تأملات / طور جديد في احتجاج مضيء !


رضا الظاهر
2011 / 9 / 5 - 15:49     


تكمن أهمية مظاهرة يوم الجمعة المقبل، التاسع من أيلول، في أنها تأتي بعد تجلي عجز الحكام المتنفذين عن الايفاء بالوعود التي قطعوها للشعب بعد تظاهرات 25 شباط، وانتظار مهلة المائة يوم دون تحقيق شيء سوى المزيد من الوعود بترشيق الحكومة المترهلة والدخول في دوامة جديدة من المساومات والصفقات التي تكرس نهج المحاصصة الطائفية بأشكال ومسميات قديمة جديدة من قبيل "الشراكة الوطنية" و"التوازن الاجتماعي".
وقد بات أكثر جلاء اليوم أن السبب الرئيسي للاحتجاجات يتمثل في استمرار الأزمة الاجتماعية في البلاد، وتفاقم معاناة الملايين من الأوضاع الاستثنائية منذ سقوط الدكتاتورية الفاشية بوسيلة الحرب وحتى الآن، حيث تتعاظم المآسي وتستعصي المعضلات.
وفي غضون ذلك أثار موقف المتنفذين من الاحتجاج السلمي، المرتبط أساساً بخشيتهم مما يهدد امتيازاتهم، تساؤلات جدية حول امكانية استجابتهم لمطالب المحتجين الذين سئموا من الوعود الزائفة المكرورة ومساعي شراء سكوتهم.
واذا كانت الحركة الاحتجاجية قد شهدت انحساراً خلال الأشهر الماضية فان ذلك كان، بالأساس، نتيجة سياسات الترهيب والترغيب التي اتبعها الحكام واللجوء الى أساليب قمعية لاحتواء حركة الشباب التي لعبت دوراً مميزاً في الاحتجاجات الشعبية والمطلبية في بغداد وسائر المحافظات.
وعلى الرغم من كل المصاعب التي واجهت الحركة الاحتجاجية فانها تمكنت من إرغام الحكام على تقديم تنازلات، وإن كانت مؤقتة، لامتصاص مشاعر السخط الشعبي المتعاظم. ومن هنا، بالطبع، كانت مناورة الأيام المائة والوعود اللفظية وما رافقها من خطوات ترقيعية لم تعالج جذر الأزمة، إذ سرعان ما تكشفت للناس مهازل جديدة من سجل الفساد وآخرها عقود الكهرباء المزيفة والوهمية.
وساهمت هذه الحركة، أيضاً، في تعميق الصراعات داخل الكتل المتنفذة في المركز والمحافظات، فأرغمت الحكام على استبدال محافظين ورؤساء مجالس محافظات، كما أدت الى الى انشقاقات وإعادة اصطفافات داخل هذه الكتل، كاشفة، بذلك، عن هشاشة النظام السياسي القائم من ناحية، وقدرة الحركة الاحتجاجية من ناحية ثانية، على الرغم من بداياتها المتواضعة وعفويتها، على انتزاع مكاسب هامة وفضح سياسات خاطئة، وإحداث تغيير في المشهد السياسي.
ومن جانب آخر بددت هذه الحركة، والتحدي الذي خاضته، الوهم بامكانية تحقيق إصلاح للعملية السياسية من دون إجبار الحكام على التخلي عن نهج المحاصصات الطائفية الذي يمثل جذر أزمة الحكم، وعدم الاكتفاء بمعالجة تجليات الأزمة والتعامل مع نتائجها.
وهذا، في الواقع، هو التحدي الراهن الذي يواجه الطور الجديد من الحركة الاحتجاجية الذي تدشنه تظاهرة التاسع من أيلول. فقوى التغيير الديمقراطي تسعى الى الاستفادة من حصيلة التجربة والارتقاء بمستوى الوعي السياسي والاجتماعي، وتطوير مطالب الحركة الاحتجاجية وتوسيع أشكالها وإضفاء طابع وطني عليها، بعيداً عن مساعي "التسييس"، ومحاولات متنفذين الالتفاف عليها وتوظيفها لتحقيق مآربهم السياسية عبر ممالئة الاحتجاجات الشعبية والتظاهر بتأييد مطالبها المشروعة.
لقد أظهرت الاحتجاجات السابقة أهمية أجتذاب فئات اجتماعية أوسع للمشاركة في هذه الحركة ودفعها بزخم متصاعد عبر تنويع أشكال الاحتجاجات وتوسيع رقعتها لتتحول الى حركة تتجلى فيها الهوية الوطنية الحقة، متجاوزة الانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية. فمن شأن هذا أن يقطع الطريق على محاولات تفتيتها وإجهاضها عبر افتعال صراعات جانبية، واللجوء الى أعمال استفزازية، وإشاعة أجواء هلع على غرار ما جرى يوم السابع عشر من حزيران الماضي عندما جرى استخدام "البلطجية" لمهاجمة المتظاهرين المسالمين، واعتقال مجموعة من الشباب الناشطين في وقت لاحق وتلفيق تهم ضدهم، واقتحام مقرات منظمات مجتمع مدني، وسوى ذلك من أعمال القمع السافر.
وتشكل النجاحات التي حققتها انتفاضات "الربيع العربي"، وأحداث الأيام الأخيرة وخصوصاً في ليبيا، مثالاً ملهماً لحركات الاحتجاج الشعبية الطامحة الى التغيير. وهي تؤكد مجدداً خطل ادعاء الحكام في المنطقة، أياً كانوا وعلى الرغم من اختلاف ظروف وخصائص الوضع من بلد الى آخر، أنهم بمنأى عن رياح التغيير وأن ما يجري ليس سوى مؤامرة خارجية. وهذا، في الوقع، درس ينبغي لحكام بلادنا، ايضاً، أن يستوعبوه جيداً لا أن يناموا على أرائك الأوهام الوثيرة. ويتعين عليهم التخلص من العمى السياسي والآيديولوجي الذي يدفع البعض، وفي سياق "التسييس" والخوف على المغانم، الى إطلاق تصريحات عن "الربيع العربي" تنم عن عقل ضيق أو ملتبس أو مزدوج.
إنهم يدعون أن نموذج الحريات الموجود في العراق هو النموذج "الأرقى" في المنطقة، في حين أن الدلائل تتزايد على "حقيقة" هذا "الرقي"، فيما يتصاعد السخط الشعبي يوماً بعد آخر مهدداً بانفجار عظيم.
* * *
الحركة الاحتجاجية هي المعوّل عليها لكسر الحلقة المفرغة التي تعيشها البلاد وإنهاء معاناة الناس المريرة وفرض البديل الوطني الديمقراطي القادر، وحده، على إخراج البلاد من أزمتها ووضعها على طريق التقدم الحقيقي وبناء الدولة المدنية الديمقراطية.
سيجد ربيع الاحتجاج ينابيعه ..
ونساء ورجال البلاد سيجدون تلك الدروب التي تفضي، في مسير أمل وتحدٍ، الى الحرية ..
بكم، أيها الشباب، يليق المجد .. وأنتم من سيغري الضفاف بأشواق انتظار راياتكم المضيئة ..