قمة شرم الشيخ: شارون يفرض موقفه


اسماء اغبارية زحالقة
2005 / 2 / 17 - 12:26     

ما كاد ابو مازن وشارون يصلان القمة، حتى بدأ العد التنازلي باتجاه الهاوية. والسؤال المطروح هو ماذا ستكون سرعة الهبوط؟ ما تُجمع عليه الاطراف المعنية هو الرغبة في التخفيف من وتيرة الانزلاق. فهناك حالة من الارهاق، وحاجة لاستراحة من اربع سنوات دموية تغذت من انعدام الافق السياسي. ولكن يعلم الجميع ايضا انه بعد الاستراحة ستُقرع الاجراس ليعود كل الى صفه. ويبقى السؤال متى ستُقرع الاجراس؟
بعد اقل من 48 ساعة من اعلان وقف اطلاق النار في قمة شرم الشيخ في 8/2، بدأت الاختبارات تنهال من كل حدب وصوب على ابو مازن. فقد خرقت اسرائيل الاتفاق بقتل فلسطينيين في رفح ورام الله، وردّت اللجان الشعبية وحماس بقصف مستوطنة "غوش قطيف" في قطاع غزة بوابل من قذائف الهاون في 10/2. في نفس اليوم اقتحم مسلحون السجن المركزي في غزة وقتلوا ثلاثة معتقلين على خلفية ثأر، الامر الذي اعتبر تحديا للسلطة. فهل كان هذا جرس الانذار الاول؟
يبدو ان ابو مازن كان المصعوق الاول من القذائف التي عرّضت للخطر، كما قال، "كل انجازاتنا في القمة" و"المصالح الوطنية العليا". فقد وجهت له الحكومة الاسرائيلية رسالة حازمة بضرورة التحرك لقمع المقاومة "والا ستقوم بذلك بنفسها". على هذا الاختبار رد ابو مازن دون تردد باقالة عدد من القادة الامنيين، واعطاء الاوامر بمواجهة اي خرق لوقف اطلاق النار.

الازمة مع حماس

ولم يُخفِ الرئيس الفلسطيني غضبه من حماس التي اعلنت عدم التزامها بالتفاهمات معه، وقال "انهم لا يعرفون ماذا يفعلون" (الحياة، 11/2). ثم سارع للالتقاء بقيادات المقاومة في غزة، في محاولة لتوضيح معاني اعلان شرم الشيخ وتطويق التدهور الامني. واسفرت اللقاءات في هذه المرحلة عن اعلان مجدد من حماس عن التزامها بالتهدئة، الا في حالة وقوع عدوان من الجانب الاسرائيلي.
السؤال هل يستطيع ابو مازن تأدية المطلوب منه اسرائيليا، وهو الدخول في مواجهة مع حماس وبقية عناصر المقاومة وفتح بينها، وجمع سلاحها؟
حماس من جانبها اعلنت ان جمع سلاحها امر غير وارد. ولكن مشكلة ابو مازن ان حماس ليست مجرد مليشيات مسلحة، بل تحولت الى قوة سياسية ثقيلة الوزن، كما تبين في الانتخابات البلدية في قطاع غزة. وقد ادخلت نتائج الانتخابات حركة فتح الى حالة من الهلع، لدرجة جعلت مجلسها الثوري يفكر في تأجيل الانتخابات للتشريعي التي اعلنت حماس نيتها المشاركة فيها.
حسن يوسف، القيادي في حماس، استبعد من جانبه التزام الاسرائيليين بالهدنة علما ان شارون لم يوقع على تعهد مكتوب بوقف العمليات العسكرية، الا انه قال في لقاء للجزيرة: "ان الفصائل قررت اعطاء فرصة للجهود الدولية لاحراج الاسرائيليين كي لا تكون قمة شرم الشيخ مجرد غطاء يطلق يد الحكومة الاسرائيلية لتنفيذ مخططاتها". (الجزيرة نت، 9/2)
والواقع حماس تعوّل على ان الامور ستنهار من تلقاء نفسها، وهي ليست بحاجة لان تبدو الطرف الذي أفشل العملية. لكن من جهة ثانية، يبقى من غير المعلوم كم ستتمالك حماس نفسها، علما ان شعبيتها تعتمد بالدرجة الاولى على العمليات ضد اسرائيل، وهي تدرك ان جوهر برنامج ابو مازن هو دفن برنامجها هي (انظر الصبّار، كانون ثان 2005).
ومع ان ابو مازن يحاول الاستفادة من خوف الجميع من فشله الذي ستكون نتيجته، كما قال بنفسه لصحيفة "الحياة" غداة انتخابه، هو "سقوط الجميع في هوة سحيقة"، الا ان التقدير انه يفتقد القدرة لقمع منظمات المقاومة، خاصة اذا كان كل المقابل الذي سيحصل عليه من اسرائيل هو بضعة مئات من الاسرى وازالة الحواجز واستعادة المدن. ابو مازن انتُخب لاختباره، فقد فوّضته اغلبية المصوتين من الشعب الفلسطيني للاتيان بانجازات. وكلما تأخرت البضاعة المطلوبة، وهي دحر الاحتلال، كلما اقتربت ساعة الصفر للعودة لحمام الدماء مجددا.

قمة بلا افق

في قمة شرم الشيخ لم يقترح شارون اية خطة سياسية للحل. بل جنّد القمة والرئيس الفلسطيني لتنفيذ خطته الانفصال الاحادي الجانب عن غزة، التي جاءت اصلا على اساس مفهوم عدم وجود شريك فلسطيني. المعلّق السياسي الوف بن كتب في "هآرتس" (8/2): "ان الوعد بدولة فلسطينية سيتحول الى رهينة، ضمانات، مشروطة بانسحاب هادئ ومنسق...".
في هذا الشأن انحاز البيت الابيض بشكل تام لصالح اسرائيل، عندما استجاب لطلب شارون عدم اشراك وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليسا رايس في القمة. فقد خشي رئيس الوزراء الاسرائيلي من ان يؤدي تدخل الامريكان الى ادخال الرباعية (المكونة من الاتحاد الاوروبي، امريكا، روسيا، الامم المتحدة)، الامر الذي كان سيفرض القضايا السياسية وفي مقدمها خريطة الطريق. كل ما اراده شارون هو تنسيق مخططاته مع الفلسطينيين.
هذا ما اكده ايضا ياسر عبد ربه، المقرب من ابو مازن، اذ قال في ندوة بقناة الجزيرة (11/2) ان شارون غير مستعد للدخول في مفاوضات الحل النهائي، وكل ما يريده هو تحديد احادي الجانب للمواقع التي يريد الانسحاب منها، ثم التنسيق مع الفلسطينيين بشأن التنفيذ.
تيسير خالد، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، اكد للصبّار (9/2): "ان المستفيد الابرز من القمة هو شارون. شارون يريد اغلاق الاوضاع على ملف امني وليس اجراء بحث جاد في المسار السياسي، وهذه لعبة شارون. اخذ ما يريد من الدول العربية المضيفة، مثل اعادة السفيرين، وقدم نفسه كزعيم يسعى لفتح علاقات مع الدول العربية بعد ان كان لا يعير الامر اهتماما".

اسرائيل والمخابرات

ان اقصى ما تتمناه اسرائيل هو احتواء الفلسطينيين من خلال السماح لآلاف العمال بالدخول للعمل فيها، وتمكين سلطة فلسطينية "معتدلة" من السيطرة الامنية على المدن لضمان الهدوء للاسرائيليين، مع ادامة السيطرة الاسرائيلية على الاراضي من خلال ضم المستوطنات. اما القضايا الكبرى مثل الدولة المستقلة والقابلة للحياة، القدس واللاجئين فتطرح للنقاش الابدي على طاولة المفاوضات.
المشكلة ان اسرائيل لا تستطيع الفكاك من النظرة الامنية للمناطق الفلسطينية. وتبقى المخابرات الاسرائيلية (شاباك) العامل المقرر في الشأن الفلسطيني، من هنا فاذا اردت معرفة مستقبل قمة شرم الشيخ، فانظر الى موقف المخابرات.
المعلق اليكس فيشمان كتب في "يديعوت احرونوت" (10/2): "ان توجه المخابرات في قضية الاسرى هو الذي انتصر، وهو يقول: لا تستعجلوا. عمليا لم يحدث شيء. حماس لم توافق على وقف اطلاق النار، بل هي تتحدث عن تهدئة. حاليا، تعيد حماس تنظيمها صفوفها وتدخر القوة للعودة لحلقة عنف اضافية. ابو مازن اتى للقمة مع شيك حول وقف المواجهة المسلحة، ولكنه شيك مؤجل لاجل بعيد، ومن غير الاكيد ان يكون له رصيد".
المخابرات تقود خط الحسم العسكري لتفكيك حماس والمقاومة، وتصر على ان تحقيق ذلك بات وشيكا بعد اربع سنوات من عمليات التقتيل والتهديم والتجويع في المناطق الفلسطينية. المخابرات لا تريد القمة لانها تحول دون اتمام حلم الانتصار الكبير، الذي بدون شك سيزيد اسهمها ويجعلها المسيطرة الوحيدة في الساحة الاسرائيلية والمناطق الفلسطينية.
غير ان المؤسسة السياسية والعسكرية في اسرائيل، تخشى موقف المخابرات هذا الذي يعني ان البديل هو اعادة الاحتلال المباشر لكل المناطق الفلسطينية، وتحمل المسؤولية المدنية ايضا عن حياة 3.5 مليون فلسطيني. وهو الكابوس الذي لا تريده اسرائيل. في هذا السياق جاء تعليق المحلل العسكري في القناة العاشرة الاسرائيلية، الون بن دافيد، الذي قال ان اسرائيل يجب ان تحتمل سفك دماء مواطنيها، لتساعد ابو مازن على القيام بدوره.
سكوت شارون على قذائف الهاون التي اطلقت غداة القمة في قطاع غزة، واعطاؤه ابو مازن عدة اسابيع لضبط الامور، يثيران حنق المخابرات التي تلمح الى ان شارون يتحرك حسب اعتبارات سياسية تخص مستقبله السياسي، وليس حسب اعتبارات امنية موضوعية.
ويكشف هذا عن ان قمة شرم الشيخ كانت حاجة شخصية لشارون لانقاذ مشروعه السياسي (الانفصال)، الذي إن سقط لاضطر لاعلان الانتخابات المبكرة. فالمشروع مهدد من اليمين وعناصر قوية في الليكود، ووجود طرف فلسطيني مستعد للتنسيق في تنفيذه كان سيسهل على شارون تمريره والاحتفاظ بحكومته. هذا ما يؤكده المحلل السياسي الوف بن الذي كتب في هآرتس (8/2): "ان البث من شرم الشيخ جاء لتقوية مكانة شارون وإضعاف معارضي خطة الانفصال".
بقاء شارون السياسي اذن متعلق بالهدنة التي سيمنحه اياها ابو مازن، كما ان تثبيت مكانة ابو مازن متعلق بالتسهيلات التي سيحصل عليها من شارون. وتأتي قمة شرم الشيخ كمحاولة من الطرفين لانقاذ بعضهما البعض. ولكن معادلة شارون "الهدوء مقابل الهدوء" لا يمكن ان تصمد زمنا طويلا.
عشية القمة كتب المحلل السياسي تسفي بارئيل في هآرتس (6/2) مقالا بعنوان "مرة اخرى، غزة اريحا اولا": "لقد اجتاز النزاع منذ زمن مرحلة الامتحانات، التي تقوم فيها اسرائيل بالتلويح ببوادر حسن نية مقابل ان يتوقف الفلسطينيون عن اطلاق النار... الفلسطينيون ليسوا بحاجة لخطة مرحلية جديدة بل لاعلان سياسي محدد من جانب شارون يصرح فيه ان اسرائيل غير مستعدة لمواصلة احتلال الفلسطينيين، وانها تقر باقامة دولتين لشعبين. دون اشتراطات. دون هذا الاعلان لن يكون اي معنى لا استراتيجي، تاريخي، ايديولوجي او غيره لاستعداد شارون الانسحاب من غزة، ولا للاعلام التي سترفرف في شرم الشيخ".

مجلة الصبّار شباط 2005