآخر الذي قام تحت عنوان الثورة الوطنية الديمقراطية ورافعته جبهة المقاومة الوطنية التي حققت الانتصار على إسرائيل وعملائها، لم يكن بأقل ضرراً وقسوة على الحزب الشيوعي. أليست مفارقة أن قوى التغيير تحقق انتصارات على خصومها في الداخل وعلى أعدائها من الخارج، وتُهزم على يد ممن تضعهم في خانة الأصدقاء.

القضية الرابعة: وهي تكمن في الممارسة التكتيكية للحزب بالتحاقه أحياناً بمشاريع ذات طبيعة طائفية (المشروع الوطني - الإسلامي) وهذا أدى إلى اختلالات سياسية وتنظيمية داخلية. وكلام المفتي الراحل الشيخ حسن خالد كثير الدلالة حينما سئل كيف تتحالف مع الشيوعيين أجاب: "ماذا يضيرني إذا التحق الشيوعيون بجيش المسلمين".

ان رؤية الحزب في هذه القضايا كان من نتيجتها الفعلية:

- ان الحزب وضع المنطق على رأسه.

- ووقع في سياسة حرق المراحل.

- وعلامة "صفر" في الإصلاح السياسي والتغيير.

- واستمرار أزمة مستفحلة منذ المؤتمر الخامس وحتى اليوم.

وباستنتاج عام فإن الحزب الشيوعي تجاوز الواقع الملموس ليضع برنامجاً متقدماً جداً على واقع متخلف ومعقد جداً. يتداخل فيه الوطني بالطائفي والداخلي بالخارجي فتصبح الطائفية والطبقية في الممارسة السياسية وجهان لنظام واحد هو النظام السياسي الطائفي.

بينما أرى في القضية الأولى أن البلد ليس قائماً على وحدة مجتمعية كاملة بل على ثنائيات:

أ‌- ثنائية الداخل والخارج، والخارج دائماً هو الأقوى والمقرر (دساتير 43 – الطائف- الدوحة... الخ).

ب‌- ثنائية الجناحين المسلم والمسيحي.

ت‌- ثنائية الهوية (عربي وغير عربي).

تتوّجت هذه الثنائيات بالشعار التاريخي "التعايش المشترك بين اللبنانيين" وطوره البطريرك الراعي إلى شعار (شركة ومحبة) وبالطبع فإن مجلس إدارة هذه الشركة . هم أمراء الطوائف والمؤسسات الدينية الرسمية والرأسمالية، وفي مجتمع قائم على بُنى ثنائية تتحول عملية وحدته وبناء هويته الوطنية إلى مهمة أولى في برنامج أي حزب تغييري . وهذه إحدى النواقص الأساسية في رؤية الحزب. هذه الثنائيات ليست جديدة في حياة اللبنانيين فهي لها بعد تاريخي منذ أن بدأ الكلام على لبنان السياسي . وشكلت على الدوام:

- مانعاً لقيام دولة عصرية.

- سداً في وجه عملية الإصلاح أو التغيير.

- أبقت البلد في حالة انقسامية دائمة.

- وضعته تحت وصايات متعددة وفي غياب الوصاية (كانت الحروب الأهلية الدورية).

- قادرة على الدوام في تحويل الصراعات الاجتماعية إلى صراعات طائفية.

وشكلت الطائفية الرافعة لتلك الثنائيات. واليوم أصبحنا أمام المثالثة والمذهبية. فإذا كان الحزب من خلال قراءته للواقع قد عجز عن تحقيق الإصلاح السياسي في ظل الثنائية والطائفية، فهل لديه القدرة وهو على نفس النهج من تحقيق التغيير وفي ظل المثالثة والمذهبية.

إن إخراج الحزب من أزمته تتطلب وقفة نقدية جريئة لمسيرته من أجل إعادة وضع المنطق على قاعدته ومواجهة المعيقات المانعة لبناء وطن ودولة عصرية وذلك عبر برنامج مرحلي مركب، شكلت القراءة السياسية لوثيقة المؤتمر السادس محطة أساسية في هذا الاتجاه كان من بعض توجهاتها "إن إلغاء الطائفية هو الطريق المؤدي إلى وحدة لبنان الحقيقية" أي إلى بناء مجتمعه الموحد الكامل.