الهويات المتناحرة .. والشرق الأوسط الجديد


نجيب الخنيزي
2013 / 11 / 18 - 22:11     

الهويات المتناحرة .. والشرق الأوسط الجديد
تمر البلدان والمجتمعات العربية بمرحلة دقيقة وحاسمة ،وتواجه تحديات مصيرية هي الأشد في تاريخها الحديث .. فالأزمة بنيوية ومركبة وشاملة وممتدة في أبعادها القومية والوطنية ، وفي تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي تنعكس في احتدام التناقضات والصراعات والمواجهات الأفقية (بين مكونات النظام العربي) والعمودية (داخل كل مجتمع عربي على حدة). أحد تجليات الأزمة الوطنية والقومية هو صعود وتصدر الهويات ( الدينية والمذهبية والمناطقية والقبلية والإثنية ) الفرعية و التقليدية للمشهد العام وذلك على حساب الهوية الوطنية / المجتمعية المشتركة . علينا هنا الوقوف عند حقيقة كون الهوية الوطنية لأي شعب، ليس معطى ثابتا ومنجزا ونهائيا . الهوية تتشكل في مجرى التطور التاريخي - الموضوعي، ومن خلال نضج أو إنضاج المقومات والمقدمات السياسية/ الاقتصادية/ الاجتماعية/ الثقافية ، وقبل كل شيء صوغ وتحقيق معادلة المصالح المشتركة والمتداخلة والمتكافئة (ولو بشكل نسبي) بين الهويات الخاصة (الفرعية) لمكونات أي جماعة بشرية.
تلك بعض المحددات الرئيسة، لتشكيل الهوية الوطنية الراسخة والدائمة، والمتجددة في مراحل الأزمات والانعطافات والاستحقاقات المفصلية التي تواجهها. وهي في كل ذلك (الهوية) تختلف عن تلك الروابط والصلات التي شهدتها الإمبراطوريات والدول ألقديمة التي غلب عليها طابع الإلحاق والضم والتبعية القسرية للأطراف من قبل المركز. بطبيعة الحال هناك اختلافات وتباينات بين التكوينات والتجمعات الإنسانية فيما بينها وفي داخلها، وفي سياقات تطورها ألتاريخي، وطبيعة خصائصها الاجتماعية ،ومستوى تجانسها الإثني/ الديني/ المذهبي/ اللغوي. وفي الواقع فإن مفهوم الهوية الوطنية بالمعنى السائد اليوم، هو من المفاهيم الغربية المستوردة التي ارتبطت بالسياق التاريخي لتطور مفهوم الدولة الحديثة في أوروبا، والذي واكب ظهور، وتشكل، ثم صعود البرجوازية (سكان المدن) في قلب أحشاء المجتمعات الإقطاعية في أوروبا ، بدءا من عصر النهضة، والإصلاح الديني، ومروراً بعصر التنوير أو الأنوار، الثورة العلمية/ الصناعية، وانتهاء بالثورات البرجوازية، التي دكت دعائم العلاقات الإقطاعية وأنظمة الحكم المطلق في أوروبا، التي باتت بتكوينها الاستبدادي ، وبعلاقاتها الإنتاجية والاجتماعية العتيقة والبالية معيقة ومعرقلة للتطور. مما مهد الطريق لانبثاق مفاهيم جديدة حديثة. في سيرورة هذه العملية التاريخية الطويلة نسبياً (ثلاثة قرون) ترسخ مفهوم الدولة - الأمة، الدستور، المواطنة ، و التداول السلمي للسلطة . وذلك على أرضية مؤسسات المجتمع المدني، وهي تشكيلات، يغلب عليها كونها جماعات مدنية تطوعية مستقلة، تمثل بمجموعها المجتمع المدني، كمعادل موضوعي إزاء المجتمع السياسي (الدولة).
الدولة العربية والهويات الفرعية
الدولة بشكل عام، جهاز بيروقراطي، يقف نظرياً محايداً فوق طبقات المجتمع، ويمارس تنظيم أو -بصورة أدق- احتكار العنف من خلال الإدارة والقانون والقضاء والبوليس. في منطقتنا العربية التي انقطع مسار تطورها على مدى تاريخ طويل، ودخلت قي سبات حضاري شامل، وذلك لأسباب وعوامل داخلية وخارجية مختلفة، في مقدمتها سيادة الاستبداد، وهيمنة المنهج النقلي، النصي، المثالي، وتغيب ومحاربة العقل، الفكر، الاجتهاد، الإبداع، والعلم ، الأمر الذي أدى إلى بروز وترسيخ ظاهرة الاستبداد، ومنظريه من فقهاء السلاطين. امتد ذلك طويلا، وتكرس في مرحلة التسلط العثماني على عموم المنطقة العربية، الذي استمر قرونا، ثم أعقبه التسلط الاستعماري الأوروبي، ثم الهيمنة الإمبريالية الغربية وخصوصاً الأميركية. كل ذلك كرس التخلف والتبعية لجل البلدان العربية، وأعاق -ولايزال- تطورها الطبيعي والمستقل. كما كان من نتائجه غياب أو ضعف الحامل (الطبقات الحديثة) الاجتماعي الجديد، وغياب أو ضعف البرجوازية الوطنية. الطابع المحافظ والمشوه للرأسمالية الناشئة، بحكم أصولها الإقطاعية ومنحدراتها الريفية، أو كونها تابعاً ووسيطاً (كمبرادور) للرأسمالية الغربية، فاقم هذه الحالة. لايمكن إغفال الموقف السلبي إن لم يكن المعادي الذي جوبه به المشروع العربي النهضوي، بما في ذلك فكرة الإصلاح الديني، سواء من قبل الأنظمة والمؤسسة الدينية الرسمية التابعة ، كما ينطبق على المرجعية الدينية (الشيعية) على حد سواء، مما أدى إلى ظهور الحركات السلفية، و الأصولية المتشددة وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين ، وما بات يعرف بحركات الإسلام السياسي ، التي مثلت نكوصاً حاداً عن توجهات العقلانية، فكر الاستنارة، الانفتاح الديني، التعددية، العلم، والحداثة، بجميع صورها والتي رفع لوائها رواد النهضة العظام. علينا ان نقف عند حقيقة كون غالبية الدول العربية هي كيانات وحدود مصطنعة التكوين ، تضم جماعات أثنية ودينية ومذهبية ولغوية مختلفة دمجت في الدول التي نشأت وفقا لاتفاقية سايكس / بيكو الشهيرة ( 1916 ) مابين بريطانيا وفرنسا عشية استعمارهما لغالبية الدول العربية ، و إثر الاستقلال فإن قلة من البلدان العربية قد استطاعت أن تحقق انتقالا سهلا وسليما نحو إطار جامع لكل المواطنين. الهويات الفرعية وسماتها وتجلياتها وتناقضاتها، في عموم المجتمعات العربية هي ظاهرة موضوعية، لمعطى تاريخي، اجتماعي، ثقافي، قديم ومتجذر، قد تتراجع ويضعف دورها تدريجيا (لكنه لن يتلاشى) في حالات وأوضاع جيدة ومواتية وواعدة للجميع، وقد تنبعث وتقوى وتمتد شراراتها، في حال الأزمات والانهيارات الشاملة، لتشكل حريقا مدمرا يصلى بنارها القريب والبعيد. وقد كان الأمل باعثا للتفاؤل في فترة تاريخية سابقة، في إمكان وحتمية تراجع الهويات الفرعية في ظل طموح المشروع النهضوي القومي العربي، ومتطلبات تشكل الدولة العربية الحديثة ، وذلك لصالح هوية وطنية وقومية جامعة أكثر نجاعة وفاعلية . غير أن العامل الرئيس في انتعاش الهويات الفرعية ، يعود إلى فشل غالبية الدول العربية المعاصرة و تحت عناوينها المختلفة، في تمثل أسس الدولة العصرية - الحديثة، وترسيخ أسس الحرية والعدالة والمساواة، وضمان المشاركة الشعبية، والمواطنة المتساوية بين الجميع في الحقوق والواجبات، بعيداً عن انحيازات الدولة وتخندقاتها الفئوية الضيقة. الصادم والمحبط إننا نجد في ظل التطورات الدراماتيكية التي شهدها العالم العربي منذ اندلاع ما يعرف بثورات " الربيع العربي " والتي رفعت شعارات الحرية والعدالة والكرامة والمواطنة المتساوية ، تصدر الهويات الفرعية المتناحرة وعلى نحو اشد قتامة وخطورة على مدى تاريخ المجتمعات العربية قاطبة ، وهو ما ينذر بتفتيت المفتت وتقسيم المقسم وعلى نحو أشد خطورة من ذيول وتداعيات سايكس / بيكو . في ظل " الفوضى الخلاقة " التي تسود عموم المنطقة ، بتنا نلمس إعادة تشكيل خارطة العالم العربي والشرق الأوسط الجديد . العامل الرئيس في انتعاش الهويات الفرعية ، يعود إلى فشل غالبية الدول العربية و تحت عناوينها المختلفة، في تمثل أسس الدولة العصرية - الحديثة، وترسيخ أسس الحرية والعدالة والمساواة، وضمان المشاركة الشعبية، والمواطنة المتساوية بين الجميع ، بعيداً عن انحيازات الدولة وتخندقاتها الفئوية الضيقة. الصادم والمحبط اننا نجد في ظل التطورات الدراماتيكية التي شهدها العالم العربي منذ اندلاع ما يعرف بثورات " الربيع العربي " والتي رفعت شعارات الحرية والعدالة والكرامة والمواطنة المتساوية ، تصدر الهويات الفرعية المتناحرة وعلى نحو اشد قتامه وخطورة على مدى تاريخ المجتمعات العربية قاطبة ، وهو ما ينذر بتفتيت المفتت وتقسيم المقسم وفقا للهويات المذهبية والدينية والإثنية والمناطقية ، وعلى نحو أشد خطورة من ذيول وتداعيات سايكس / بيكو ،وهو ما لمسناه ونلمسه في السودان والعراق ولبنان واليمن وسوريا ومصر وليبيا والبحرين وغيرها من البلدان العربية. في ظل " الفوضى الخلاقة " التي تسود عموم المنطقة ، بتنا نلمس إعادة تشكيل لمجمل خارطة العالم العربي وبلورة ما يعرف بالشرق الأوسط الجديد .