الأزمة الاقتصادية العالمية وإعادة الاعتبار للاقتصاد السياسي العلمي.

مفيد قطيش
2013 / 10 / 23 - 05:48     


1- الأزمة موضوع صراع طبقي.
سال في السنوات الثلاثة المنصرمة حبر غزير في توصيف وتحليل الأزمة الاقتصادية – المالية العالمية التي ضربت الاقتصاد الرأسمالي منذ 2007 وما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم. وهذا أمر طبيعي، كون هذه الأزمة حدث غير عادي لأنها ترسم مفترق طرق بلغته البشرية في تطورها في العقد الأول من الألفية الثالثة، وهو مفترق كُتب على جهة منه: طريق يؤدي لخلاص البشرية وبداية كتابة تاريخها الحقيقي، وكُتب على الجهة الأخرى – طريق يؤدي إلى البربرية والهلاك. وما زال الصراع قائماً على هذين الخيارين داخل مكّونات البشرية من أمم ودول وتكتلات وطبقات وفئات اجتماعية قديمة وجديدة. ولا نبالغ إذا قلنا انه صراع حياة أو موت بين القديم المتشبّث بحق استغلال الأقلية للأكثرية الساحقة من البشرية، وبين الغالبية العظمى المدافعة عن الجنس البشري وخصائصه وحقه بالأبداع في انتاج مستقبل زاهر. ويستمر هذا الصراع الطبقي الصريح على كافة الجبهات. واليوم يزداد هذا الصراع حماوة على الجبهة الايديولوجية، كونها الضامن لأحد خيارين: إما استمرار السيطرة السياسية والاقتصادية والايديولوجية لمعسكر الرأسمال عبر الأستمرار بتضليل الجماهير الشعبية الكادحة والشعوب والأمم المتأخرة بتطورها، وإما كسر هذه السيطرة من قبل جبهة العمل التي تمثلها القوى الكادحة بزنودها وأدمغتها عبر فضح التضليل البرجوازي والتلاعب بوعي الجماهير.
وتمثل الأزمة الاقتصادية الراهنة موضوعاً بالغ الأهمية في هذا الصراع. ذلك انه بتحديد طبيعة هذه الأزمة وأسبابها تتحدد المسؤوليات عن تفجيرها، وتتحدد أساليب الخروج منها: فإما الاستمرار بسرد تفاهات الاقتصاد السياسي البرجوازي المبتذل عن نواقص طبيعية في عمل آليات النظام الرأسمالي وإلقاء المسؤولية على عوامل خارجة عن عمل آلياته واجترار النصائح بتلطيف فعل هذه النواقص والعوامل، عبر استدعاء الدولة من وقت لآخر لتساهم في إنقاذ من تسبب بالأزمة وإلقاء كل أعباء الخروج منها على عاتق الجماهير الكادحة، والاصرار على عدم وجود بدائل عن الرأسمالية، خاصة بعد فشل الأشتراكية المحققة، والعودة بعد ذلك إلى تحرير الرأسمال من كل قيود.أي باختصار تبرير خيار يتبادل المسرح فيه تياران ممثلان للرأسمال والبرجوازية – الليبرالية والكنزية بكل تفرعاتهما يتنافسان في انتاج الوسائل لانقاذ الرأسمال من مصيره المحتوم.
أما البديل الآخر عن هذه المكابرة المتهالكة فهو إعادة الاعتبار للكشف العلمي عن طبيعة هذا النظام وتناقضاته وآليات تطورها وتفاقمها وانفجارها، وتطوير عملية الكشف هذه بعد أن تعرضت للتغييب والتهميش، كونها ترسم مسار تطور الاقتصاد وأسلوب الانتاج الرأسمالي كطريق يبدأ بأزمة تحضّر الظروف للأزمة القادمة، في دورة تشبه دورة الساعة، تمكن العلم الماركسي من تحديد الفترة الزمنية التي تستغرقها واجتهد آخرون في تثبيت هذه الرؤية(1). ومن شأن تطوير الكشف العلمي هذا لطبيعة الأسلوب الرأسمالي أن يبرهن على محدودية كافة التدابير التي يواجه بها الرأسمال أزماته، وأن تكشف الخسائر الفادحة التي تتكبدها البشرية من جراء الأزمات، بما في ذلك الدمار الذي تسببت وتتسبب به الحروب كمخرج من الأزمات، وتؤشر إلى المخرج الحقيقي ليس من هذه الأزمات فحسب وإنما أيضاً من هذا الخيار المأزوم الذي ما زال مفروضاً على البشرية بكل الوسائل. ولكي تكتمل هذه المقاربة لا بد من إبراز المستجدات في النظام الرأسمالي العالمي – في القوى المنتجة وفي علاقات الإنتاج – التي من شأنها أن تضيف للأزمة الاقتصادية في عصر العولمة خصائص جديدة.
أ‌- راهنية الاقتصاد السياسي
مضى الزمن الذي كانت فيه البرجوازية وممثلوها من الاقتصاد السياسي المبتذل ينكرون فيه امكانية وحتمية حدوث الأزمات الاقتصادية، وتصويرها عندما تقع مجرد اختلالات تولدها عوامل خارجة عن النظام الاقتصادي الرأسمالي وموديلاته المتخيلة. فمنذ النصف الثاني للعام 2007 والعالم كله يتحدث عن الأزمة الاقتصادية العالمية كأمر واقع: عن اسبابها وطبيعتها وعن المسؤوليات عنها وسبل الخروج منها واحتمالات تكرارها. ولا أقصد هنا ذلك الأقرار الناقص الذي افتتحه جون مينارد كينز في ثلاثينات القرن العشرين وإنما تصريحات رؤساء سابقين وحاليين للمصارف المركزية في البلدان الرأسمالية المتطورة من آلان غريسبان إلى بن برناننكة، إلى حائزين على جوائز نوبل. ولم يعد مصير النظام الرأسمالي موضوع نقاش القوى الاجتماعية والسياسية المناهضة لهذا النظام بل تعداها إلى أصحابه وحماته في الجبهات الاقتصادية والسياسية والايديولوجية. لقد أدخلت الازمة الراهنة حماة النظام ومبرريه "بنظرياتهم النوبلية" في أزمة خانقة بعد أن أظهرت تهافت كل التفكير النيوليبرالي الاقتصادي الذي احتل الساحة لأكثر من ثلاثين عاماً. حتى ان طلاب قسم الاقتصاد في جامعة هارفرد أضربوا عن حضور الدروس وبعثوا برسالة إلى رئيس القسم غريغوري منكيو، يحتجون فيها على تلك المادة التي يدرسونها لعجزها عن تفسير أي شيء مما يحدث حولهم.
وبالفعل، وعلى وهج الانهيارات والافلاسات والخراب والخسائر التي تتعرض لها الاهرامات المالية والاقتصادية في العالم الرأسمالي وهي تقدر بالتريليونات. يتساءل المرء عن أثر تلك النظريات الاقتصادية المدعومة والمغطاة بجوائز نوبل، وهي تسكت عن وتتجاهل آليات استغلال العالم بعملة عالمية لا تغطية مادية لها اسمها الدولار، هي آليات لانتاج(وليس سببا) الازمات الاقتصادية منذ حوالي قرن من الزمن.
إن الافلاسات المادية والمعنوية التي تتعرض لها الرأسمالية المعاصرة المعززة بافلاس ما يسمى "بعلم الاقتصاد البرجوازي" جعلت البشرية تعيد النظر في مقارباتها للواقع الرأسمالي السائد، وخاصة قي خضم الأزمات، وتستدعي تلك التركة النظرية التي تركها كارل ماركس في مجال تحليل النظام الرأسمالي وتناقضاته وأدوات التحليل والتنبؤ بتطوره وخاصة نظرية التطور الدوراني (من دورة) الذي يظهر كيف ان النظام الرأسمالي يرسم حياته ومساره من أزمة إلى أخرى. لقد أعادت الأزمة الراهنة إلى كارل ماركس وإلى الاقتصاد السياسي الماركسي المتطور دائماً الاعتبار، وأثبتت راهنية هذا الفكر ما دام الواقع الذي أفرزه مستمرا بمشاكله الأساسية. كما ان الازمة دفنت نظريات "نهايات التاريخ" وايقافه التعسفي عند مستوى العقل النفعي وفتحت دورة جديدة من محاكمة النظام الرأسمالي وهو يمارس ليس جريمة اخضاع العمل بكل أنواعه لسيطرة ولمصلحة الرأسمال فقط، وإنما اخضاع النوع البشري كله لهذه السيطرة والمصلحة بما يهدد مصير البشرية جمعاء.
لقد أحيت الأزمة الراهنة كل عناصر النظرية الماركسية في الأزمات الاقتصادية، وفتحت الباب امام ضرورة تطوير هذه النظرية بالتوازي مع التغييرات التي طرأت على أسلوب الأنتاج الرأسمالي، وبخاصة تلك التي أدخلتها العولمة، من أجل التنبؤ بمسارات هذه الأزمة والتوقع للزمن الذي سنشهد فيه الأزمة القادمة.
غير أن محامي الرأسمال لا يلقون السلاح ابداً، طالما أن الخصم لم يشهر سلاحه ولم يدخل حلبة الصراع لمنازلته. ما زال الاقتصاد المبتذل يكرر منذ أربعينات القرن التاسع عشر تصوير الحياة الاقتصادية عملية يقوم بها أفراد منفردون يسعون وراء أهدافهم التي تتكامل في نهاية المطاف. وبالتالي ليست المسألة مسألة مصالح طبقية متواجهة تشكل موضوع الاقتصاد السياسي. لا بل اعلن بأن الاقتصاد والدولة قوى محايدة لا طابع طبقي لها. جرى تجريد علم الاقتصاد والدولة والسياسة من مضمونها الطبقي، وأصبح هذا "العلم" مادة تسيطر فيها التجريدات الفارغة والموديلات الميكانيكية ولغة الرياضيات المنقطعة عن التطور التاريخي. بهذا المعنى فَقَدَ هذا "العلم" الصلة بالمعرفة الحقيقية وتحول إلى ايديولوجيا تبرر ذاتها بذاتها في وقت تتحقق الممارسة الاقتصادية على نحو لا تضيئها هذه الايديولوجيا. ولذا فعندما تستنفر كل الحكومات الرأسمالية والبنوك المركزية لضخ ترليونات الدولارات لانقاذ المقامرين والمغامرين في رأسمالية" الكازينو" وتؤمم الخسائر فانما تقوم بذلك بانقاذ المجتمع، كما يزعم جهابذة هذا "العلم" المبتذل. وينسحب المنطق التبريري على تحديد أسباب الأزمة، كما سنرى لاحقاً، وعندما يبحثون عن هذه الأسباب في مجال التداول المالي وليس الانتاج الفعلي.
وجاء الاتجاه " النقدي" كرد فعل على الركود التضخمي وأزمة السبعينات، وبدأت موجة نهوض التيارات المحافظة مثل نظرية العرض، والتوقعات العقلانية والمدرسة النيوليبرالية. وقد أفرغت هذه الاتجاهات علم الاقتصاد من شحنته الاقتصادية السياسية وحشر العالم في أوهام التنظيم والتوازن الذاتيين للسوق الحرة من كل ما هو طبقي واجتماعي.
ومع ذلك لم تغير هذه المحاولات من الطابع السياسي للاقتصاد بعد اندماج السياسات الممارسة بالسلطة الاقتصادية, وتحولت اليد المرئية للملك إلى اليد الخفية ليس للسوق وإنما لطبقة الرأسماليين التي تختبء وراء غطاء السوق والمنافسة الحرة. وما خطة وزير المالية الاميركي بولسون في خضم الأزمة لضخ 700 مليار دولار لانقاذ المصارف والشركات المفلسة إلاّ دليلاً على ذلك.
والأزمة الراهنة، كما وكل أزمة، تفضح موضوع "علم الاقتصاد " البرجوازي وتكشف ما تغطيه نظرياته واصراره على ان الموضوع يتلخص في "دراسة القرارات المثلى في نطاق المهمات المطروحة للخيار...ويتجاهلون الدينامية المعقدة للانظمة الاقتصادية وعدم الاستقرار المميز لها. ان عدم مراعاة هذه المسألة يؤدي إلى تجاهل العوامل الأساسية المؤثرة على الاقتصاد".
إن معاينة ومعالجة الوضع المأزوم لا يمكن أن تكون مثمرة إلاّ بالاستناد إلى المقاربة العلمية التي تنطلق من التناقضات الاقتصادية – الاجتماعية للنظام، وتنقل مركز الثقل من السلوك الفردي "لروبن كروز العقلاني"، إلى الأسس البنيوية الموضوعية غير المرئية في النشاط الاقتصادي، باعتبار هذه التناقضات مصدر حركة النظام وتطوره وتأزمه. لا بد من العودة إلى دراسة القوانين التي تدير حركة الجماهير، المجموعات، الطبقات الاجتماعية. وهذا ما لم يتمكن من تأمينه إلاّ علم الاقتصاد السياسي الماركسي.
لقد حاولت الكينزية ان تقدم شيئاً من هذا القبيل، لكن الحدود الطبقية التي حُشرت فيها منعتها بعد الحرب العالمية الثانية أن تقدم شيئاً جوهرياً، لانها تبنت مصالح النظام وتحولت إلى أداة ايديولوجية بيده، والى محاولة لانقاذ الرأسمالية من داخلها. فجرى توليف ما سُمّي بالتركيب النيوكلاسيكي- الكينزي مما أفسد تلك المحاولة، كما تزعم جون روبنسون أحد أتباع كينز.
إلى ذلك جرت مبالغة كبيرة في دور الكنزية في إخراج الرأسمالية من أزمة الثلاثينات. صحيح انها ساعدت في تلطيف التناقضات التي كانت تفعل في الاقتصاد الرأسمالي آنذاك – الاّ أنّ خروجه من الأزمة لم يتحقق إلاّ بفعل الحرب العالمية الثانية التي أمنت تشغيلاً مطلقاً للطاقات.
ب‌- في تحديد الأزمة وأسبابها(الرواية البرجوازية)
بقي السكوت سائداً حول الأزمةالراهنة إلى ان انفجرت أوضاع بعض المصارف الأميركية. خرج الرئيس الأميركي جورج بوش الأبن فجأة ليعلن للعالم مخاطر انفجار أزمة كبيرة، وكرّت سبحة الاعلام والاعلان والتحذير من مخاطر أزمة كبيرة تضرب الاقتصاديات العالمية. ثم بدأت الرواية عن الصعوبات التي برزت في قطاع العقارات والرهون العقارية في الولايات المتحدة الأميركية، وعن حجم القروض المشكوك بتحصيلها، وعن السلوك الغريب لدى المصارف الأميركية في تقديم قروض لزبائن عاجزين عن الإيفاء بالتزاماتهم، وعن تصرفات مدراء وموظفين مصرفيين بالغوا وتنافسوا في خرق أعراف العمل المصرفي، ولم يفت الرواة تذكّر تخفيض سعر الفائدة في أميركا ثم العودة لرفعها، كما تذكروا العولمة ودورها في تفجير الأزمة. وحلّت لعنة الكثيرين على النيوليبرالية التي سيطرت لأكثر من ثلاثين عاماً على الساحة الايديولوجية والممارسة الاقتصادية. وحلّت الرأسمالية المالية (الموْلَنة) موضوعاً جديداً تبيّن لهؤلاء ان لها دوراً في تفجير الأزمة، وهي ظاهرة بات عمرها أكثر من نصف قرن. وتبيّن أن المشرّعين في الولايات المتحدة مذنبون في هذه الأزمة. واليوم اتضح للبعض أن الدولار استنفد دوره كعملة عالمية. وباختصار، تعلن هذه العوامل مجتمعة، معطوفة على تردي الأخلاق في أوساط رجال العمل، سببا للأزمة،التي تحدد على أنها أزمة مالية صرف، لا علاقة لها بالنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي تعوَّد على الخروج من أزماته والانطلاق من جديد. ولذا يكفي ضخ الأموال اللازمة وتحل الأزمة.
لا حاجة للتفصيل في هذا الباب لمناقشة كل بند على حدة. لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذه الرواية تخلط بين الأسباب الحقيقية التي أدت لانفجار الأزمة وبين الآليات التي تحضّر الظروف والتربة لأنضاجها وانفجارها وتحضّر الصواعق للتفجير، أي تلك المسارات التي يتخذها تفاقم التناقضات الفاعلة في الاقتصاد الرأسمالي. أن هذه المنهجية تعفي اصحابها من تفسير الأسباب التي فعَّلت هذه العوامل وجعلتها تحوّل احتمالات الأزمة إلى واقع فعلي.
إلى ذلك لا نجد تحديداً دقيقاً وواضحاً للأزمة. لأن القول انها أزمة عقارية أو مصرفية لا يُنتج معرفة علمية بمسار التطور. باختصار تتحول الرواية إلى سرد لمجموعة أحداث أدّت، ولو لم تحدث لما أدّت، لتفجير الأزمة ،دون التوقف عند الأسباب التي كانت تقف وراءها.
ولأن هذا النوع من الكوارث يشكل موضوع صراع سياسي داخل الطبقة المسيطرة فقد جرى تشكيل لجنة تحقيق رسمية في الولايات المتحدة الأميريكية برئاسة فيل انجليدس تبحث في أسبابها والمسؤولية والمسؤولين عن انفجارها .وقد أصدرت هذه اللجنة تقريرها في نيسان 2011 حيث تضمن 662 صفحة فيها ابحاث ومعطيات وشهادات موثّقة ذات قيمة لمن يريد ان يقوم ببحث علمي لهذه الأزمة وهو بعنوان "تقرير التحقيق في الأزمة المالية".وقد اشار التقرير الى استنتاج مفاده انه كان بالأمكان تجنب الأزمة.وانها نتاج عمل البشر وليس الطبيعة او التقنية وان انعدام الأشراف المالي كان مدمراً على استقرار الأسواق، وأن الفشل في ادارة المشاريع، والديون الكبيرة ذات المخاطر العالية، وسؤ جهوزية الحكومة لمواجهة الأزمة، والمتاجرة بالمشتقات المالية خارج السوق ،و تقصير وكالات التصنيف والتأمين والتدقيق في عملها والسياسات الحكومية في مجال الأسكان –ان كل هذه الأمور تشكل الأسباب التي فجّرت الأزمة.
لا شك ان هذا التقرير يلقي أضواء على العوامل التي تضافرت في تشكيل آلية لتفجير الأزمة لكنها تبقى بعيدة عن كشف الأسباب الحقيقية لانفجار الأزمة الأقتصادية العالمية والتي تنبع من طبيعة الرأسمالية ذاتها، كما سنرى لاحقا ،خاصة وان التقرير يقول بامكانية تجنب الأزمة تماما كما يمكن افتراض ان البركان الذي تتفاعل قواه الداخلية يمكن الا ينفجر لو لم تضعف فوهة معينة من فوهاته التي عبرها قذفت الحمم الى الخارج.

2- النظرية الماركسية في الأزمة الاقتصادية
الأزمة الاقتصادية التي ضربت الرأسمالية العالمية منذ 2007 وما زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن، والتي تَعِدُ بموجة ارتدادية في العام الحالي، هي أزمة النظام الرأسمالي في هذه المرحلة من تطوره، التي انتج فيها آليات أراد لها أن تخرجه من المأزق الذي دخله بعد ثلاثة قرون من التطور، والذي يكمن في عجز هذا النظام عن الاستمرار دون اللجؤ إلى آليات وخلايا غريبة عن طبيعته. وهذه الأزمة هي:
أولاً: أزمة فائض انتاج كل شيء: السلع والرأسمال والنقود.
ثانياً: أزمة بنيوية متجسدة في استنفاد الاسلوب التكنولوجي الخامس (الكمبيوتر والمعلوماتية) لطاقته، وعدم تجسد الأسلوب التكنولوجي السادس (النانو-تكنولوجيا والهندسة الجينية) أو عدم دخول منتوجاته حيز الاستخدام الواسع.
ثالثاً: هي أزمة منظومية تعبر عن عجز النظام على التجدد دون اللجؤ لاستعارة آليات وخلايا غريبة عن طبيعته، من اسلوب انتاج ما بعد الرأسمالية.
هذا التحديد للأزمة يستند إلى النظرية الماركسية في الأزمات الاقتصادية، وهي نظرية لم يقم ماركس بصياغتها بشكل منفصل كما صاغ النظريات الاقتصادية الاخرى، لكنها موجودة في كل مفاصل كتابه "رأس المال" الذي يمكن اعتباره كتاباً عن الأزمة الاقتصادية.
تتضمن النظرية الماركسية في الأزمة الاقتصادية مجموعة من المفاصل الرئيسية التي عالجها ماركس في كتاب "رأس المال" بدءً من الفصل الأول في الباب الأول للمجلد الأول وحتى المجلد الثالث عبر المجلد الثاني، وهي: الامكانيات الشكلية للأزمة، حتمية الأزمة، دورية الأزمة، وتجليات الأزمة الاقتصادية.
الأزمة الاقتصادية في الرأسمالية قانون اقتصادي هو قانون تجديد الانتاج. والأزمة حل عنفي لتسوية الاختلالات التي تطرأ على عملية تجديد الأنتاج، انها انفجار تناقضات اسلوب الانتاج الرأسمالي عند مستوى معيّن من تفاقمها. ولذا فان نظرية الأزمة جزء من نظرية تجديد الانتاج الرأسمالي.وقد حدد ماركس تلك الشروط والظروف التي تؤمن تجديدا طبيعيا موسّعاً للأنتاج .
ما هي الأمور التي تؤدي لاختلال شروط تجديد لانتاج الرأسمالي وإلى احتمال وقوع الأزمة؟
ترتبط امكانية وقوع الأزمة من الناحية الشكلية بالانتاج والتبادل السلعي البسيط المعبر عنه في عمليات البيع والشراء. وهي عمليات تطورت لتتوسطها النقود كوسيلة تداول وتأخذ معادلة: (سلعة–نقد–سلعة). أي بيع السلعة (أ) وشراء السلعة (ب). وهذا أمر مرتبط بتقسيم العمل. فإذا تمّت عملية البيع ولم تتم عملية الشراء للسلعة(ب) يحدث فائض انتاج وأزمة. هذه الامكانية الشكلية الأولى للأزمة تتخذ أبعادها في الرأسمالية ارتباطاً بتوسع وتعمق تقسيم العمل بين المئات والآلاف من وحدات الانتاج.
أما الامكانية الثانية فهي مرتبطة باكتساب النقود وظيفة أخرى هي وظيفة الدفع. ذلك أن تصريف المنتوج في الانتاج السلعي البسيط والرأسمالي يتم بشكل رئيسي عبر التسليف، أي تأجيل الدفع. ولكي يتجدد الانتاج وتتكرر الدورة الاقتصادية ينبغي أن تتم عملية بيع المنتوج في الفترة المحددة والسعر المحدد لكي يتمكن المدين من الإيفاء بالتزاماته. فإن تعذّر ذلك، أي عجز عن اتمام هذه العملية، واذا توقف عن الدفع سوف يجرّ ذلك عمليات مشابهة لدى الآخرين وتحدث عمليات توقف عديدين عن الدفع مما يفجر أزمة. أليس هذا ما يروونه عن انفجار أزمة الديون العقارية في أميركا؟. هذه هي الامكانية الشكلية الثانية للأزمة التي يمكن أن تتحقق أو لا تتحقق.
ما هي الأمور والعوامل التي تحوّل هذه الامكانية الشكلية للأزمة إلى واقع فعلي في الرأسمالية؟
يكمن الظرف الأساسي لتحويل امكانية الأزمة إلى واقع فعلي في التناقض الأساسي للرأسمالية – بين الطابع الاجتماعي للانتاج والشكل الرأسمالي الخاص للاستحواذ على المنتوج. وكما هو معروف يتجلى الطابع الاجتماعي للانتاج في توحيد جهود آلاف، واليوم، ملايين من البشر لانتاج المنتوج، في ظل تقسيم واسع للعمل في ظل العولمة الراهنة. ذلك ان آلاف المشاريع تتفاعل فيما بينها لانتاج منتوج معيّن. وتشارك في المسألة مشاريع انتاجية وتجارية ومصارف والخ.. كل هذا يضفي طابعاً اجتماعياً على الانتاج الذي يتحول إلى سياق موحّد وهو قانون لتطور القوى المنتجة في الرأسمالية.
لكن لهذا الطابع الاجتماعي طابع تناحري لأنه يتواجه بشكل خاص للاستحواذ نابع من الملكية الخاصة لوسائل الانتاج.ومع ان لوسائل الانتاج طابعا اجتماعيا فإن طبقة الرأسماليين هي التي استحوذت على المنتوج وبالتالي على الدخل الوطني. ويُعتبر الربح محفزاً وحيداً للانتاج وتطويره.
وفي هذا التناقض الأساسي تكمن كل خصائص ومواصفات النظام الرأسمالي، خاصة وانه يعبر عن النزاع بين الطبقتين الرئيسيتين: البرجوازية والطبقة العاملة. ويتجلى هذا التناقض بين الانتاج والاستهلاك، أي بين القدرات الانتاجية من جهة وبين القدرة المتدنية على الاستهلاك للجماهير الشعبية. أي انه تناقض بين الركض وراء الربح عبر توسيع الانتاج وتحديث القوى من جهة، واستغلال الكادحين عن طريق تخفيض أجورهم وقدرتهم الشرائية من جهة أخرى.
اما التجلي الثاني لهذا التناقض فيكمن في التناقض بين التخطيط والتنظيم على مستوى المشروع بما يؤمن له الانتاجية العالية وتخفيض النفقات، والفوضى والعفوية المستشرية على مستوى الاقتصاد ككل. هذا التناقض ينجم عنه انعدام التناسب بين القطاعات من جهة وبين الانتاج والاستهلاك من جهة أخرى، وبشكل خاص انعدام التناسب بين القطاع الأول (المنتج لوسائل الانتاج) والقطاع الثاني (المنتج لوسائل الاستهلاك).ناجم عن ممارسة تشرّعها الملكية الخاصة لوسائل الأنتاج.
ومن شان هذا ان يولد الاختلالات والفوضى في سياق تجديد الانتاج يعني اختلال الشروط لتجديد سليم للأنتاج. ومعروف انه كلما تضخّم الانتاج وتوسعت العلاقات بين القطاعات على المستوى الوطني والدولي كلما تعمقت الفوضى والعفوية والاختلالات الاقتصادية. هذا التناقض هو السبب الأساسي لأزمات فائض الانتاج، لأنه السبب في اختلال شروط تجديد الانتاج، لانه السبب في صعوبة تحقيق القيمة الزائدة المنتجة بالاستناد لكل الطاقات المتوفرة، مقابل تردي ظروف التصريف استناداً لمصادرة مداخيل الغالبية العظمى من الكادحين.
وفي هذا الاتجاه تعمل المنافسة التي تدفع لتطوير القوى المنتجة كوسيلة للبقاء في السوق وبالتالي ترفع البنية العضوية للرأسمال التي ينجم عنها انخفاض حصة العمل في المنتوج. ان الامكانية الشكلية في الانتاج السلعي البسيط تتحول إلى حتمية في ظل الرأسمالية. وقد أوضح ماركس (في المجلد الثاني لرأس المال) آلية انفجار الازمة كأزمة فائض انتاج، وكعملية لاختلال شروط التجديد الموسع للانتاج عندما بَحَثَ التجديد الموسع للرأسمال الأجتماعي.
ويكتسب التطور الرأسمالي طابعاً دورياً، بمعنى ان الاقتصاد يمر بدورات تقلصت فترتها حسب الظروف الخاصة بالتطور الرأسمالي من10 سنوات في مرحلة ما قبل الرأسمالية الاحتكارية إلى 7-8 سنوات في المرحلة الاحتكارية والى 6 سنوات في ظل العولمة.
وتلعب الأزمة في هذه الدورة دوراً رئيسياً لانها تشكل حلا عنفيا لكل الاختلالات التي تتكون في طور النهوض الذي يسبق عادة انفجار الأزمة. خلال الأزمة يتقلص الانتاج بسبب الفائض الذي يتكون، تتسع البطالة، تنخفض الأسعار ويحدث فائض تراكم راسمال. بعد الأزمة يحل طور الركود الذي يتجدد الانتاج فيه بشكل بسيط حيث تتعدل سرعة عمل القطاعات، وتتحضّر الظروف للانتعاش الذي يؤمن الظروف لنهوض جديد يحضّر بدوره الظروف لانفجار أزمة جديدة.
كانت الأزمة الراهنة خاتمة للدورة الصغرى التي بدأت في العام 2001 ولدورة كبرى امتدت لأكثر من أربعين عاماً شهدت سلسلة من موجات النهوض والتأزم كان أبرزها أزمات السبعينات ومطلع الثمانينات ونهاية التسعينات بداية الألفين.

3- تاريخ الأزمات الاقتصادية الرأسمالية
منذ ان انتصرت الرأسمالية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر امتاز تطورها بطابع دوري. وكانت الدورة الاقتصادية المكونة من أربعة أطوار. وكما هو معروف تحتل الأزمة الموقع الرئيسي في هذه الدورة. منذ ذلك التاريخ شهدت الرأسمالية ما يزيد على 20 أزمة.
انفجرت الأزمة الأولى في بريطانيا – البلد الرأسمالي النموذجي آنذاك – سنة 1825، والتي طالت جزئياً الاقتصاد الاميركي والفرنسي. و كانت تعتبر هذه الأزمة أولى لأنها طالت كافة القطاعات الاقتصادية بينما كانت الأزمات قبلها تضرب قطاعاً معيناً.
وتلتها أزمة 1837 ثم أزمة 1847. أما الأزمة الاقتصادية العالمية فقد وقعت سنة 1857 وتلتها أزمة عالمية سنة 1873 وكانت أطول من سابقاتها. وسنة 1882 وقعت أزمة طالت بشكل رئيسي الولايات المتحدة وفرنسا بينما طالت أزمة 1890-1893 المانيا وروسيا. واكتسبت أزمة 1900-1903 طابعاً عالمياً واضحاً. ثم انفجرت أزمة عام 1907 و 1920 التي سبقت الأزمة العالمية الكبرى في 1929-1933.
وانتهى النهوض بعد أزمة الكساد الكبير بأزمة 1937 التي سبقت الحرب العالمية الثانية.
أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد انفجرت أزمات 1948-1949، وأزمة 1957-1958، وأزمة 1970-1971 التي تأثرت بالأزمة المالية وانخفاض سعر الدولار. وكانت الأقوى في هذه المرحلة أزمة 1974-1975.
وامتاز الربع الأخير من القرن العشرين بمجموعة من الأزمات المالية التي طالت حوالي 60 بلداً معظمها من البلدان النامية في 1998-1999. وافتتحت أزمة 2000-2001 الألفية الثالثة حيث طالت قطاع تكنولوجيا المعلوماتية والانترنت، التي تم خلالها احتراق ترليونات من الدولارات وانخفض معدل الربح في هذه القطاعات إلى واحد بالألف.
جدير بالذكر ان الفترة الزمنية للدورة الاقتصادية في مرحلة الرأسمالية ما قبل الاحتكارية أطول من الأزمات في مرحلة الامبريالية. ويرتبط ذلك بخصوصيات تجديد وتوسيع الرأسمال الأساسي في سياق التجديد الموسع للانتاج الرأسمالي.

4- الطور السابق على الأزمة الراهنة
أن كون الأزمة الاقتصادية خاتمة لدورة اقتصادية تنجم عنها، يملي ضرورة عرض مكثف لمضمون الدورة السابقة التي فجرت هذه الأزمة على شكل فائض انتاج لكل شيء : للسلع والخدمات، للنقود، للديون، ذلك ان خصائص هذه الدورة تحدد للأزمة المواد المفجرة والصاعق وآلية جريانها. كما ترسم آفاق الخروج منها ووسائله.
وعندما يجري الحديث عن أزمة بهذا الحجم وهذه المفاعيل تحتل الولايات المتحدة موقع الصدارة والثقل في البحث لأنها شكلت منذ ما يزيد عن ثمانين عاماً قاطرة للاقتصاد العالمي وطبعت تطوره بطابع تطورها الخاص ومزاياها ومشاكلها، لأنها كانت تحل هذه المشاكل وما زالت عن طريق تصديرها إلى الخارج في جو من الهيمنة المطبقة على العالم في المجال المالي، النقدي، التكنولوجي والسياسي، العسكري .
في الحديث عن الدورة لن نقتصر البحث في الدورة القصيرة الممتدة بين 2000 و 2007 كمحطة اطلاق مباشرة للأزمة، على اهميتها، لكننا سنتوسع لاعتماد دورة أطول تمتد منذ مطلع السبعينات وحتى تاريخ انفجار الأزمة الراهنة أي خريف 2007.
امتازت الدورة السابقة في انها جرت على وهج صراع طبقي حاد بين الرأسمال والعمل، وفي سياق المنافسة بين المعسكرين الدوليين الرأسمالي والاشتراكي، وفي ظل الموديل الاقتصادي المعروف بالريغانوميكا وخلفيته الايديولوجية النيوليبرالية، وتعاقبت فترات من النمو والركود والأزمات افتتحت بأزمة توقف الولايات المتحدة عن الإيفاء بالتزاماتها الدولية تجاه تبديل الدولار بالذهب في مطلع السبعينات وأزمة 1974-1975 ، وأزمة 1982، ثم أزمة نهاية التسعينات. كما امتاز هذا الطور بتوسع افقي للعلاقات الرأسمالية على حساب انخراط دول المعسكر الاشتراكي السابق بما في ذلك الصين في الدورة الرأسمالية العالمية.
وقد ترك كل عنصر من هذه العناصر أثره على الدورة الاقتصادية التي فجرت الأزمة الأخيرة. وإذا ما حاولنا إعطاء توصيف مكثف لهذا الطور فإن صفة الركود هي التي تنطبق عليه أكثر من أي شيء آخر، على الرغم من فترات النهوض والنجاحات في بعض الابتكارات التي حفزها التنافس بين المعسكرين.
أ‌- الركود
يكمن السبب الرئيسي في تأزم الاقتصاد الرأسمالي وخاصة الاميركي في الصعوبات التي عاشها الاقتصاد الفعلي منذ نهاية الستينات، في ضؤ استنفاد النمط التكنولوجي الرابع لطاقته وتراجع الأرباح للرأسمال الخاص وفي تصاعد الصراع الطبقي منذ نهاية الستينات، وفي بطء وتائر النمو. وكانت الولايات المتحدة قد تعرضت لأزمة فصل الدولار عن الذهب وهو توقف عن الايفاء بالالتزامات الدولية، وجاءت بعد ذلك أزمة ارتفاع اسعار النفط وأزمة 1974-1975؛ وكان على الرأسمال ان يواجه الازمة فشنّ حرباً طبقية قاسية على الطبقة العاملة وجرى تخفيض الأجور في الدخل الوطني، مما وسّع عدم المساواة لعدة عقود. فإذا كانت اجرة الساعة 8,99 دولاراً سنة 1972 (بدولارات تلك الأيام) فقد انخفضت إلى 8,2 عام 2006 بالدولار الجاري. وجرت إعادة توزيع المداخيل والثروة لصالح الأغنياء. فإذا كان كل دولار يحوز عليه ال 90% من السكان بين 1950 – 1970 يقابله 162 دولاراً يحوز عليها 0.01 % من الناس فإن هذه النسبة تغيرت بالتدريج لتصل إلى 18000 دولاراً سنة 2001. ويحوز 0.01 % على ضعف الثروة التي يملكها 80% من السكان.
ب‌- الريغانوميكا
في سياق المنافسة بين المعسكرين كان على الولايات المتحدة أن تحل مسألة تمويل المرحلة المقبلة للتقدم العلمي – التقني. في هذا الوقت استنفدت امكانيات التوسع الرأسمالي وخاصة لتصدير الرأسمال، كما تقلص نمو أسواق التصريف مما عقّد عمليات التطور التقني – العلمي. ولم يكن ممكناً آنذاك القبول بانفجار أزمات فائض انتاج ولا باشعال حروب في ظل وجود المعسكر الاشتراكي، وبدأت فعالية الرأسمال تتقلص – وانعكس الأمر مباشرة على المستهلكين.
كمحصلة بدأت أزمة حادة. وأعلنت أميركا سنة 1971 التوقف عن الدفع (افلاس) وفك الدولار عن الذهب، أما سنة 1973 فبدأت أزمة النفط. وتميزت هذه الأزمة في انها ركود تضخّمي (انخفاض انتاج وارتفاع أسعار) وذلك بسبب الحاجة لتمويل التقدم التقني في سياق السباق مع المعسكر الاشتراكي.
وقد تم العثور في نهاية السبعينات على حل لهذه المعضلة التي ارتبطت باسم رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك بول والكر ومجموعة من مستشاري ج.كارتر. وتوصل الجميع لاستنتاج مفاده: لا ينبغي تقليص الكتلة النقدية عبر ايقاف الطباعة بل زيادتها. لكن لا ينبغي توجيه هذه الكتلة إلى مساعدة الرأسمال وإنما لتحفيز الطلب النهائي الحكومي والخاص. وهذا يعني انه إذا كان من الصعب توسيع أسواق التصريف فينبغي رفع فعالية استهلاك أعضاء الأسواق المتاحة. وقد وفّر ذلك مادة لتعزيز التقدم العلمي لمرحلة جديدة على أن تحل عدة مهمات:
1) تقليص التضخم بشكل حاد في قطاع الاستهلاك حتى لا تواجه زيادة النفقات الاستهلاكية بواسطة التسليفات بارتفاع الأسعار.
2) توجيه النفقات الاستهلاكية باتجاه القطاعات ذات التكنولوجيا العالية؛
3) ان تعمل النفقات الاستهلاكية لصالح مهمات التطوير وليس المضاربات.
من أجل ذلك تمّ رفع سعر الفائدة إلى 20% مما غيّر الوضع الاقتصادي في البلد وجرى كبح التضخم، وتعزز وضع الدولار، وتوجه فائض السيولة إلى نفخ الفقاعات المالية، وهذا ما رفع معدل الربح في هذه القطاعات. بهذا الشكل فتحت الريغانوميكا الحقبة الثالثة للرأسمالية – مرحلة الرأسمالية المالية ،و كانت هذه الفقاعات تنفجر بشكل دوري (السوق المالية سنة 1987، الانترنت سنة 2000).
من جراء هذا النهج كان الاقتصاد الاميركي يعيش خلال فترة طويلة في ظل طلب مرتفع ،وانتج السلع والخدمات التي كانت مطلوبة. وتنبغي الاشارة إلى أن جزءً أساسياً من الاقتصاد يعيش على تحفيز الطلب بطباعة النقود. ويبلغ حجم هذا الجزء 10% من الناتج المحلي الأميركي أي ما عادل آنذاك 800 مليار دولار. ويصل إلى 1,2 ترليون إذا ما أضيف الانفاق الحكومي اليه. وهذا يعني ضخ 1,3 – 1,6 ترليون دولار سنوياً. وبما ان هذه المقادير تتم بآلية الاستدانة، فإن المديونية الاميركية المجمّعة وصلت اليوم إلى أكثر من 50 ترليوناً. فإذا توقف تمويل هذا الجزء من الاقتصاد سوف يختفي من الوجود. لكنه مرتبط بقطاعات اقتصادية أخرى وبالتالي هذا الترابط يوسع الجزء المعتمد في تطوره على الاستدانة إلى الضعف أي 25%.
بهذا المعنى تجلت المشكلة الرئيسية للاقتصاد الاميركي في الورم الذي نما على جسده والذي يتنامى بالتحفيز المدعوم للطلب الاستهلاكي، وأميركا لا تستطيع التوقف عن تمويل هذا الجزء.
وقد أدت هذه الآلية لحل عدة مشاكل للرأسمال، عبر توجيه الادخارات من الاستثمارات الفعلية والانتاج الفعلي - الذي شهد فائض تراكم للراسمال الانتاجي - إلى القطاع المالي وإلى نفخ الفقاعات المالية من أجل تعويض انخفاض معدل الربح. فكان تطوير هذا القطاع و"الموْلَنة" عموماً رداً على الركود الاقتصادي الذي اتخذ في السبعينات والثمانينات شكل ركود تضخمي.
ج- تأجيل انفجار الأزمة
أجّلت هذه الفترة " الذهبية" في الرأسمالية انفجار الأزمة الراهنة عدة سنوات. وقد سار التطور في ظل هيمنة النيوليبرالية التي تسببت وصفاتها بإفقار مطلق ونسبي للجماهير الكادحة وبتراكم هائل للرأسمال. وتمكن الرأسمال من تعزيز قدرته التكنولوجية ورفع معدل الربح عن طريق الابتكارات التقنية الجديدة التي ساهمت في تخفيض البنية العضوية للرأسمال في القطاعات الأساسية وتحديث الاتصالات والمواصلات والتوصل إلى تصغير وروبتة الانتاج، وارتفعت انتاجية العمل بمعدل الضعفين. وتمكن الرأسمال منذ مطلع التسعينات توسيع سوق التوظيف والتصريف بعد انهيار المنظومة الاشتراكية السابقة. وبالاستناد إلى الابتكارات الجديدة تم تضخيم الشركات وتوسيع وجودها في العالم وتخفيض نفقات النقل والاتصال ونقل الانتاج إلى بعض البلدان التي تؤمن معدل ربح أعلى.
وشكل انخراط الصين في السوق الرأسمالية العالمية ظاهرة جديدة في مجالات الانتاج والتجارة والعلاقات النقدية والمالية العالمية، احتلت موقع "فبركة" العالم في التقسيم الدولي الجديد للعمل، وتحولت إلى دائن كبير للولايات المتحدة التي تعاني من عجز تجاري كبير معها. ان العلاقات بين هذين العملاقين تحدد اليوم إلى حد كبير مستقبل الاقتصاد العالمي.وفي نفس الأتجاه كان يفعل انخراط المدى السوفياتي السابق في الدورة الرأسمالية العالمية.
إلى ذلك جرت الدورة في وقت تسرَّعت فيه عمليات العولمة وبشكل خاص عولمة الاستغلال واستخلاص الربح، بما في ذلك عن طريق تعويم العملات والخصخصة والغاء تدخل الدولة وتحرير الغالبية العظمى من النشاط الاقتصادي – جرى كل هذا تحت هيمنة الدولار الاميركي. وفي هذه الدورة بالذات ازدهرت العولمة وكل القطاع المالي والرأسمال الوهمي المالي الافتراضي، وما فتحه من أبواب امام توسيع التسليف. كل هذا فتح الامكانيات امام توسع الرأسمال والانتاج وأدى إلى تفاقم عمليات فائض تراكم الرأسمال ليس في قطاعات الاقتصاد الفعلي فحسب بل وفي القطاع المالي ذاته.
د- الدولار الاميركي والاختلالات الكبرى
انتزع الدولار الأميركي موقع الهيمنة في الأقتصاد الرأسمالي العالمي منذ ان تم تأسيس المصرف المركزي الأميركي المعروف بالأحتياطي الفيدرالي والذي باشر بطباعة الدولار ثم عقدت اتفاقيات برتون-وودز سنة 1944 التي تحول فيها الدولار الى عملة عالمية تتحدد اسعار العملات الأخرى تجاهها. وكانت هذه الخطوات بالغة الذكاء من قبل أميركا التي ضمنت انتاج التضخم لصالحها والقاء تبعاته على باقي العالم. ومع ان هذا الموقع قد الغي رسميا باعلان التوقف عن الأيفاء بالألتزامات وفك العلاقة بين الدولار والذهب استمرت هيمنته كعملة عالمية.
كان السبب الرئيسي لفك الدولار عن الذهب سنة 1971 الطباعة المفرطة للدولار والتي تجاوزت كثيراً التغطية المادية له بالذهب. وبعد ذلك استمرت طباعته وما زالت حتى اليوم. ولا يعرف أحد مقدار كتلة الدولارات المتداولة في العالم. معروف ان نظام الاحتياط الفيدرالي هو الذي يطبع الدولار انطلاقاً من مصالح الولايات المتحدة ولا يراعى في عرض الدولار مصالح الدول الأخرى مع العلم ان الطلب على الدولار يتشكل من قبل كل بلدان العالم. عدا ذلك فان صندوق النقد الدولي لا يسمح لاعضائه بطباعة العملات الا بالاستناد لتغطية معينة بالدولار. هذا الأمر اتاح للولايات المتحدة أن تؤمن لسكانها(للأغنياء منهم بشكل خاص) ان يعيشوا على حساب بلدان العالم بما يتجاوز امكانيات أميركا التي تساهم بانتاج 20% من الناتج المحلي العالمي وتتصرف ب 40% منه. فمن أين تدفع أميركا هذا الفرق بين انتاجها وبين استهلاكها؟ ان العالم يدفع ثمن هذا الفارق سلعاً وخدمات مقابل العملة الخضراء، التي لا تتيح لحاملها شراء أصول مادية في أميركا، وانما أوراق مالية فقط. هذه النقود المطبوعة شكلت مصدر التسليفات الهائلة لتعويض تراجع المداخيل والطلب الفعال على مدار الثلاثين عاماً المنصرمة, وانتجت فقاعة الانترنت في نهاية التسعينات وفقاعة العقارات في 2007. وهي التي تغطي الانفاق العسكري والحروب الأميركية المتكررة.
كل هذا انتج اختلالات كبيرة في الولايات المتحدة ان في الميزان التجاري أو في ميزان المدفوعات أو في الموازنة. والولايات المتحدة اليوم هي البلد المدين الأول في العالم الذي يحسب تنامي دينها الحكومي بالساعة. أما الدين العام لكل الولايات المتحدة فقد شارف حدود الناتج المحلي العالمي.
ان محصلة تطور الولايات المتحدة خلال هذه الدورة هو انتقال ما يقارب 60% من الانتاج المادي إلى الخارج، خاصة الى الصين وبلدان شرق آسيا، في ظل سياق تقسيم جديد للعمل تحتل فيه الولايات المتحدة المركز المالي العالمي، ومركز انتاج المبادىء التكنولوجية، وبالتالي فان كل الاختلالات في الاقتصاد العالمي تنطلق من أميركا .

5- تحضير الظروف لانفجار أزمة 2007-2011

أ – مسار الأزمة
بدأت الأزمة الاقتصادية من انفجار أزمة سوق العقارات التي شهدت موجات حادة من التوسّع على خلفية الافراط في تقديم القروض للراغبين ليس فقط في شراء منازل للسكن وانما أيضاً للمضاربة. وقد حدث هذا الأمر من جراء فائض تراكم الرساميل في قطاعات الانتاج المادي (وهو ما يصر ارباب الرأسمال على تجاهله عند الحديث عن هذا الأفراط في التسليف العقاري) التي لم تجد مجالاً للتوظيف المربح وتحقيق الربح الوسط. فما كان من المصارف إلاّ ان قدمت تسهيلات غير مسبوقة للمقترضين، بمن فيهم أولئك الذين لم تكن لديهم أية ضمانات للقروض غير رهن العقار. ولم تعد الجدارة التسليفية ضرورية لتقديم القروض. إلى ذلك توسعت الشركات العقارية في بناء المنازل مما جعل العرض يفوق الطلب عليه. وعندما اضطر الاحتياطي الفيدرالي رفع سعر الفائدة تعرض المدينون اصحاب المنازل إلى صعوبات كبيرة حالت دون تمكنهم من دفع الالتزامات في الوقت المحدد. وقد دفع بهم هذا الأمر لبيع هذه المنازل بالاسعار المتاحة فتوسع العرض أكثر وانخفضت الأسعار وكرّت سبحة التوقف عن الدفع والافلاسات من قبل الزبائن، ثم دخلت المصارف في أزمة سيولة ومن ثم الشركتان العقاريتان Fannie Maeو Freddie Mac .ولأن المصارف الأميركية قامت باستخدام المشتقات المالية عبر توريق الرهون وبيعها في مختلف انحاء العالم انتشرت الأزمة في كل البلدان التي كانت على صلة بالسوق العقارية والمالية الاميركية. ومنذ 2008 تحولت الازمة العقارية والمالية الاميركية، بفعل آليات العولمة إلى أزمة مالية عالمية، ضربت النظام المصرفي والمالي العالمي وشملت الافلاسات المصارف الاوروبية وطالت الأزمة شركات التأمين وخاصة شركة AIG، وبدأت تتوقف عمليات تنفيذ العقود التسليفية التي كانت تستعمل لتأمين الاوراق المالية من الافلاس، وقد بلغت قيمة هذه الأوراق 60 ترليون دولار موزعة في كل انحاء العالم. لقد أظهرت أزمة السوق العقارية والمالية ان لا شيء يضمن الاسواق المالية من الانفجار والانهيار. وقد جرَّت هذه الأزمة الى حقلها المصارف التجارية والاستثمارية وصناديق التحوط.
وعلى الرغم من محاولات الانقاذ التي قامت بها الحكومات والمصارف المركزية لانقاذ المصارف والشركات والأسواق التي بلغت عشرات التريليونات، استمرت الأسواق عرضة للهزات والانهيارات والخسائر. وتبيّن ان تخفيض اسعار الفائدة حتى الصفر واغراق المؤسسات المالية بالسيولة لم يكن الا من قبيل صب الزيت على النار.
وطالت الأزمة لاحقاً الصناعة وخاصة صناعة السيارات وكذلك الصناعة الاستخراجية حيث شهدت أسعار الخامات تقلبات حادة وكان أبرزها النفط، الذي قفز سعره إلى 147 دولاراً ثم عاد وانخفض إلى 40 .وهكذا فقد وصلت الشركات الاميركية الكبرى في صناعة السيارات: "جنرال موتورز", "كرايسلر" إلى حافة الافلاس. فقدمت لها التسليفات العاجلة. وتراجعت الدورة الاستثمارية بنسبة 20-30%.
منذ نهاية 2008 دخل الثالوث الامبريالي في تراجع عميق هو التعبير الأوضح عن الأزمة. اتسعت البطالة، تراجع معدل الربح، تراجعت الحجوزات والطلبيات، تراجع الطلب الاستثماري. هذا الأمر انعكس تراجعاً في الدورة التجارية وخاصة الصادرات. وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا كله في نوع من الحمائية لدعم الاقتصاد الوطني.
بعد مرور 4 سنوات على بداية الأزمة والمعالجات الحكومية لها يجمع المراقبون على تشكل موجة ارتدادية جديدة في العام 2012. وهذا ما تؤكد عليه تقييمات المؤسسات الدولية وخاصة صندوق النقد الدولي.
ب– طبيعة الأزمة: على الرغم من الشكل الذي انفجرت به الأزمة والمسارات التي اتخذتها، هي في المبدأ أزمة فائض تراكم رأسمال عالمي بكل أشكاله النقدية، والسلعية والانتاجية. فقد بلغ تراكم الرأسمال في الصناعة 25% وأكثر من ذلك في صناعة السيارات؛ و30% في وسائل النقل و 50% في القطاع المصرفي.
صحيح ان الأزمة ظهرت كأزمة مالية عبّر عنها في تقليص حجم التسليف وتشديد شروطه، وانخفاض حاد في رسملة الشركات وأزمة فائض انتاج سلع في القطاع الفعلي، وانخفاض حاد متفاوت للأسواق المالية، وارتفاع عجوزات الموازنات؛ وانخفاض تشغيل الطاقات واتساع البطالة وانخفاض اسعار الانتاج وتقليص النفقات الاستثمارية. وخسائر بالترليونات من الدولارات وافلاسات لا حصر لها واغلاق مصانع ومشاريع. حتى العام 2009 تجاوز عدد المصارف المفلسة في الولايات المتحدة لوحدها 300 مصرفاً، ويحكى عن ضخ ما لا يقل عن 10-15 ترليون دولار لدعم وشراء المصارف الكبرى المتعثرة.
لكن هذه الأزمة هي أزمة فائض انتاج سلعي وفائض انتاج نقود. وهي أزمة البنية الفوقية المالية المستجدة.وهي الى ذلك أزمة بنيوية ناجمة عن المرحلة الأنتقالية بين نمطي الأنتاج التكنولوجي:الجيل الخامس( تكنولوجيا المعلوماتية والانترنت) والجيل السادس (تكنولوجيا النانو والهندسة الجينية).
ج – دور وكالات التقييم والاستشارات والتأمين في تحضير الأزمة: منذ مطلع الثمانينات بدأت الوحدات الاقتصادية والتجارية في المراكز الرأسمالية وأطرافها العمل على حل مسألتين: الوصول إلى القروض الرخيصة لتوسيع أعمالها، وتأمين القروض الرخيصة لزبائنها من أجل توسيع أسواق تصريف منتوجاتها. في ضؤ هذه المهمات وحلّها ازدهرت "صناعة" الاستشارات والتقييم والتأمين والتدقيق. وسيطر هذا النوع من الشركات على النشاط الاقتصادي لجهة توجيهه وتبريره وخلق نوع من الدعاية له.
فرجل الأعمال والمتمول الذي تتقاذفه تقلبات الاسواق كان يحتاج لمن ينصحه في اختيار المجال المربح للاستثمار. وكان لا بد من طرف آخر يؤكد صحة هذا الخيار عبر تقييم مخاطره وآفاقه. ثم لا بد ممن يقبل بتأمينه. وأخيراً لا بد من مصرف يقبل بتمويل هذا النشاط والخيار. هذا الواقع انتج تواطؤا بين وكالات التصنيف الثلاثة، وشركات الاستشارات والتأمين والمصارف. إذ يكفي أن تعطي وكالات التصنيف علامة عالية من نوع “AAA” لنشاط أو مشروع أو زبون مفترض حتى تنفتح له ابواب الجنة ويكون له ما يريد. وهكذا كان. فقد قيّم النشاط في اسواق العقارات بدرجة عالية انسحب على زبائنه الذين لم يكن لديهم أية ملاءة أو ضمانة فعلية تعد باعادة القرض في حالة الانتكاسة، طبعاً ما عدا رهن العقار . هذه الممارسة ساهمت في انتاج فقاعة العقارات أو أمنت الظروف لانتفاخها، ليس في أميركا فحسب وانما في جميع بلدان العالم. أقول ساهمت في ذلك ولكنها لم تكن سبباً لأنفجار أزمة اقتصادية –مالية بهذا الحجم، لأن السبب يكمن في التراكم المفرط للرساميل في قطاعات الانتاج المادي.
إلى ذلك كانت هذه الوكالات تقيّم عالياً السندات والاوراق المالية الأخرى التي كانت تصدرها المصارف بالاستناد للرهون العقارية، مما يسهل تصريف وبيع هذه الاوراق في الاسواق المالية العالمية كلها.
باختصار شكلت هذه الوكالات المنارة التي كانت بواسطتها تشير الطغمة المالية العالمية للمستثمرين إلى المجالات التي يمكنهم أن يوظفوا فيها اموالهم، في حين ان هذه التقييمات كانت فاقدة للمصداقية، وقد اثبتت التحقيقات ذلك.

3- الافراط في الاستدانة
كما سبق وذكرت أكثر من مرة، ساهم الافراط في الاستدانة (من قبل الحكومة والافراد والشركات) خلال العقود الثلاثة المنصرمة، في تحضير الظروف لانفجار الازمة الحالية. ذلك ان توسيع امكانيات الناس على الاستهلاك بما يفوق حجم مداخيلهم قد تم بنثر النقود عبر التسليف. فاستهلك هؤلاء دخلهم المقبل. وقد حفز ذلك الانتاج في البداية. لكن الافراط في الاستدانة وصل إلى مرحلة بدأ يعرقل الاستهلاك والانتاج بسبب العجز عن دفع الالتزامات، فحلّ الانهيار والانكماش الذي ألغى الاستهلاك وفائض القروض عبر الافلاسات والتوقف عن الدفع. وهذا أمر يتجدد منذ مدة طويلة.
فالولايات المتحدة مدينة بما يفوق ناتجها المحلي بأكثر من ثلاثة أضعاف: 50 ترليوناً مقابل ناتج محلي يصل إلى 14 ترليوناً. وهي تدفع فوائد على الدين تفوق ميزانيتها العسكرية. إلى ذلك تعاني من عجز ضخم في الموازنة. وتنمو مديونيتها بنسبة 10% سنوياً مقابل نمو الناتج 3% (طبعاً ما عدا خلال الأزمة). ولأن الموارد الداخلية محدودة ولا تلبي الحاجة في تغطية الطلب الداخلي على القروض يتم اللجوء إلى الخارج، أي تصدير المديونية إلى الدول الاخرى، مما ولّد أزمة دين عالمية.
ان التغيرات في الاقتصاد العالمي وموازين القوى الناشئة وظروف تطور الولايات المتحدة التي تحوّلت من دائن على غرار كل الامبراطوريات والدول العظمى (كما كانت بريطانيا قبل الحرب العالمية الثانية) إلى دولة مدينة بل أكبر مدين في العالم، تؤدي تدريجياً إلى فقدان الولايات المتحدة لوضعها الاحتكاري في الاقتصاد العالمي.
ولا تقتصر أزمة المديونية على الولايات المتحدة الأميركية وحدها بل تبين ان الاتحاد الاوروبي هو أيضاً غارق في المديونية التي أوصلت عدة دول منه إلى حافة الافلاس وفي طليعتها اليونان التي تشهد صراعاً طبقياً قاسياً من جراء ما يُفرض عليها من شروط لمعالجة مشكلة الدين العام فيها، وايسلندا واسبانيا والبرتغال وايطاليا. إذاً مما لا شك فيه هو ان هذه المديونية التي تبدو للوهلة الأولى وسيلة لتعويض النقص في الطلب من جراء تراجع المداخيل، هي في الواقع وسيلة لتجفيف الموارد التي من شأنها توسيع الانتاج والاستثمارات وبالتالي النمو الاقتصادي. ان الافراط في الاستدانة كان أحد العوامل التي شاركت في تحضير الظروف لانفجار الأزمة الراهنة.
هـ -دور الولايات المتحدة وموقعها في تحضير ظروف الأزمة: لقد بات واضحاً ان دور وموقع الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي لم يعد متناسباً مع امكانياتها. لقد كانت إلى حين قاطرة الاقتصاد العالمي، لكنها اليوم لم تعد كذلك.
فالموقع يتحدد في ان النظام المالي العالمي ما زال يستند اليوم إلى الدولار كعملة عالمية، مع بقائه العملة الوطنية لاميركا. ويصدر الدولار عن النظام الاحتياطي الفيدرالي الاميركي، وهو مصرف مركزي خاص وليس حكومي، بحيث انه يحدد حجم الكتلة التي يطبعها ليس للداخل الاميركي فحسب وانما للعالم ككل. بمعنى ان اميركا تحدد عرض العملة العالمية بينما يتشكل الطلب عليها في كل بلدان العالم. هذه الوضعية تسمح للولايات المتحدة بمراقبة آلة طباعة العملة العالمية وآليات دورانها وبالتالي تستطيع ان تغير، بواسطة العمليات التضخمية، قيمة النقود وان تفتح أو تقفل حنفية الاستثمارات، ان تتحكم بحركة التدفقات المالية وان تتسبب بافلاس المصارف والشركات والقطاعات وحتى اقتصاديات بلدان بحالها. انها بذلك تستطيع اعادة توزيع الملكية والثروة لصالحها. انها بذلك تؤمن مصادر اغتناء على حساب الآخرين وامكانيات نمو لاقتصادها. لكن الشروط التي اتاحت للولايات المتحدة التمتع بهذه الامتيازات تغيرت، ولم يعد وضعها متناسباً معها.
صحيح ان الولايات المتحدة ما زالت تتمتع بوضعية احتكارية في انتاج المبادىء التكنولوجية مما يتيح لها اقتطاع ريع علمي – تقني، لكنها اليوم تعتبر البلد المدين الأول في العالم، وقد تحول سوق الدين الحكومي إلى عنصر مهم ومؤثر في النظام المالي العالمي. إلى ذلك تعاني الولايات المتحدة من اختلالات قوية هي الى جانب الدين، العجز في الموازنة وعجز الميزان التجاري. عدا ذلك تغيرت بنية الاقتصاد الاميركي بحيث ان قطاع الخدمات وخاصة المالية منها، باتت تنتج ثلثي الناتج المحلي بعد تصدير 60% من قطاعات الانتاج المادي إلى الخارج. إلى ذلك هناك ما يقرب من 10% من الانتاج يعيش على حساب الحوافز.. للطلب.
واذا كانت هذه الامور كلها تملي الحاجة إلى طباعة النقود – الدولار انطلاقاً من حاجات الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، ودون مراعاة لمصالح الآخرين، غير أن هذا الأمر محفوف بمخاطر توليد التضخم. وحتى لا يحدث ذلك في الداخل ألأميركي يتم تصديره إلى الخارج. واليوم لا يعرف أحد حجم الكتلة النقدية بالدولار المتداولة في العالم. هكذا حلّت أميركا وعملتها ومصرفها المركزي محل السلطات النقدية في كل بلدان العالم، تقتطع ريعاً من كل شعوب العالم عبر الدولار، ربما كان العامل الرئيسي في تأمين النمو الاقتصادي في الأعوام السابقة.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أعلنت فك العلاقة بين الدولار والذهب سنة 1971 وجرى تعويم كل العملات العالمية بعد إيقاف العمل باتفاقيات بروتون – وودز استمر الدولار، بقوة العادة، يلعب دور العملة العالمية محتفظاً باحتكاره لهذه الوظيفة الاجتماعية وابقى كل عملات العالم والنظام المالي العالمي مرتبطاً به. إلى ذلك الدولار اليوم هو المعيار الوحيد للقيمة، وحق طباعته حكر على الاحتياطي الفيدرالي الاميركي. وقد حصل النظام الاحتياطي الفيدرالي على حق غير مسبوق في معالجة الأزمة الراهنة، وهو يقوم بذلك بطباعة النقود وضخها في أقنية التداول النقدي في حين أن كثيرين يحملونه مسؤولية تفجير هذه الأزمة.
وبما ان وضعية الدولار هذه لا تستند إلى أي اتفاق دولي، فان الولايات المتحدة لا تتحمل أية مسؤولية أمام أحد عما يصيب النظام المالي والاقتصاد العالمي. بدوره، العالم غير ملزم بالدولار. ومع ذلك فإن علاقة وثيقة ما زالت تربط كل الاقتصاد العالمي بالدولار الذي لا يستند إلى أي تغطية مادية و تغطيته الوحيدة هي السمعة الدولية للولايات المتحدة. فهل ما زالت هذه السمعة قادرة على تغطية الدولار؟
لقد بات واضحاً ان الاقتصاد الاميركي تحول إلى قاطرة تسير في منحدر وقد تعطلت كوابحها ومن الصعب ايقافها. لذا بدأنا نشهد مجموعة من التغيرات في العالم لغير صالح اميركا وأهمها ظاهرة الدول الناشئة وفي طليعتها الصين، وبروز عملات وآلات طباعة نقود منافسة في الصين واوربا. وبدأت تتعالى الأصوات الداعية لاستبدال الدولار بعملة عالمية موحدة. ويسارع الكثير من بلدان العالم إلى تغيير احتياطاته من العملات من الدولار إلى عملات وأصول مادية أخرى(الذهب، النفط...).
كل هذا يشهد على اهتزاز وضعية الدولار وعلى بداية أفول عصره. هذا ما يقوله جورج سوروس عندما يتحدث عن أزمة السيطرة الاميركية المستندة إلى هيمنة الدولار. وكذا ما أعلنه جوزيف ستيغلس عن احتضار النظام الاحتياطي الفيدرالي والدولار الذي لم يعد ملجأ آمناً لحفظ القيم وانه لا يدرّ دخلاً، وكان رئيس المصرف المركزي الصيني أكثر صراحة عندما أعلن عن الحاجة لعملة عالمية ما فوق قومية تحل محل الدولار.
هذا الجديد في احتضار الدولار يرتبط بالتناقض بين الوظيفة الاجتماعية الدولية التي يلعبها والتي ينبغي أن تستند إلى قاعدة مادية وتتطلب استقراره الدائم، وبين وظيفته كعملة وطنية لاميركا تطبعه دون ضوابط، وتخفض سعر الفائدة إلى الصفر ولمدة غير معروفة بحيث تشل السياسة النقدية. لقد ساهمت هذه الممارسة في تشكيل فوائض من الرساميل في الاقتصاديات الرأسمالية العالمية تضافرت كلها في تفجير الأزمة الراهنة.
و- دور العولمة: يكمن المضمون الاقتصادي السياسي للعولمة الرأسمالية في اكتساب فعل قوانين النظام الرأسمالي طابعاً عالمياً، بمعنى انفتاح الأفق (فتح الحدود والغاء القيود) أمام تحقق هذه القوانين على مستوى عالمي بكل طاقاتها. هي عولمة قانون القيمة والقيمة الزائدة والتراكم وتركز وتمركز الرأسمال والانتاج ،هي عولمة عملية الاستغلال واستخلاص واعادة توزيع القيمة الزائدة؛ وهي لذلك عولمة القوى المنتجة وعلاقات الانتاج وبشكل خاص علاقات الملكية. وهي عولمة العلاقات الاقتصادية الدولية واقنيتها التجارية والانتاجية والمالية-النقدية وهي عولمة مفاعيل الظواهر الاقتصادية التي تنشأ في المراكز الرأسمالية. وهي الى ذلك عولمة الصراع الطبقي. انها عولمة التناقضات الرأسمالية وبشكل خاص التناقض الأساسي- بين الطابع الاجتماعي للانتاج والقوى المنتجة الذي يتخذ ابعاداً فكلية وبين الطابع الرأسمالي الخاص لاستحواذ المنتوج، وما يتفرع عن هذا التناقض من تناقض بين الانتاج والاستهلاك، وبين التخطيط والتنظيم على مستوى المشروع والفوضى على مستوى الاقتصاد العالمي. باختصار هي عولمة النشاط الاقتصادي بكل ابعاده. ولذا فهي عولمة اسباب انفجار الأزمات وظروف تشكلها وانفجارها. ان العولمة تضاعف نتائج ومفاعيل الازمات والمشاكل الاقتصادية الاجتماعية، وتضفي بعداً جديداً عليها هو البعد السياسي والجيوسياسي.
في ضوء هذا التحديد يصبح مفهوماً كيف ان العولمة ساهمت في اكساب الأزمة الراهنة طابعاً عالمياً وانتشارها بسرعة، وساهمت في تشكيل ظروف انفجارها، لكن لم تكن سبباً في هذا الانفجار. لأن السبب كما رأينا يكمن في طبيعة الرأسمالية ذاتها والتي شهدت عشرات الازمات قبل طور العولمة.
اليوم تضاعفت الامكانيات الشكلية لانفجار الازمات في ضوء التعمق والاتساع لتقسيم العمل الدولي وما ينجم عنه من فوضى وعفوية من جهة، وفي ضوء تطور وظائف النقود وامكانيات التوقف عن الدفع كما شهدنا في الازمة الراهنة من جهة ثانية. لكن تتضاعف حتمية تحول هذه الامكانيات الشكلية الى واقع فعلي في ضوء بلوغ الرأسمالية طور العولمة وتالياً عولمة الطابع الاجتماعي للانتاج والتناقض الأساسي للرأسمالية.
لقد تعولم تأخر الاستهلاك عن الانتاج. ففي ظل التطور الهائل للقوى المنتجة العالمية، الذي بات يكفي تأمين حاجيات البشرية كلها، ما زال أكثر من ثلث البشرية يعيش عند حافة الفقر، وما زال ملايين البشر يبحثون عن فرصة عمل في ظل تعطيل طاقات هائلة.
وتعولم اللا تناسب بين القطاعات والبلدان والمناطق مما زاد الفوضى والعفوية من جراء مصادرة الموارد المادية والمالية والخامات من قبل المراكز وتوظيفها في خدمة ما يسمى بالمليار الذهبي، الذي ما يزال يغرق بالازمات رغم ذلك. فانحرفت الموارد باتجاه القطاعات الطفيلية...وبات الطابع الاجتماعي للانتاج ذا بعد عالمي حيث تعمق تقسيم العمل على مستوى عالمي وأصبح المنتوج نتاج عمل ملايين البشر المنتشرين في بلاد عديدة، بينما ما زالت حفنة من المتمولين تصادر المنتوج، وتعولم إلى حد كبير فائض تراكم رأس المال الذي يبحث عن مجالات توظيف تؤمن الربح الوسط بعد ان عجزت القطاعات الفعلية عن تأمين ذلك من جراء فائض الانتاج. وعلى الصعيد العالمي يعتبرهذا الفائض من السلع نسبيا أيضاً. انه فائض من وجهة نظر الرأسمال وليس بمعنى انه حاجات البشر قد اشبعت على أحسن وجه.
وإذا كانت السياسات الاقتصادية قاصرة على الصعيد الوطني عن معالجة الازمات والمشاكل الاقتصادية-الاجتماعية بسبب تجاهلها لجذور الازمات، فان العولمة أعطت هذا العجز بعداً أكبر من جراء غياب المركز العولمي الذي من شأنه ان يتخذ تدابير وسياسات لمواجهة الأزمة. ولم تنجح لقاءات مجموعة العشرين التي فاقت خمس لقاءات على مستوى القمة ولقاءات أكثر على مستوى الوزراء المختصين، لم تنجح في تقديم مخارج فعلية في هذا المجال، لأن هكذا سياسات انما توضع لصالح القوى المهيمنة على المستوى العالمي.
ولأن الأزمة في جانب أساسي منها هي أزمة السعي الجديد من قبل الرأسمال لمواجهة مأزقة البنيوي في عجزه عن تأمين الربح الوسط في الاقتصاد الفعلي وتوجهه لبناء الهرم المالي، وتحول القطاع المالي إلى قطاع قائد ومحدد للأقتصاد ككل، تجدر الاشارة إلى ان العولمة قد أمّنت الظروف لتشكل هذه البنية الفوقية الجديدة للرأسمالية، إن عن طريق فتح الحدود أمام الرساميل والغاء كافة القيود، أو عن طريق تأمين التكنولوجيا المعاصرة التي افسحت المجال أمام بلوغ هذه الظاهرة أبعاداً غير مسبوقة، أو في تشكيل أسواق المال العالمية. إلى ذلك جدّدت العولمة شباب الاستعمار الذي تمارسه الدول الامبريالية تجاه البلدان التابعة بحيث بات من السهل ضرب اقتصاد أي بلد واركاعه ومصادرة موارده دون الحاجة لاحتلال مباشر . وما المؤسسات الدولية اليوم، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، إلا أدوات لهذه السلطة العالمية للرأسمال المالي الافتراضي، التي تجعل تطور مليارات من الشعوب خاضعاً لحاجات هذا الرأسمال وباتت المجازفة التي يمارسها الافراد والشركات تهدد الاقتصاد العالمي ككل. من هذه الزاوية يمكن النظر إلى الأزمة الاقتصادية العالمية اليوم على انها أزمة هذا النمط من العولمة.

ز – القطاع المالي والرأسمال المالي: الازمة الراهنة هي أزمة نظام يسعى لتجاوز أزمته، وهي في الوقت عينه أزمة هذا المسعى المتمثل في انتاج بنية فوقية مالية تعلو بناء الرأسمالية التقليدية، هي نوع من "الرأسمالية المالية" وظيفتها إعادة توزيع الارباح والمداخيل المنتجة في الاقتصاد العيني. هذه البنية هي أساس مجموعة من القطاعات الطفيلية التي تنمو على جسم الاقتصاد الفعلي ويدخل فيها انتاج الثقافة المبتذلة والقطاعات العسكرية والاجهزة الحكومية البيروقراطية وطبعاً القطاع المالي.
ان آلية تشكل هذا القطاع وآلية أدائه بسيطة، تتضمن انسحاب الرساميل الفائضة من قطاعات الانتاج عبر المؤسسات المالية والنقدية؛ تشكيل فقاعات مالية في هذا المجال أو ذاك؛ انتاج منتتوجات مالية متنوعة وتصريفها. وكما في قطاعات الانتاج الفعلي يعمل هنا نفس المنطق: تحمية النشاط في انتاج المنتوجات المالية (أنواع مختلفة من الاوراق والنقود)؛ مبالغة في الانتاج وصولاً لفائض الانتاج ؛ صعوبات في التصريف وانفجار أزمات؛ تدخّل الحكومات لانقاذ القطاع المالي. وكل الازمات التي شهدتها الرأسمالية، منذ الثلث الأخير للقرن العشرين وحتى اليوم، هي إلى حد كبير أزمات يتحمل مسؤولية تفجيرها العاملون في القطاع المالي؛ بما في ذلك الازمة الراهنة التي كان صاعق تفجيرها الفقاعة العقارية. كل هذه الظواهر يعبَّر عنها بمفهومة الموْلَنة Financialisation، التي يكمن في أساسها الرأسمال المالي الوهمي الافتراضي. هذه المتغيرات أدخلت مزايا جديدة على الرأسمالية في ادائها وفي تفاعلاتها. وبالتالي لم يعد كافياً التفسير التقليدي للازمات دون الاخذ بعين الاعتبار لهذه التغيرات التي بدونها يستحيل فهم التطور الرأسمالي المعاصر.
كما سبق وذكرت، شهدت قطاعات الانتاج الفعلية فائض تراكم رأسمال عندما عجز الأخير عن العمل بفعالية تؤمن له الربح الوسط، فتوجه إلى القطاعات الطفيلية وخاصة إلى القطاع المالي. وقد ساعده ذلك على تخفيف التوتر في قطاعات الانتاج الفعلية وفتحت أمامه افق توسّع جديد. هذا الرأسمال بهذه النوعية وهذا القطاع المالي جاءا ردة فعل على الركود في الاقتصاد الفعلي ووصول الرأسمال إلى حدوده التاريخية.
لقد سبق لكارل ماركس ان حدد، في المجلد الثالث لرأس المال وفي سياق دراسته التسليف والرأسمال المساهم، حدد الرأسمال الوهمي كرمز لامكانية الحصول على ربح، وان قيمة هذا الراسمال تشتق من مجموعة عوامل عرضية، بعيدة عن عملية انتاج القيمة، واهمها: العائد المتوقع من نشاط ناجح للشركة التي يدر عليها ربحاً؛ سعر الفائدة المرتبط بالرأسمال المصرفي؛ بوضعية السوق المالية وبتدفق المعلومات المختلفة. وهذه العوامل كلها ترتبط بسلوك العملاء في السوق والتشكل العرضي للنسب الاقتصادية، بمعنى انها عوامل ذاتية. وميزة السعر في هذه السوق انه ينحرف عن القيمة بدرجات هائلة. هذا يعني ان الاساس المادي لانقطاع السعر عن القيمة يكمن في ان هذه القيمة تصبح بعيدة جداً عن تقييمات السوق للرأسمال الوهمي(على شكل أسهم، سندات، عقود مختلفة).
وقد تغير الرأسمال الوهمي كثيراً بعد كتابة "رأس المال" وأصبح الشكل الرئيسي للرأسمال، مندمجاً بقوة الدولة منقطعاً عن قاعدته المادية، وأصبح افتراضياً.
لم يعد رأس المال كما عرفناه متجسداً في مشروع اقتصادي مجسداً لعلاقات اجتماعية ومشخّصاً لهذه العلاقات المتمثلة بالرأسمالي الذي نعرف انتماءه ونشاطه ومجال عمله وصفاته. لقد أصبح الرأسمال اليوم وهمياً افتراضياً، منقطعاً عن حامله المادي، يتحرك بسرعة استثنائية، هو رحّال باستمرار، يغير حامله ومالكه وهذا تغير جدي في طبيعته وحركته ودورته الحياتية. تبدل حقوق الملكية، تحرر من الخضوع للاشراف والتخطيط في حركته ونشاطه. وحلّ محل ادارة الشركة التي يعمل فيها الرأسمال اللعب في البورصة حيث السيطرة ليس لصاحب الشركة وانما لعملاء البورصة. تفلّت الرأسمال من عملية التنظيم الذاتي للانتاج من قبل السوق. لم تعد نوعية المنتوج همه الأساسي بل أوضاع السوق وتغيرها. لم يعد يهتم بالقرارات الفعالة في انتاج السلع بل بالمضاربات. لم يعد يهمه الربح الوسط بل الربح المطلق. لم يعد له هوية ولا مكان يستقر فيه ولا زمان لحياته الاقتصادية، ليس لديه إقامة لذا فهو قادر على التهرب من أي وصاية وطنية ودولية وأي تنظيم حكومي. انه يعيش في عالم افتراضي في الكمبيوتر وشبكة الانترنت. وهو احتمالي بمعنى يمكن أن يكون نقوداً أو لا يكون عندما تحوله الأزمة أو البورصة إلى مجرد ورقة، إلى لا شيء.
ومع ذلك هذا الرأسمال بالذات يحدد اتجاه النشاط ونسب الانتاج والارباح المرغوبة والمداخيل عبر المناخ الذي يفرضه في الحياة الاقتصادية. وهو على الرغم من كل ذلك يبقى جزءً من عملية تجديد الانتاج. على قاعدة هذا الرأسمال تشكّل قطاع قائم بذاته مستقل هو القطاع المالي الذي لم يعد مجرد وسيط يجمع الاموال المتحررة ليعيد تحويلها إلى استثمارات منتجة. بل أصبح له مجال انتاجه الخاص الذي يأخذ شكل انتاج فقاعات مالية في هذا المجال أو ذاك، ينتج الأوراق المالية المتنوعة التي تقدر أنواعها بالآلاف وهي المشتقات المالية والعقود المختلفة.
والحديث يجري عن قطاع يتحرك فيه رأسمال يقدر بين 800 ترليون و 1000 ترليون دولار مقابل ناتج عالمي لا يتعدى 70 ترليوناً. وتتصارع هذه الرساميل على الربح المنتج في الاقتصاد الفعلي لأنه المجال الوحيد لانتاج القيم الحقيقية. اما هذا الرأسمال فهو ينتج "قيمة اجتماعية ملفقة"، انه ينتج الأوهام أي انه لا ينتج قيماً مادية. بالفعل لقد سيطر هذا الجانب من حياته على الجانب المنتج البناء المتمثل في تسهيل وتفعيل عملية تجديد الانتاج الفعلي.
ولأول مرة في تاريخ البشرية تتجاوز الأصول المالية الاصول الفعلية في الاقتصاد بمئات المرات. لقد اتخذ القطاع المالي شكل هرم يقف على رأسه بعد أن تآكلت قاعدته المادية، أو انه رأس تضخم وتجاوز الجسم الذي يحمله. ولم يحصل ذلك صدفة أو فجأة بل نتيجة لطبيعة التطور الرأسمالي عندما بدأت علاقات الانتاج تخنق تطور القوى المنتجة، فكان الرد عبر تسييل الاصول المادية ومولنتها في اطار النظام المالي العالمي. باتت الاموال تعيش حياتها الخاصة في هذا النظام. وظهر سلوك جديد هو السلوك المالي، وشخصية خاصة هي "الانسان المالي" الذي حل محل "الانسان الاقتصادي". وبات هذا السلوك وهذا النشاط يحدد النشاط البشري ككل.
أن 1% من أصل 1000 ترليون دولار يتم تداولها اليوم سنوياً تعتبر ضرورية لتغطية التجارة الدولية، و10% منها لخدمة الاقتصاد الفعلي. وهناك 3% من العمليات المصرفية فقط تتعلق بخدمة الانتاج المادي و97% منها تتم في القطاع المالي.
كل هذا يؤكد على وجود تناقض بين جانبي حياة الرأسمال المالي المعاصر كرأسمال افتراضي من جهة له طابع تدميري وكرأسمال هو وسيلة تطوير للانتاج الاجتماعي. لقد اكتسبت الرأسمالية المستندة إلى هذا القطاع وإلى هذا النوع من الرأسمال اسم رأسمالية الكازينو. ولأن هذا القطاع يخضع لنفس قوانين الرأسمالية فانه يتعرض لأزمات لها نفس منطق أزمات فائض الانتاج، لكن هنا تكتسب شكل فائض انتاج النقود.
ماذا يعني فائض انتاج النقود؟
لا تقتصر النقود اليوم على النقود بحد ذاتها كما هي معروفة. بل تتعداها الى مختلف الاصول والاوراق المالية والشهادات والعقود المختلفة ووسائل الدفع ورموز القيم والتبادل وشهادات الملكية، أي كل ما يجري تداوله في مجالات التسليف والاموال والمصارف والعملات والتأمين. ان اعداد وانواع واحجام هذه الاصول في تزايد مستمر، بينما تبتعد أكثر فأكثر تغطيتها وضمانها عن الاصول الفعلية التي تمثلها. إلى ذلك تضاف كميات ضخمة من النقود التي تصدرها الدول والتي تشكل تربة خصبة لنمو "الانتاج النقدي".
على هذا النحو يتشكل قطاع نقدي وظيفته انتاج النقود، اذ ان الوسائل التي تجمّعت منه اقتُرضت أو جُمعت على امل انتاج ربح أكبر لاصحابها. هنا تبلغ الصنمية السلعية حدودها القصوى في معادلة ن-ن1 أي نقد ينتج نقداً أكثر. وهذه الموارد لا تحتمل التعطيل ليوم واحد لأن في ذلك خسائر هائلة.
وكما يحدث في بيع السلع يحدث في هذا القطاع :بيع المنتوجات النقدية والمالية ،يتنافس البائعون من أجل الحصول على الزبائن المربحين، يبحثون عن تكنولوجيا جديدة لتصريف المنتوجات، ويصل الامر إلى اغراء الزبائن وارغامهم على شراء هذه المنتوجات. يتنافس بائعو هذه النقود من أجل الوصول الى المجالات المربحة ويصل الامر بهم إلى التعامل مع الزبائن الذين لا أمل باالعلاقة معهم كما حدث في القروض العقارية الاميركية. وتؤمن التكنولوجيا المعاصرة فرصاً هائلة لتحريك كميات ضخمة من الاموال وبسرعة هائلة من مكان إلى آخر، بما يولد مقادير هائلة تبحث عن الربح المطلق، فتتوجه الاموال إلى قطاعات تبدو مربحة مثل المتاجرة بالخامات والعقارات والعملات والبناء والاسهم.
وكما في القطاعات المادية كذلك في القطاع المادي كل شيء يتحرك: نسبة التراكم تنخفض بداية وينمو الاقتراض من المستقبل. يصل فائض انتاج النقود الى حده الأقصى. وتحل لحظة يتوقف فيها بيع النقود. تقع الأزمة. تتراجع الارباح، تتكدس المنتوجات، تتهاوى اسعار الاوراق المالية، تنتشر الافلاسات. وللخروج من الازمة تتم تصفية الفائض من المنتوج عبر الغاء صفقات قائمة، اعادة تقييم اصول، تخفيض اسعار الاوراق المالية والاسهم – باختصار تتم ابادة القيم المالية الفائضة. هذا ما حدث ما بين 2007-2011، إذ بلغت المقادير المالية المبادة 30-40 ترليون دولاراً. وفقدت المنازل 4 ترليون من قيمتها وانخفض الانتاج 3 ترليون وبلغت القروض الهالكة 2 ترليون دولار. غير ان ذلك لا يعني ان هذه المنتوجات كلها من النوع الرديء. اذ فيها من الجودة ما يكفي من وجهة نظر الرأسمال. لكن كما في حالة السلع، كذلك هنا، لا توجد قدرة شرائية كافية لدى جمهور واسع من الناس مستعد لشرائها، فيكون فائض الانتاج هذا نسبياً. لكن المؤكد ان الفائض الذي سبق انفجار الازمة كان على مستوى من الضخامة لا يتناسب بأي شكل مع القاعدة المادية التي يستند اليها. فالمعطيات تشير إلى ان حجم المشتقات المالية قد تجاوز الاصول الفعلية التي تمثلها بما يزيد عن 10 مرات. اذ كانت الاصول المادية تمثل 100 ترليون دولار في ظل ناتج محلي عالمي يقارب 70 ترليوناً، بينما تراوحت المستقات المالية بين 800 و 1000 ترليون دولاراً. وهو بهذا المعنى لا يتناسب مع الوظيفة الاساسية للقطاع المالي التي تتمثل في خدمة القطاعات الفعلية لجهة تجميع الاموال المجمعة من الاهتلاك المادي أو لجهة تأمين حاجات القطاعات في توسيع الانتاج. لقد أصبحت وظيفة هذا القطاع انتاج النقود (الربح) من النقود دون المرور عبر قطاعات الانتاج الفعلي. وتحولت معادلة الرأسمال من ن-ب-ن1-( ن1 = ن+Aن) الى ن-ن ب –ن1. حيث ب ن هي السلعة النقدية .لقد أكدت الازمة صحة النظرة الماركسية إلى النقود وإلى نسبية استقلاليتها، اذ انها لا تستطيع ان تنقطع عن قاعدتها المادية، لانها ليست ثروة خارج نظام علاقات ونظام انتاج السلع. إن النقود المنقطعة عن هذه القاعدة تتحول إلى وهم يتلاشى، كما تلاشت عشرات الترليونات من الدولارات.

6 – المعالجات الرسمية للأزمة
لم تخرج ردود الفعل الرسمية على الأزمة في العالم الرأسمالي عن المألوف في هذه المناسبات، لا لجهة الخلفية الايديولوجية، ولا لجهة الوسائل المعتمدة لتلطيف آثار الازمة ولا لجهة تحميل اعبائها للقوى الاجتماعية.
إلى ما قبل الأزمة، وعلى مدى لا يقل عن ثلث قرن، هيمنت أفكار النيوليبرالية على المسرح الرأسمالي. وكان ذلك متناسباً كلياً مع الطابع الركودي لتلك المرحلة الممتدة من مطلع السبعينات. كان لا بد من تنظيم هجوم على الطبقة العاملة لحماية الرأسمال المأزم، وأمنت النيوليبرالية التغطية الايديولوجية لهذا الهجوم. وكان محور تقليص دور الدولة في الحياة الاقتصادية إلى الحد الأدنى. وقامت الدولة بدورها الطبقي على أكمل وجه: حماية النظام.
غير ان انفجار الأزمة استدعى نوعاً من نفي النفي. اليوم ليس هناك من قوة أخرى غير الدولة تستطيع انقاذ الرأسمال ومشاريعه من الافلاس. لذا جرى استدعاء الكينزية لتحل محل النيوليبرالية، وهي خيار يستند إلى تدخل الدولة في الاقتصاد. تيار تعرض للنفي من قبل النيوليبرالية واليوم يحدث العكس. وفي الحالتين تكون المساومة تركيباً ايديولوجياً يهيمن فيه أحد الاتجاهين.
ما هو المضمون الاقتصادي السياسي لتدخل الدولة؟
من المعروف ان الرأسمال والانتاج السلعي عموماً يعمل لسوق مجهولة حيث ان المنتج لا يعرف ما إذا كان عمله، أي ما جسَّده من عمل في السلعة ضروري، ومطلوب اجتماعياً. انه يعرف ذلك عبر السوق. أي اذا تمكن من تصريف المنتوج فهذا يعني اعترافاً اجتماعياً بعمله، أي انه ضروري للمجتمع. وإذا لم يصرّف المنتوج ولم يجد من يشتريه فهذا يعني انه غير مطلوب. فهو اما انه انتج أكثر مما ينبغي أو انه انتج سلعة لا حاجة لها. ولم يكن يعرف ذلك لأن ما من مركز يوجه المنتجين الى الخيارات الصحيحة غير السوق. وعندما يقع عدد كبير من المنتجين في هذه الوضعية نكون امام فائض انتاج، تنفجر الأزمة. هنا يتم اللجؤ إلى الدولة اما لتشتري الفائض واما لتقدم المساعدات للناس ليشتروا هذا الفائض لدعم الطلب. وهذا يعني الطلب من الدولة ان تؤمن الاعتراف الاجتماعي بعمل وبمنتوج منتجين سلعيين بمعزل عن السوق. ان العمل لتلبية حجوزات وطلبيات الدولة هو العمل لسوق معروفة تؤمن اعترافاً اجتماعياً مسبقاً لعمل المنتجين الخاصين، وهذا أمر تفرضه بالحاح فوضى السوق والانتاج السلعي، غير ان هذه الضرورة متناقضة مع مصالح الرأسمال، لأن تدخل الدولة يتضمن أيضاً تأميماً للمشاريع الضعيفة والمفلسة والمهددة بالافلاس. ووضع قواعد وقيود واصلاحات على آليات العمل الاقتصادي مهما كانت ملطفة من شأنه أن يقيد، جزئياً، حركة الرأسمال والسوق.
لقد تدخلت الدول والمصارف المركزية لشراء الديون الهالكة والنفايات من الاوراق المالية وأمّمت بعض المصارف وساعدت شركات وقدمت مساعدة لصناعة السيارات، وقدمت مساعدات لحكومات بحالها. ان الترليونات التي ضُخت للحؤول دون انهيار الاقتصاد الرأسمالي لو حُوّلت إلى المسار الإجتماعي الصحيح لكانت كفيلة بتحرير البشرية من هذا السجن الكبير الذي اسمه الاسلوب الرأسمالي. وقد دفعت هذه النقود من أموال الكادحين الذين يدفعون الضرائب للدولة.
لقد حددت الماركسية الطابع الطبقي للدولة منذ زمن بعيد سبق بكثير "اكتشافات" جون مينارد كينز في ثلاثينات القرن العشرين، والتي استهدفت انقاذ الرأسمالية بوسائل رأسمالية. أما الماركسية فقد حددت الدولة بأداة طبقية للبرجوازية تستخدمها في الظروف المختلفة لحماية النظام وهو ما تقوم به خلال هذه الأزمة. وما يصح في هذا المجال على مستوى وطني، يصح على مستوى عالمي، إذ تقوم مجموعة العشرين بدور الدولة أو الحكومة العالمية.
خـلاصــة
هناك فارق كبير بين البحث عن مخارج للأزمة انطلاقاً من موقف ينطلق من الايمان بأبدية الرأسمالية، من اعتبارها نظاماً طبيعياً لم تعثر البشرية على بديل عنه، ولذا فان الأزمة من وجهة النظر هذه غير مرتبطة بطبيعة هذا النظام وآليات عمله، بل هي إما نتاج أفعال غير مسؤولة (إدانة أخلاقية)أو نتاج العولمة (وهي مسألة موضوعية لا يمكن ايقافها) أو نتاج سياسات اقتصادية تسببت بمشاكل (يمكن وينبغي تغييرها). ولذا فان أية تدابير لا ينبغي أن تقتل الذئب (مسبب الأزمة) ولا ينبغي أن تسمح بفناء الغنم (الجماهير الكادحة). التدابير هي عملية قصقصة للزوائد في آليات عمل الرأسمالية دون أن تصل لأي تغيير جذري يطال الأساس. ولا فداحة في ان تدفع البشرية كل 7 - 10 سنوات كلفة انفجار فوهة بركان-فقاعة مالية تفنن المضاربون في انتاجها وورطّوا ملايين البشر في المشاركة بها- طالما ان الخسارة تطال الصغار والمتوسطين والضعفاء، لا حاجة لكسر الآلة التي تتسبب بهذه الكوارث.
أما البحث في المخارج من الأزمة، من وجهة نظر الطرف النقيض، الذي يرى الأزمة محطة إلزامية في حياة الرأسمال والرأسمالية، نابعة من تناقضها الأساسي، وظيفتها تسوية عنفية لكل الاختلالات فيها، هذا البحث لا يرى مخرجاً من منطق الدورة التي تولد الأزمة إلاّ بايقاف العمل بهذا المنطق. بتجاوز الرأسمالية إلى نظام جديد يحرر البشرية من الأزمة وكلفتها، بدأت، عملياً الرأسمالية تستعير منه آليات وخلايا تساعدها على تلطيف التناقضات والمشاكل المتنوعة.
إلى أن تحين هكذا امكانية سوف يكون المخرج من أي أزمة اقتصادية آلية تحضّر الظروف للأزمة القادمة. وعليه ينبغي اضفاء طابع ديمقراطي على المعالجات يحول دون تحميل الجماهير الكادحة وحدها عبء الأزمة وكلفتها. وهذا انتقال من الاقتصاد الى السياسة، إلى دور الدولة والقوى السياسية في المجتمع.
1- مارست الأزمة فعلها تماماً كما تذكر الكتب والنظريات العلمية: تراجع الانتاج، انخفضت الاسعار، اتسعت البطالة، تناقص تشغيل الطاقات، تراجعت المداخيل، اتسعت الافلاسات وتعاظم تمركز الرأسمال والانتاج، اتسع الفقر المطلق والنسبي للجزء الأساسي من سكان العالم، وتعاظمت صعوبات العديد من الحكومات على قاعدة المديونية الحكومية والتناقض في التدابير المتخذة – من السياسة المالية التوسعية التحفيزية في أميركا، إلى السياسية المالية الانكماشية في اوروبا، إلى الحمائية هنا وهناك. وانتجت ثورات.
2- دخلت الأزمة مرحلة متداخلة من الركود والانتعاش البطيء جداً حسبما تفيد معطيات صندوق النقد الدولي، بما ينذر بموجة ارتدادية خلال السنة الحالية. إذ ما زال مؤشر ناسداك أقل بـ 42% من معدله عام 2000؛ ومعدل S&p يتحرك عند معدل عام 1999؛ والمدخولية تعادل الصفر.
3- اتسمت المعالجات بطابع طبقي صريح اذ تتم لصالح الرأسمال على حساب الجماهير الكادحة وهو ما ألهب حركة احتجاج قوية اتخذت لأول مرة منذ زمن بعيد وجهة مباشرة في معاداة الرأسمالية.
4- ترتبك البرجوازية ومؤدلجوها ودولتها بين الاقرار الصريح بالأزمة ، والمكابرة والاصرار على تجاهل الاسباب الحقيقية للأزمة الكامنة في طبيعة الرأسمالية ذاتها، في تناقضاتها الفطرية، في التناقض الأساسي الذي طبعته العولمة بطابع عالمي، جعل الأزمة أزمة عالمية، تفرض معالجات على نفس المستور هي غير متاحة.
5- تكتسب الازمة مزايا جديدة أملتها عليها التغيرات الجديدة في الرأسمالية المتمثلة في تشكل نوع من "رأسمالية مالية"، تضفي علىها طابعاً تدميرياً مضاعفاً لجهة عمقها واتساعها وحجمها، وذلك سينعكس قُصراً في زمن الدورة، وكثافة في تمركز وتركيز الرأسمال، وضحالة في مفاعيل التدابير المتخذة لمعالجة الأزمات. إذ يكفي هنا التذكير بأن إبادة الفائض من الرأسمال لتعديل معدل الربح ربما احتاج إلى مئات السنوات.
6- ان التخلص من الأزمات يكون بحل جذري للتناقضات التي تولدها، وهذا يعني الخروج من الطريق الرأسمالي للتطور باتجاه الاشتراكية عبر تغيير علاقات الانتاج وإقامة الملكية الاشتراكية لوسائل الانتاج. لكن هذا الخيار مؤجل راهناً بسبب ضعف النقيض الطبقي للبرجوازية، لذلك فان كل حديث عن انهيار الرأسمالية بسبب الأزمة أمر بعيد عن العلم. لذا فان الخيار المتاح هو فرض حلول ديمقراطية للأزمة تفضي إلى الحد من حرية حركة الرأسمال والسوق وإقامة القواعد والقوانين التي تعيد نوعاً من التوازن والرقابة الاجتماعية على النشاط الاقتصادي، ولن ينجح هذا الخيار ما لم يستأصل الورم المالي عن جسم الاقتصاد العالمي. ان الخيار الديمقراطي يعني تحميل من فجّر هذه الأزمة المسؤولية والاعباء للخروج منها، من مداخيلهم، من ارباحهم ومن ثرواتهم. انهم أصحاب المصارف والشركات العقارية ووكالات التقييم والتأمين والحكومات التي غطت هذه الممارسات ورؤساء المصارف المركزية والمؤسسات الدولية التي رعت هذه الممارسات. ان هذا الأمر يتطلب دوراً نوعياً جديداً من الدولة –حتى بحلتها البرجوازية– تكون إقامة التوازن الاجتماعي محوره. وهذا يتطلب مقاربة جديدة للسياسة ذاتها.
7- لقد فجرت هذه الأزمة حراكاً اجتماعياً واسعاً ونوعياً. وهو حراك ينبغي أن يكثف ويجذّر. ولذا فهو بحاجة إلى مناخ فكري وروحي ثوري جديد يخرجه من وضعية التنويم والتخدير التي فرضها الرأسمال و"علمه الاقتصادي المبتذل". ان هذا الأمر يعني إعادة الاعتبار للاقتصاد السياسي الماركسي كعلم أصيل، لأنه يتيح انتاج صور مغناطسية لجسم الرأسمالية، يكشف تناقضاتها وعوراتها ويسمح بالتنبؤ بتطورها وبمواعيد أزماتها، ويحدّث عن آليات تطورها وما تنتجه من ظواهر. إن اعادة الاعتبار تكون بتحويل هذا العلم إلى مادة تثقيف أساسية للكادحين ولكل المهتمين باخراج المجتمع من هذا التطور المأزقي الذي فرض عليه. وتعني إعادة الاعتبار: رهننة هذا العلم أي تطويره بما يتلاءم مع التحديات الجديدة التي تفرضها الرأسمالية المعولمة.

وأخيراً لا بد من ان ترتقي مواجهة الرأسمالية المعولمة إلى مستوى التحديات الجديدة. فالدعوة لعولمة المواجهة باتت أمراً ملحاً. ولكن كيف يمكن للمواجهة أن تتعولم ما لم تكن قد تجذّرت على المستوى الوطني واتخذت الاشكال الصحيحة لتحرير الناس من نير الرأسمال؟