لا لمافيا العراق - تعقيب على مقال الرفيق العزيز رزكار عقراوي


طلال الربيعي
2013 / 9 / 11 - 19:48     

هذا تعليقي على مقال الرفيق العزيز رزكار عقراوي المعنون
لمن نصوت؟ الشيوعي الكردستاني ام حركة التغيير في انتخابات برلمان اقليم كردستان – العراق!
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=377332
وبسسب طول التعليق, ارتأيت نشره كمقالة قصيرة
---------
اشكر الرفيق رزكار عقراوي جزيل الشكر على مقاله المهم وخصوصا في هذا الوقت.
ليسمح لي عزيزي رزكار بان لا اتفق معه في طريقة طرح السؤال او مضمونه, لان السؤال يتضمن اشتراطا باطنا بان الشخص يؤمن بالعملية السياسية وشرعيتها وبامكان اصلاحها من خلال العمل معها, وبالتالي فان المننخب, حسب هذه الرؤية, مخير بانتخاب هذا الحزب او ذاك, بناءا على برنامج الحزب او الحركة, مصداقيتها واقرانها الاقوال بالافعال وامور عديدة اخرى لربما اهم تتعلق بالولاء الحزبي او العشائري او بتاثيرات مادية مختلفة.

ولكن هنالك سؤال جوهري ينبغي ان يسبق سؤال من تنتخب الجماهير-اليسار او لا تتنتخب او حتى هل عليها ان تشارك او لا تشارك في الانتخابات برمتها. ان السؤال يتعلق بطبيعة العملية السياسية في كردستان باعتبارها جزءا مهما جدا من مجمل العملية السياسية في عموم العراق, فالاحزاب الكردية ممثلة بالمركز وعلى اكثر من صعيد مثل رآسة الجمهورية, نائب رئيس الوزراء, وزراء مهمين, اعضاء برلمان. فكيف يمكن تقييم عمل هؤلاء في المركز (اعلم ان الحديث يدور عن كردستان وليس عن المركز)؟ اجابتي ولربما اجابة العديد هي بان مشاركة الاحزاب الكردية لم تؤثر شيئا ذي بال يحول دون تحول العملية السياسية الى عملية مافيوية بكل معنى الكلمة وتحويل الدولة الى دولة ريعية فاسدة وفاشلة. بالطبع اللوم يقع على كل المشاركين في العملية السياسية, وليس فقط على الاحزاب الكردية. ولكن مهما ناقشنا وجادلنا فاننا لا نستطيع انكار الحقيقة بان كل الاحزاب والقوى المشاركة في العملية السياسية في العراق قد فشلت فشلا ذريعا في ادارة العراق, بدلالة ان العراق دولة فاشلة بعرف المنظمات الدولية, وان العراق يتصدر قائمة الدول الفاسدة. فشلت هذه القوى في تاسيس دولة مدنية وفشلت تماما في خلق صناعة وزراعة للتخلص من ريعية الدولة الوحيدة الجانب, التي تجعل من العراق دولة مهمشة لا هم لها سوى لعب دور التابع المحلي الذليل لقوى العولمة المتوحشة: سفارة امريكية هائلة, خمسة قواعد عسكرية في العراق, الاعتماد على السلاح الامريكي واسختباراته, اتفاقيات مع المحتل يحب الآن جعلها شفافة بنشرها وعرضها على التصويت من قبل الشعب العراقي.

لم تستطع السلطة المركزية القضاء على الارهاب بل شجعته باساليب المحاصصة وغيرها, ولذلك فالسلطة في العراق, وبضمنها الاحزاب الكردية المتنفذة, هي جزء من هذا الخراب ومسببة له لسببين هما اشتراكها في السلطة, وثانيا فشلها هي الاخرى بانقاذ العراق من وضعه الكارثي, ولربما ساهمت هي ايضا قي تكثيف الوضع الكارثي باسلوب او بآخر.

العملية السياسية في العراق بتقديري هي عملية مافيوية ترتدي رداء الدين والطائفة او العشيرة. انها النقيض التام للدولة المدنية او دولة المواطن ودولة العدل والمؤسسات .
والوضع في كردستان لا يقل قتامة ماعدا لربما بعض الرتوش التجميلية. الحكم هو اقطاعي-عشائري-عائلي, ويمكن ان نتكلم لربما عن مملكة كردستان لملكها الغير المتوج البارزاني كمعادل لملك آخر او على الاقل, يملك طموح الملك بالبقاء في السلطة الى الابد, نوري المالكي.

المشكلة الآن هي ليست الملكية او الجمهورية اذا كانت هنالك دولة مؤسسات. المشكلة, في كردستان قطعا, هي سيطرة عشيرة, حزب, او فرد على السلطة, وبسبب عدم وجود مؤسسات دولة كابحة للحد من سلطة الفرد او العشيرة, فان هنالك تداخل كارثي بين سلطة الدولة وسلطة الاحزاب, اي ان الدولة تمتلك من قبل الاحزاب- هكذا تبدو الامور, وبالتلي فان اي انجاز او مكرمة يسجل لصالح القائد او الحزب وليس للسلطة المستقلة, على الاقل نسبيا. ولكن السلطة في كردستان تعتقد انها ستبدو ناجحة عند مقارنتها بالسلطة المركزية, متناسية عمدا ان احزابها تتواجد في قلب السلطة المركزية وتتحمل الذنب هي الاخرى في فشل وفساد السلطة المركزية. ولكن لنحكم على كردستان بدون مقارنة. اريد ان اسأل اين هي صناعة كردستان وزراعتها؟ ما هي نسبة المصادر الاساسية لموارد الميزانية من النفط والكمرك قياسا بالقطاعات الانتاجية؟ اعتقد اننا كلنا نعلم بان كردستان منطقة ريعية وحيدة الجانب الى حد كبير. اذن كردستان قد فشلت على صعيد تحديث اقتصادها وتخليصه من ريعيته الوحيدة الجانب. وماذا عن ثقافة كردستان, اين هي المسارح ودور العرض السينمائي وقصور الفنون والثقافة؟ اين هي حركة الترجمة واصدار الكتب؟ وماذا عن حرق بنات ونساء كردستان انفسهن والصمت المخزي للسلطة تجاه هذه الظاهرة وتجاه انتهاك حقوق النساء في كردستان وتشويهنن جنسيا؟

قبل ايام قرأت خبرا لا استطيع ان اؤكده او انفيه, بان السلطة في كردستان ستقوم بتوزيع 500 او 1000 من الدولارات على العوائل القاطنة هناك, وهذا يحدث قبيل الانتخابات, وهنا لن ينتظر البعض طويلا, اذا صح الخبر, بالهتاف للعائلة المالكة والاشادة بحنوها الابوي على الشعب وبكرمها الحاتمي (اموالهم الخاصة؟). انهم لن يقولوا انها رشوة بائسة للمنتخب. انهم لن يأبهوا للدور السلبي المقيت التي ستلعبها هذه الاموال في قمع الرغبة في العمل والتفكير. انها راتب او مكرمة تدفعها السلطة, ليس حبا بالفرد, وانما للتشجيع على ممارسة اكبر للبلادة الفكرية ونبذ العمل. انها مكرمة لتشجيع الناس على هجر عقولهم لتحويلهم الى قطيع غبي هدفه الاول والاخير اكتناز الاموال وانفاقها في عالم استلاكي خاو مدمر للعقل والانسان والبيئة. تهدف المكرمة الى ابقاء مافيا العائلة او العشيرة في السلطة كي تستمر بتأدية دورها كتابع ذليل لقوى العولمة المتوحشة, التي هدفها الاول والاخير قتل التفكير واشاعة روح الاستسلام والنزعة الاستهلاكية التي لا تعرف الحدود, وذلك من اجل تحقيق المزيد من الارباح لاثراء الاقلية الطفيلية, ولكن هذه الاقلية مستعدة دوما ان ترمي ببعض فتات مؤائدها بين الحين والآخر الى آخرين لادامة سلطتها وايجاد من يرفعها من مصاف الملوكية الى مصاف الالوهيه- عمليا الفرق ليس بذلك الكبر.

ان العملية السياسبة في بغداد او كردستان هي عملية مافيوية معارضة تماما لمصالح الشعب والوطن, وبقاء المافيا سيزيد فقط من الدمار والتخريب.

لذا برآيي, فعلى اليسار في كردستان, وفي عموم العراق, التخلي عن العملية الساسية والسعي لانهائها بسبب امراضها العديدة والكارثية التي تجعل الحديث عن امكانية اصلاحها جنونا او سذاجة سياسية لا مثيل لها او رأيا مدفوع الثمن. ان السلطات في بغداد او كردستان هما مافيا وذيل ذليل تابع لعولمة المحتل. لم يستطع احد طوال التاريخ من قبل اصلاح اي مافيا. والمافيا غير مؤهلة لاصلاح نفسها بحكم كونها مافيا. يجب التخلص من المافيا ومحاسبة من ارتكب الجرائم باسم الدين, السلطة, او السياسة. اذا كانت اهداف اليسار لا تتضمن مهمة التخلص من المافيا (رغم صعوبتها الشديدة بالطبع), فلا ادري لماذا يدعي هؤلاء اليسار. ان هذه المهمة لا يجب ان تقتصر على اليسار بل ينبغي ان تشمل كل من تعز عليه قضية الشعب والوطن.

لذلك ادعو الى مقاطعة الانتخابات في كردستان الآن, وعموم العراق لاحقا. فالمشاركة في الانتخابات توفر ذربعة للقوى المهيمنة بادعاء فارغ بالديموقراطية, ولكنها ديموقراطية تحكم بشريعة الغاب. ان ادعاء البعض بامكانية الاستفادة من الانتخابات لاحداث تغييرات جذرية لاحقا لصالح اليسار هو ادعاء ساذج بالمرة, لانه يتصور السلطة كقوة محايدة تسمح بتطور تصاعدي لليسار عبر السنين رغم اجتيازه الخطوط الحمراء. هل حدث شيئ كهذا في دول راسمالية صناعية متقدمة مثل الولايات المتحدة او بريطانيا او النمسا؟ نعم حدث مع حزب اليسار في المانيا لاسباب مناقشتها, رغم اهميتها, تتخطى اهداف مقالتى الموجزة هذه. هل حدث هذا في دول اقل تطورا؟

ان رفض المشاركة في الاننخابات, اضافة الى كونه صحيح مبدئيا, فانه لا يعني الانعزال ابدا, انه يعني الخروج من المقرات (السجون) الحزبية والنزول الى الجماهير في الشوارع, والساحات والجامعات وميادين العمل والنقابات الخ, والعمل معها بصبر وتصميم من اجل خلق كتلة جماهيرية جبارة تقول -لا- للمافيا, وتترجم رفضها لها على ارض الواقع. هذه هي مهمة اليسار الثوري, وليس اليمين المتبرقع بلباس اليسار. ان مهمة اليسار العراقي ينبغي ان تكون جزءا مكملا لنضال القوى اليسارية العالمية المناهضة للعولمة المتوحشة ومشاريعها في اشاعة الجهل وثقافة العنف والحروب والتجسس على المواطنين والدول.