انهيار العولمة واعادة تشكيل العالم


ثامر الصفار
2005 / 6 / 29 - 10:28     

عرض كتاب
انهيار العولمة: واعادة تشكيل العالم
المؤلف: جون رالستون صاول
در النشر: فايكنغ كندا 2005
عدد الصفحات: 309 صفحة
عرض: ثامر الصفار

يمثل الكتاب، موضوع العرض، توسيعا لمقالة نشرها الكاتب قبل بضعة اشهر في مجلة هاربر الكندية جاهر فيها، بفرح غامر، ان العولمة قد ماتت.

فحسب رأي المولف ان نشوء عصر العولمة كان استجابة للازمات الاقتصادية في اوائل السبعينات، وتعمقت خلال الثمانينات ايام ريغان وتاتشر وما يعرف باسم اجماع واشنطن. ولكن بحلول عام 1998 انتهى هذا العصر عبررفض فكرة انشاء الاتفاقية المتعددة الاطراف للاستثمار ( ماي) التي كانت تهدف الى فرض سلطان الليبرالية الجديدة كمبدء ثابت في التجارة الدولية. ( يمكن لمن يرغب الاطلاع على تفاصيل الاتفاقية مراجعة المقابلة التي اجراها كاتب السطور مع سكرتير الجزب الشيوعي الكندي والمنشورة في الثقافة الجديدة العدد 285).

وقد تردد المسؤولون الحكوميون في اعلان موت العولمة بسبب عدم امتلاكهم لاطار مفاهيمي بديل للعملية الاقتصادية الجارية. ويؤكد صاول ان صانعي القرار توقفوا، اليوم، عن اسناد خططهم على مبادئ العولمة التي فشلت في تقديم نتائج ايجابية في بلد تلو الاخر.

ويركز صاول على ماليزيا حيث فشلت الخطة الاقتصادية التي فرضها صندوق النقد الدولي عليها ، في حين نجحت خطة الحكومة المعاكسة – فرض سيطرة على رأس المال، عدم تعويم العملة الماليزية- في انعاش الاقتصاد الوطني رغم جميع التوقعات المتشائمة التي حذرت الحكومة الماليزية من مغبة اتباع سياسة معاكسة لسياسة الصندوق، حتى وصفها البعض بانها خطة انتحارية.

وفي عام 2000 اعترف صندوق النقد الدولي بخطأه وبصحة سياسة الحكومة الماليزية حيث كان ذلك بداية لتهشم هالة القدسية التي تحيط مفاهيم العولمة. وبدء الناس بالتساؤل عن مدى الفائدة من اتباع اصلاحات السوق مع عدم توفر ادلة كافية تؤكد نجاحها. ولذلك نجد اليوم ان العديد من بلدان العالم اخذت تبني سياستها الاقتصادية على مبدء انتقاء ما يناسبها من حبات العنقود العولمي حيث انتهت العولمة بصفتها ايديولوجية حتمية وشاملة.

من نافل القول تعرض الكاتب ، لحظة نشره المقال، الى هجوم عنيف في الصحافة الغربية التي اتهمته باهمال حقائق جلية. فالتجارة والاستثمار الدوليان لا يزالان في حالة نمو واضحتان، هذا عدا عن الجوانب الاخرى للعولمة التي ما تزال تقف شاخصة امام انظار العالم. كما اتهمته ايضا باهمال الازدهار الحاصل في الهند والصين بسبب اتباعهما لسياسة اصلاحات السوق.

بيد ان الامر لا يخلو من مؤيدين لاراء المؤلف او ممن حاول انصافه من خلال التأكيد على ان المهاجمين أخطأوا قراءة افكار المؤلف. فهو لم يقل ان الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين بلدان العالم قد انتهى، ولم يتحدث عن انقطاع ثقافي حضاري بين دول العالم، ولم يقترح او حتى توقع انحدارا في مستويات التجارة العالمية. كما انه لم يمحق اهمية وفوائد الثورة العلمية في مجال الاتصالات. لكنه لم يبالغ في مقدار اهميتها، اي انه كان معتدلا في رؤيته للامور. فالخصخصة وازالت الضوابط ابلت حسنا في بعض الميادين وفشلت في اخرى. واستفادت بعض القطاعات في العديد من الدول من حرية التجارة والاستثمار ولم تستفد قطاعات اخرى، وهكذا.

يقينا ان صاول لم يقصر في نقده لاساليب العولمة في قياس وتفسير " النجاح" فيقول ، على سبيل المثال،" ان الاحصائيات المتوفرة عن النمو الكبير في حجم التبادلات التجارية تقودنا ، في الغالب، الى تفسيرات خاطئة. فكثيرا ما يكون التبادل التجاري عبارة عن نقل لبضائع نفس الشركة من فرع الى آخر في بلدين مختلفين. في حين ان التبادلات التجارية الاخرى كالمضاربة في اسواق العملة والحيازة والاندماج بين الشركات هي ليست تبادلات منتجة للثروة. ولهذا فان من الخطأ قياس " النجاح" بمقدار النقد المتداول في الاسواق العالمية، بل يجب قياسه على اساس ما تنتجه هذه التبادلات من ثروة للبشر".
ويورد ايضا "ان الصين والهند وها الاكثر نجاحا في استخدام اصلاحات السوق لايجاد نمو اقتصادي حقيقي وتقليل الفقر في بلديهما لم تتبعا ما حدده اجماع واشنطن. ويؤكد "انهما نموذجان عن التنمية الاقتصادية المقادة من قبل الدولة من خلال تحديد الحكومة لخطط الاستثمار وتنمية الموارد". ويالضد منهما فان "الارجنتين دخلت في ازمات اقتصادية عميقة بسبب تبنيها لكامل حقيبة الليبرالية الجديدة".

على اساس ما تقدم يبدو ان المؤلف يتحدى النفخة الكاذبة حول فوائد حرية التجارة لكنه لا يهاجم التجارة والاستثمار الدوليان، ولا ينكر امكانية ان تلعب حرية التجارة دورا مهما في خلق نمو اقتصادي. والواقع ان سياسته المقترحة والتي تتضمن تنظيم اسواق المال والغاء الديون على بلدان العالم الثالث هي اليوم جزء من السياسة التي تتبعها العديد من حكومات العالم بالرغم من التقدم البطئ والمؤلم في بعض الاحيان.

ويتضح ان مقترحات المؤلف ليست مقترحات راديكالية بل مقترحات معتدلة فلماذا اذا هذا الهجوم المضاد من قبل النقاد الغربيين واتهام المؤلف بتبنيه مواقف راديكالية خطيرة؟ الاجابة على هذا السؤال تكمن في نقطتين: الاولى هي اسلوب الكاتب الهجومي بحيث تبدو اكثر المقترحات اعتدالا وكانها هجوما شرسا على اسس الاقتصاد الغربي. والثانية ان ثمة روح انتقادية راديكالية في مؤلفه ولكن ليس للعولمة بحد ذاتها بل لهدفين آخرين.

الهدف الاول هو الفرضية القائلة بان حرية التجارة هي المحدد الاساسي لحضارة المجتمع. فلو تمكن المجتمع من تثبيت علاقات اقتصادية صحيحة ، اي مبنية على حرية التجارة ، فان الجوانب الاخرى ستتموضع في مكانها الصحيح تباعا: الحرية، الديمقراطية، السلام، العلاقات الانسانية. فيقول " ان العولمة تحاجج بان تقليل الحواجز امام التجارة الدولية سيؤدي الى الحرية والسلام والازدهار على الصعيدين الوطني والعالمي ويالطبع الى " نهاية التاريخ"". وهذا ما يسخر منه المؤلف علانية. فالبشر حسب رايه "لديهم من الاهتمامات ما يفوق اهتمامهم بحرية التبادلات التجارية، ولديهم الاستعداد الكامل لالغاء العلاقات الاقتصادية لحماية القضايا الاخرى المتجذرة في ضمائرهم كالدين والثقافة والوطن والمجتمع".

ان الايمان الاعمى لصانعي القرار الغربيين، حسب رأي المؤلف، بتفوق وعلو العلاقات الاقتصادية هو الذي يوضح عدم استعدادهم لمواجهة النزاعات الاثنية والدينية والحروب التي نشبت هنا وهناك منذ نهاية الحرب الباردة.

ويحاجج المؤلف بان اعتبارعلاقات السوق هي اساس الحضارة انما هي فكرة " ساذجة" وفكرة " تضع العربة قبل الحصان". ان الاسواق الحرة لا يمكنها ان تكون اساسا تبنى عليه مؤسسات المجتمع السياسية والاجتماعية والقانونية، لان السوق ينشط ويعمل فقط عندما تكون هذه المؤسسات موجودة وفاعلة. فالاسواق بحاجة الى دولة قوية قادرة على فرض سيادة القانون وجمع الضرائب وتقديم الخدمات العامة مثل بناء الطرق والرعاية الصحية وبيئة نظيفة. وهذه بدورها تعتمد على وجود مجتمع متماسك ينشط الافراد فيه بثقة متبادلة ويعملون جماعيا للصالح العام.

ولهذه الاسباب وغيرها نجد ان الكثيرين من الباحثين وصناع القرار يعارضون فكرة ان اصلاحات السوق هي الطريق المفروش بالورود للوصول الى السلام والازدهار. وعندما قال المؤلف ان العولمة قد " ماتت" فانه كان يعني موت هذه الفكرة الساذجة. ان تكامل الاقتصاد العالمي يمكن ان يؤدي الى حصول بعض التطور ولكن لا يمكن حتى الحلم بانه ضمان لخلق حضارة جديدة ومزدهرة. فحتى كبار المدافعين عن العولمة من امثال ميلتون فريدمان وفرانسيس فوكوياما اعترفوا بانه كان من الخطأ اعطاء الاسبقية لاصلاحات السوق على قضايا اوسع واهم مثل التحولات الديمقراطية وحل النزاعات والتكامل الاقتصادي داخل الدولة نفسها وتطوير المجتمع المدني ودولة القانون.

الهدف الثاني الذي حظي بنقد صاول اللاذع تمثل في البيروقراطيين، او حسب ما يسميهم " جيش المشاة المعولم" الذي يضم مئات الالاف من المدراء والمستشارين الاكاديميين وموظفين كبار في اجهزة الدولة تنحصر مهمتهم في تفكيك المشاكل الكبيرة التي يواجهونها الى مشاكل صغيرة ليضعوا حلولا لها باسرع وقت وباقل تكلفة. فهذا ما تدربوا عليه ولم يتدربوا على الاجابة على اسئلة نظرية معقدة تتعلق بالصلة بين الاقتصاد والحضارة مثلا. ويتصف هؤلاء " بانعدام الخيال والموهبة والشجاعة والاخلاق" حسب رأيه. كما يدين صاول الايديولوجية الاداروية كونها تحاول تطبيق حلول خطية على مشاكل تمتاز بانحنائات كثيرة، او كما في الرياضيات تطبيق حل لمعادلة من الدرجة الاولى على معادلة من الدرجة الثانية او الثالثة.
هنا تكمن زبدة المؤلف الراديكالية، اي هجومه على الاداروية. اذ يمثل هذا الهجوم الغاءا لمفهوم الخبرة المهنية وتعرية لـ " ضيق افق" النظام التعليمي الذي يخرج مئات الالاف سنويا من افراد هذا الجيش. ويعبر المؤلف عن قرفه من الطريقة التقليدية التي تدرس فيها مادة الاقتصاد في الجامعات ، ولا يقف عند هذا الحد، بل يهاجم طرق تدريس جميع الفروع الانسانية والاجتماعية، بدءا من الفلسفة وانتهاءا بالادارة العامة، لانها "تفشل في توفير الادوات اللازمة للبشر لفهم العالم اخلاقيا وتاريخيا". وهذا التشوه الفكري هو ما يفسر السبب في جعل التكنوقراط العتلة الرافعة والقاطرة الدافعة لليبرالية الجديدة.

باختصار ان نقد صاول للعولمة لا يمثل هجوما على هذه او تلك من قوانين التجارة بل هجوما على موضوعين اساسيين: الايمان " الضيق الافق" بان علاقات السوق هي المسؤولة عن تطور المجتمعات، والمفهوم التكنوقراطي المسلكي للادارة العامة وادارة الشركات.

من المهم ان نذكر ان الهجوم على هذين الموضوعين ليس بالشئ الجديد لمن تابع اعمال المؤلف السابقة. اذ يذكر الباحث وول كمليكا من جامعة كوين الكندية ان هذين الموضوعين كانا شيئا مشتركا تضمه جميع كتابات المؤلف بدءا من عام 1992 عنما نشر مؤلفه الموسوم " حمقى فولتير: الدكتاتورية والعقل الغربي". ويؤكد كمليكا ان العولمة هي آخر معارك المؤلف في حربه ضد " مرحلة العقل الغربي" بفهمها " الضيق الافق" و " الخطي" لظروف الانسان. وكان يدعو دائما الى معالجة " اكثر انسانية" مبنية على " فردانية مسؤولة" تعزز من دور الافراد كمواطنين اكثر من كونهم مجرد مستهلكين، وتخفف من السعي الفردي لتحقيق مصالح شخصية مقابل تحفيز العمل من اجل الصالح العام ثقافيا وحضاريا.
ويبقى للمؤلف في نهاية الامر جرأته غير العادية في السباحة ضد التيار والخوض في قضايا عقدية جعلته يبدو يساريا احيانا ويمينيا في مواقفه حيانا اخرى.