داعش والسلفية


أمير الحلواني
2014 / 11 / 13 - 12:38     

إن فكرة الحاكمية الإلهية هي النواة التي يدور في فلكها حركات الإسلام السياسي على مر العصور، وليس هناك مسلم (بالمفهوم السلفي السائد للإسلام) لا يستقر في وجدانه وجود دولة كفر ودولة إيمان، وأن الخلافة الإسلامية قادمة لا محالة، وأن الحكم "بما أنزل الله" ومفهوم السلفية الإسلامية عن الدولة لهو النموذج "المقدس" الأمثل لإدارة الدول، وهو الملاذ و"الحل" السحري لما تعانيه الدول المدعوة بالإسلامية من ضعف وفقر وتخلف حضاري.

إلا أن تعاطي الفرد المسلم مع هذه الفكرة يختلف كل حسب ثقافته وظرف مجتمعه الزماني والمكاني، وبرغم أن أدبيات الفكرة تظل ثابته تطل برأسها من الخطاب الديني عبر الإعلام والمنابر في كل مكان وبكل لحظة ، إلا أن تطبيق الفكرة قد اختلف عبر اجتهادات فقهية مختلفة للفرق السلفية الإسلامية، فاتخذ هؤلاء مختلف السبل الطويلة المتعرجة والقصيرة المباشرة لبلوغ الهدف الأسمى والوحيد "الخلافة وإقامة الدولة الإسلامية".

إن النموذج الداعشي هو النموذج السلفي الواضح بلامراء ولا مواربة، وهو أكثر النماذج السلفية تصالحاً واتساقاً مع الفكرة، وهي ساطعة في أذهانهم بحيث أنها تتعالى فوق التأويلات والتنظيرات التي تدعى بعلوم الفقه، فهم يتخذون الطرق المباشرة لإقامة الدولة "المقدسة"، فيعمدون إلى تطبيق الفكرة بقوة السلاح، ويسوقون مجتمعاتهم كالخراف إلى الرضوخ لها كرها أو طوعاً، ولا يتخذون أية تدابير تحول دون المجازر والإنتهاكات الإنسانية التي يتطلبها بالضرورة سلوك هذا الطريق المباشر، حيث أن الفكرة تقع في وجدانهم وأدبياتهم فوق حق الإنسان في الحياة بل فوق حقهم هم أنفسهم في الحياة.

إلا أن الطابع العسكري للنموذج الداعشي، يجعل من السهل تصنيفه ومقاومته، فوضوح التعبير عن الفكرة والهدف لا يشفع لجرائمه في حق المجتمع، فالفوضى والانتهاكات الإنسانية التي يتطلبها هذا المسار تزرع بذور الثأر والكراهية ومن ثم تنهار المجتمعات في فترة وجيزة نسبياً، بعد أن تتكبد بحوراً من الدم والمهانة والكراهية التي لا تمحى من النفوس لعشرات السنين وقد لا تمحى على الإطلاق.

أما النموذج السلفي المستقر في المجتمعات، فهو هذا الذي آثر الوصول إلى الهدف عبر الطريق الأطول والأصعب، وهو زرع الفكرة في رؤوس أفراد المجتمع عبر أجيال متعاقبة، مرتكزاً على الأمية والجهل كعامل أساسي مساعد للوصول إلى السيطرة الفكرية على عقول الناس، متعاوناً مع النظم الفاشية الحاكمة التي تستمرئ جهل الناس وفقرهم لتوطيد دعائم استبدادهم. وهذا النموذج هو الأخطر على الإنسانية من النموذج الداعشي، إذ أنه يحقن سموم فكره بعقول الناس حتى تصبح الملاذ الوحيد وحلم الخلاص من المستقع المزري الذي يحيونه.

إن خطر النموذج السلفي المتوطن بالمجتمعات، يتمحور حول فكرة تربية الفكر الداعشي في حالة حضانة فكرية تنمو باستقرار واضطراد ثابت، حتى تصبح عقيدة راسخة في المجتمع بأسره، ومن ثم يحدث ما يسمى بالثورة الإسلامية على أنظمة الحكم الفاشي بالنهاية، وتكون هذه الثورة مدعومة بتأييد مجتمعي كاسح يجعل منها فاشية بديلة، ولكنها أكثر من سابقتها قمعاً وضراوة لكونها تحكم باسم النص الإلهي "المقدس".