تأملات / آخر التأملات


رضا الظاهر
2012 / 1 / 9 - 19:23     


تأملات

آخر التأملات

ظل مسعاي من وراء كتابة تأملاتي، التي شرعت بنشرها بعيد سقوط نظام الطغيان، وواصلتها كل يوم ثلاثاء في صحيفة "طريق الشعب" على مدى اقترب من سنوات تسع، تقديم وجهات نظر في الراهن، وتحليل تطور الواقع وتجليات التحول الاجتماعي.
فهذه التأملات جزء من تاريخ سياسي، سعيت فيها الى إضاءة الوقائع والتطورات العاصفة في سنوات ما بعد زوال نظام مهندس المقابر الجماعية، وحللت الأحداث في واقع يتسم بالتعقيد والالتباس، واقع التركة الثقيلة للدكتاتورية الفاشية، والاحتلال المقيت، والصراع على الامتيازات، وسط الخراب العميم الذي تكرسه الثقافة السائدة.
وقد أبهجتني ردود الأفعال على هذه التأملات، التي استندت فيها الى إرث الصحافة الشيوعية في العراق، فأنا تلميذ هذه الصحافة التي تعلمت في مدرستها النموذجية في سبعينات القرن الماضي، وتشربت المعارف والخبر من أساتذتها الذين علموني، وعلموا أجيالاً من الكتاب والقراء، القيم الانسانية السامية والابداع وتقديم الأمثل والأكثر جدارة في إضاءة معاناة الناس وتطلعاتهم.
وفي التأملات سعيت الى التمسك بالطابع الانتقادي، على الرغم مما تثيره نزعة الانتقاد من حساسيات سياسية، ومن هنا التباين في النظر الى (التأملات) وتأويلها. غير أن نبرتها الغاضبة تعكس جوهرها، وهو النقد، ومسعاها، وهو المساهمة في التغيير. وأعني بذلك مقاومة تأبيد الثقافة السائدة التي تتشبث بالقديم ويستظل بها من يستقتلون في الدفاع عن امتيازاتهم. وهي، بالتالي، إسهام في الصراع الاجتماعي المحتدم بشأن وجهة تطور البلاد، والبديل السياسي ـ الثقافي الذي يؤسس لدولة العدالة والقانون وحقوق الانسان وخيره.
وإذ جمعت أعمدتي الصحفية الأسبوعية في كتب صدرت منها خمسة وينتظر السادس النور، فانني أدرك أن جمع أعمدة صحفية في كتاب مسألة مثيرة للجدل في حد ذاتها، ذلك أنها تقدم إضاءات في ما هو غير ساكن، أي أنها إضاءات لابد من إعادة النظر فيها كلما تحركت الأحداث، وهي دائمة الحركة بالطبع. وفي هذا السياق كنت دائما أتوقع من قاريء التأملات أن يأخذ بالحسبان حقيقة أن كل مقالة مرتبطة بتاريخ معين قد لا يبدو ملائماً لقراءتها من زاوية الحاضر، ذلك أن أحداثاً ربما تكون قد مرت، وظروفاً تبدلت. لكن هذه المقالات تمارس، على أية حال، دور محفز لعودة الذاكرة الى تلك الفترة وصفحاتها، وكيف طويت هذه الصفحات. وهذا يجسد أهمية المقالات التي تجمع في كتاب، وهو أسلوب شائع ومعروف لدى كتاب الأعمدة.
وللكاتب الصحفي، حسب اعتقادي وتجربتي، قضية يعبر عنها في مسار يمكن أن يتخذ أشكالاً عديدة. ولست ممن يرون أن من مصلحة الكاتب أن يبقى على مسار واحد أو شكل واحد في التعبير عن موقفه. فقد يتوقف ليبدأ في موقع آخر.
لقد قطعت تأملاتي شوطاً طويلاً في مسار كان مليئاً بشعاب وصخور وأنواء مضطربة وتحديات. ولدي اليوم قناعة في أن التأملات قالت ما ينبغي أن تقوله، وقد آن الأوان الذي أحتاج فيه الى تأمل ما يجري من زاوية أخرى وموقع آخر.
وإذا كنت قد اخترت، في هذا السياق، إيقاف كتابة التأملات، فانني أعتذر لقرائي في المقام الأول، وللحيز الذي هو "طريق الشعب" في المقام الثاني. ولا ريب عندي في أن هذا التوقف سيثير مشاعر حزن لدى رفاقي وأصدقائي وعموم قرائي. غير أن ما يخفف علي هذا الشعور هو أنني سأبقى، على الدوام، قريباً من الرفاق والأصدقاء ومن الصحيفة.
* * *
سرني أن التأملات، التي أدت دوراً متواضعاً في الترويج للفكر النقدي والاحتجاج والأمل والتنوير، هي، في خاتمة المطاف، ليست نصوصاً نهائية، بل اجتهاد ذو صلة حميمة بنبض الشارع وأشواق الناس. وهي محاولة لتوسيع وتأصيل الجدل، لا تدعي أنها قدمت كل شيء، أو امتلكت حقائق مطلقة صائبة دائماً، إنما ظلت، على الدوام، تحاول الاقتراب من الحقائق واستيعاب الواقع انتقادياً.
والحق أن الجدل، الذي قد يكون حاداً أحياناً، بين وجهات النظر المتباينة، بل والمتعارضة، لا يمكن أن يتوقف، فالحياة سمة الجدل العميق المنفتح. ومن الطبيعي القول إن تطور المعرفة، سياسية كانت أم جمالية، يظهر نفسه بطريقة أكثر تعقيداًُ مما قد يبدو لأولئك الجزعين أو قصيري النظر أو الشغوفين باطلاق الأحكام السريعة والاستنتاجات القاطعة.
هذه التأملات، التي ظلت تضيء بعض أسئلة الواقع وصور تراجيديا الآلام والآمال العراقية، أردتها أن تكون سجالاً يسهم في نقلنا من مملكة الوهم الى مملكة الواقع، ويمضي من التفسير الى التغيير، وتجسيداً لآصرة السخط والأمل .. السخط على ثقافة سائدة، هي ثقافة التخلف والخنوع، والأمل بثقافة جديدة هي ثقافة المقاومة والتنوير.
أعلم أن في كل وداع حزناً، وفيه، إن كان في انتظار لقاء، أمل. وهذا هو وداعي: حزن على أمل اللقاء ومواصلة للمسير الى ضفاف المثال.
لصحيفتي "طريق الشعب، التي علمتني، من بين دروس مضيئة أخرى، حقيقة أن التواضع سبيل الى المعرفة المتطلعة الى التجاوز والمرتبطة بقيم وغايات ساميات .. لها، ولقرائي الأعزة من رفاق وأصدقاء، عميق محبتي وآخر زهوري ..