تقويض أسس الدولة 2:الأمة، الإقليم، السلطة!


أحمد سعيد قاضي
2013 / 8 / 16 - 17:54     

*الدولة البرجوازية:
وبما أننا نعيش في ظل الدولة البرجوازية سنوضح الكيفية البنيوية التي بها تمثل الدولة البرجوازية الحديثة مصالح الأقلية المالكة، الطبقة الرأسمالية. وكيفية استثمارها في مجال الكائنات البشرية بدون أي رحمة أو رأفة بالروح الإنسانية.
فلنبدأ بمكونات الدولة في تحليل بسيط لإعطاء القارئ صورة عن طبيعة عمل الدولة-على العموم-الاستبدادية التي نعيش في ظلها.
أولاً، تتكون الدولة من الأمة أي التجمع البشري، وتتطلب ثانياً الدولة البرجوازية إقليم محدد فالدولة بالأساس ظاهرة إقليمية. وثالثاً، السلطة القامعة للشعب، ورابعاً، النظام الاجتماعي والسياسي والقانوني والاقتصادي.
لنبدأ بمكونات الدولة:
فأساس النظام الاقتصادي في كل زمان ومكان هو وجود بشر، فهم السوق التي بدونها لا توجد الحاجة لإنتاج السلع والخدمات وما يتبع ذلك من تجارة ومبادلة. وعند بداية بزوغ لهيب النظام الرأسمالي حاول تكييف حاجته من البشر حسب قدراته الإنتاجية ووجد في الأمة التي تنطوي تحت حدود إقليمية محددة أفضل ما يحتاج هذا النظام لذلك بدأت الموجة القومية التي اجتاحت أوروبا وقيام الدول على أسس قومية ومن ثم تصدير الثورات القومية إلى العالم أجمع.
ولكن بعد ذلك بوقت من الزمان تطور الوحش الرأسمالي بدرجة كبيرة تبعاً لآلية عمله كنظام نهم لا يشبع لذلك أصبحت الحاجة إلى كل سكان العالم لكي تقع في شباكه وهو ما حصل في الفترات اللاحقة حيث فتحت القوى الإمبريالية كل دول العالم بالقوة أو بغير القوة، فتحتها للنظام الرأسمالي لكي يخضع شعوبها وينهب ثرواتها. لكن بقيت مكانة الحدود الوهمية التي تحتجز داخلها مجموعة بشرية رغم توسع سوق الشركات متعددة الجنسيات لتشمل كل سكان العالم وهذا ما سوف يوضح لاحقاً عند الحديث عن خصائص السلطة.
فعندما رأى البرجوازيون الصاعدون أن من مصلحتهم تقسيم الأمة البشرية إلى أمم وطوائف تعيش ضمن حدود مغلقة تحاصرها من كل جانب يصب في مصلحتهم قاموا بذلك بدون أي اهتمام بمصير الإنسانية وطبيعتها الاجتماعية وحقها في البقاء على ارتباط في كل أجزاء العالم على الأسس الإنسانية، وليس على الأسس المادية الاقتصادية التي مكنها البرجوازيون وجعلوها القاعدة الأساسية للعلاقات الإنسانية-الإنسانية، لذلك نرى في العالم الجديد الصراعات الدموية التي تحركها دوافع مادية اقتصادية.
فما هي الفائدة الفعلية من تقسيم المجتمع الإنساني إلى مجتمعات وأعراق وأجناس مختلفة غير تسهيل السيطرة على الأمة الإنسانية بناءً على "قاعدة فرق تسد"؟!
أما العنصر الثاني وهو الإقليم فهو أساس الثروات المادية التي ينطلق منها النظام الرأسمالي. وهو الذي يحدد طبيعة الخدمات أي أحد أوجه الاستثمار الاقتصادي.
عند ولادة النظام الرأسمالي في القرون الممتدة من القرن الخامس عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر لم تكن الشركات أو التي أخذت طابع شركات والمصانع بحاجة لأكثر من إقليم محدود يحوي من الثروات الطبيعية والبشرية ما هو كفاية لتصنيع وترويج منتجاتها.
لكن بعد ميكنة وسائل الإنتاج أكثر فأكثر أصبحت هذه الشركات تنتج ما يزيد عن حاجات أمتها التي اخترعتها لأسباب تطور وسائل الإنتاج ولأسباب ظهور آثار الاستغلال الرأسمالي على الشعب وعدم قدرتهم على شراء احتياجاتهم مما حذا بهذه الشركات التي بدأت بحسم الصراع الداخلي فيما بينها واتجهت إلى رأسمالية الدولة، إلا أن تقوم بغزو العالم في محاولة لتوفير الأسواق لمنتجاتها وإشباع آلتها الضخمة من حاجتها للثروات الطبيعية والمعدنية والمواد الخام.
فلم يعد الإقليم الصغير يسد رمق النظام المتوحش لكن بقية مكانة الدولة محفوظة رغم الخطوات الكبيرة لتحرير السوق لاحقاً وربط الاقتصاد العالمي مع بعضه البعض. وذلك لأن النظام الجديد يقتضي تحرر اقتصادي كامل يسهل حركة البضائع والسلع، ولكن لا يقتضي تحرير كامل لحركة البشر. وذلك بوجود حدود مادية ومعنوية بين البشر تضمن خنوعهم للطبقة الإمبريالية، وتحفظ قاعدة قومية صلبة تشكل الحاضنة الضرورية للشركات المتعددة الجنسيات، وتعمل على استمرارية الصراعات الأفقية بين الطبقة المستثمَرة.
لقد وضع البرجوازيون حدوداً تفصل من كانوا يعيشون إلى جانب بعضهم البعض ليصبحوا بعد ذلك ألد الأعداء بحجة أنهم من دول مختلفة لها مصالح مختلفة. ولم يكتفي البرجوازيون أو "الإمبرياليون" بإسقاط الحدود على رقاب البشر بل يقومون بالتلاعب بها من حين إلى آخر في دول العالم الثالث وذلك حسب تقسيمات النفوذ التي تتجدد بعد كل مرحلة تاريخية معينة وبذلك يشكلون قومية ودولة قومية جديدة وهذا أكبر دليل على تلاعب الطبقة الرأسمالية بمصير الأمة الإنسانية وتشكيل أفكارها.
وينبغي ذكر أن هذه العلب القومية المغلقة تمنع بشكل رئيسي من اتحاد الشعب الإنساني في صراعه ضد الطبقة المستثمِرة المتوحشة ويحفظ صراعاً أفقياً بين الأمم والطوائف المختلفة طويل الأمد، وبذلك تمنع الطبقة الحاكمة عالمياً من تبلور صراع عامودي واضح بين المالك والمملوك.

أما العنصر الثالث والأهم فهو السلطة. السلطة هي وسيلة حفظ الأمن والأمان للمواطنين كما يدعون. والحقيقة أنها سلطة حماية لأصحاب الشركات والمصانع والتجار الكبار الذين ينهبون ويسرقون قوة ومقدرات الشعب يومياً أمام مرأى ومسمع الكل بدون حساب. فإذا سرق فقير محتاج الكمية الضئيلة من الأموال من جراء تركه للعراء من الدولة والطبقة المالكة يحاكم ويسجن ويعاقب، أما التاجر الكبير الذي يربح من الشعب أضعاف مضاعفة جراء تجارته ويملك من البضائع ما يشبع الشعب ولكنه يترك الناس الذين لا يملكون يموتون جوعاً لا يحاسب.
والصناعي الكبير الذي يعمل عنده المئات أو الآلاف من العمال في أسوأ الظروف منتهكاً بذلك حرمة الإنسان والجسد بأقل الأجور وأعلى وقت من العمل ناهكاً أجسادهم وسالباً لصحتهم وأعمارهم ومن ثم يقوم بتصدير هذه المنتجات التي ينتجها الفقراء والتي يحتاجونها أشد الحاجة إلى الخارج لأن هؤلاء العمال لا يملكون من المال الكافي لإشباع جشعه النهم لا يعاقب ولا يحاسب!
فجوهر السلطة هو حماية المصانع والشركات والبنوك والمؤسسات البيروقراطية المكرسة لخدمة الطبقة البرجوازية. فالأمن والأمان يوفر عند إحلال العدل والمساواة، ولا يوفر باستخدام القوة والسلطة الفوقية المتوحشة. تستخدم السلطة في ظل هذه الدولة لقمع كل محاولة عمالية إضرابية لتحسين ظروف العمل أو احتجاجات شعبية على الفقر والبطالة وهذا ما ظهر جلياً في أكثر الدور ديمقراطية، في دول اليورو.
أي سلطة عادلة ترى الفقير يموت جوعاً والغني ينظر إليه مبتسماً ولا تحاسبه؟ أي سلطة عادلة تسجن الفقير العاطل عن العمل-بسبب وجود هذا النظام الاقتصادي المتوحش-لأنه سرق لقمة عيشه وأطفاله وتترك الغني النهاب للقوى البشرية والثروات المعدنية؟ أي سلطة عادلة تكتشف قاتل البرجوازيين بسرعة البرق ويستمر تحقيقها للكشف عن قاتل أحد الفقراء سنين؟
أي سلطة عادلة تعاقب أي فقير لارتكابه عملية القتل ولا تعاقب البرجوازيين الذين يرتكبون المجازر بحق البشر وهُم الناس الذين يموتون جوعاً وقهراً ومرضاً لعدم امتلاكهم مقومات الحياة التي يصنعونها بأيديهم؟!
ينهب "الكبار" ويسرقون العالم ويتسببون في قتل عشرات الآلاف بل الملايين-كما حدث في الحربيين العالميتين-من أجل تحقيق مصالحهم الاقتصادية المادية ولا يعاقبون!! تغزو الدول الإمبريالية بعضها البعض وتستغل شعوب دول العالم الثالث وتتسبب في مقتل أكثر من 35 ألف طفل جوعاً ولا يعاقبون!!
تلطخت وما زالت أيدي البرجوازيين على أيدي الدولة البرجوازية ومنظمتها العسكرية بدماء بني البشر دون أي حساب...فعن أي عدالة وعن أي ضرورة للدولة تتحدثون؟!
...يتبع