الإشتراكية باعتبارها مرحلة إنحطاط تاريخي – وليس ترقي نظري


أمير خليل علي
2011 / 8 / 3 - 21:31     

كشفنا في المقالات السابقة ثنائية تناقضية ثنوية مانوية أساسية في الماركسية، وهي تلك المتمثلة في: التناقض بين مهمة الفهم وبين مهمة التغيير.

وربما حان الآن، وقت استنتاج بعض النتائج المستحقة من هذا الكشف – وذلك حتى لا نظل حبيسي مهمة الفهم التأملي.


نتائج تناقض الفهم والتغيير:

فبعد أن أثبتنا في المقالات السابقة – رغم مماطلات ومماحكات بعض الماركسيين – وجود تناقض واضح بين مهمة الفهم ومهمة التغيير، في الماركسية، بما يؤدى إلى تقلص مهمة الفهم، لصالح تضخيم مهمة التغيير.

ليس من الصعب أن ننتقل من هذا الكشف نحو نتائجه.

فقد نشأت في الماركسية دائرة سلبية مفرغة - غير جدلية – بين تضخيم التغيير وتقليص الفهم، بشكل دوراني مستمر.

وتستمر هذه الدائرة اللاجدلية من خلال الدفع دوما بإتجاه تضخيم مهمة التغيير، مع تقليص مهمة الفهم.

بما يؤدي إلى إفتراس مهمة التغيير لمهمة الفهم على الدوام، بحيث تتحول المنظومة الماركسية بكاملها إلى محض ممارسة دائرة ميكانيكية سياسوية ديماغوغية مغلقة تهدف للتغيير بأي ثمن، على حساب الفهم. وبهذا تخرج الماركسية نفسها عن مسارها الجدلي الحلزوني المفترض الذي حلم به ماركس، بل وتدخل في إطار مخالف تماما، يقوم على الدوران الميكانيكي الآلي المنتج للديماغوغية المتعمدة التغيير الفوري باعتباره غاية عليا لا تقبل التأجيل، وذلك على حساب مهمة الفهم، التي يتم تخفيض شأنها على أنها محض زذيلة تأجيل وتأمل برجوازية.

هذا التحول من الدورة الجدلية (المفترضة في الباراكسيس الماركسي بإعتباره المأمول في جدل الممارسة النظرية للماركسية كما هو مفترض في مثالها الطوباوي الحلمي) تم نحو نسخة رثة من الماركسية قامت على نموذج دوران ميكانيكي واقعي (للتطبيق الماركسي كما تم بالفعل في التاريخ وفي الواقع وفي أذهان الماركسيين الملموسين) تقوم فيه مهمة التغيير السياسي الإرادوي بإفتراس مهمة الفهم الجدلي المأمول، بعد أن أنفصمت روابط الباراكسيس المفتوح بين الممارسة والنظرية، لتسقط بشكل فظيع في تجفيف وتجميد النظرية عند أصولها المقدسة الأولى، والتي لحقتها سمات الفجاجة وعدم النضج من خلال ربطها بالتجربة السوفيتية الإستبدادية المسيسة والتي تبلورت في قمتها عند محض نظرية تسلط ستالينية، مع غياب كامل لأي نظرية في المجتمع المدني أو في الحرية أو الديمقراطية.

فكانت النتيجة هي قمع السياسي (التغييري) للفلسفي (الفهمي) بالدرجة التي أدت إلى ترسيخ نمط من الماركسية الرثة التي جاءت أقرب إلى المادية الميكانيكية اللاجدلية، رغم تظاهرها بالقدرة على التمييز بين الميكانيكية والجدلية، وهو التظاهر الذي ظل محض تبجح لفظي لا أثر له في الممارسة الماركسية الرثة، سوى في المزايدة على تيارات مادية ومثالية تعود للقرن التاسع عشر، بما عزلها عن تطورات العصر الراهن وجعلها أقرب إلى مسخ نظري عتيق لا ينتمي بالمرة إلى ما تم من تطورات في عصرنا الراهن، سواء على مستوى الفكر الفلسفي أو حتى على مستوى الفعل السياسي.

وهنا نحصل على أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الماركسية المعاصرة تنزع لأن تصبح منظومة عقائدية دوغمائية منغلقة وغير قابلة للتجديد الفكري – داخل أذهان حامليها.

وبهذا نكون أنتهينا تقريبا من كشف التناقض الأول في الماركسية، واستخرجنا بعض النتائج المترتبة عليه.

وفيما يلي سنوالي كشف تناقضات الماركسية.

والتناقض التالي - الذي سنحاول إكتشافه - سيكون بين المثال (الإشتراكي) الذي تتوخاه الماركسية، وبين الواقع الفعلي الذي أنشئته الماركسية والذي تمظهر في الواقع بالفعل في الدولة السوفيتية الإشتراكية.


تناقض المثال مع الواقع:

نبدأ من تعليق أطلقه الماركسي المخضرم، أ. فؤاد النمري، حيث قال:

"الماركسية منهج يستخدم في الاستدلال على "المستقبل" .. وهذا يعني أن الماركسية نافية لكل ايديولوجيا .. فالمؤدلجون يعرفون ما قبل الحياة وما بعد الحياة .. أما ماركس فقد رفض أن يقول كلمة واحدة عن الحياة الشيوعية مؤكداً أنه لا يعرفها. استدل عليها منهجياً لكنه لا يعرفها هذا هو الفرق بين الماركسي والايديولوجي."

وفي تعليق آخر يقول النمري:
"انهيار المعسكر الاشتراكي هو تأكيد لمصداقية الماركسية التي تؤكد أن الصراع الطبقي يزداد استعاراً كلما تقدمت الثورة الاشتراكية."

والنمري في هذا يتفق مع تيار مهم آخر يظن أنه (النمري) يعارضه - وهو التيار التروتسكي – والذي قرر منذ زمن طويل أن روسيا والدول الإشتراكية لم تكن إشتراكية.

فمثلا منذ مارس 2006، أصدر مركز الدراسات الاشتراكية، كتيبا عنوانه دال جدا هو:

لماذا الدول الاشتراكية لم تكن اشتراكية؟، وكان أول فصل فيه عنوانه دال أيضا، وهو: "الخطأ الروسي"، والذي ينتهي كما يلي:

" ستالين كان نقيض ماركس ولينين، وان ما أنجزه كان في الواقع تدمير الاشتراكية، وليس تحقيق أحلام هؤلاء الذين صنعوا ثورة 1917."

رابط تحميل الكتيب: http://www.e-socialists.net/node/1635

ومن قبل هؤلاء جميعا كتب "توني كليف" – التروتسكي أيضا - عام 1947، كتابا طرح فيه كل هذا الأفكار، عنوانه، "رأسمالية الدولة في روسيا".

انظر عرض كتاب توني كليف على الرابط: http://www.e-socialists.net/node/3972
الكتاب على الرابط: http://ayman1970.files.wordpress.com/2010/12/d8b1d8a3d8b3d985d8a7d984d98ad8a9-d8a7d984d8afd988d984d8a9-d981d98a-d8b1d988d8b3d98ad8a7-word.doc
رابط عن توني كليف: http://www.e-socialists.net/node/4310

وفي هذا الكتاب: توصل كليف إلي نظرية "رأسمالية الدولة" لتحليل الطابع الطبقي للإتحاد السوفييتي ودول أوربا الشرقية.

حيث وصف "كليف" الخطة الستالينية بأنها مجرد "استنساخ لوسائل التراكم البدائي الغربية." وأن دخل البيروقراطية الروسية في عهد ستالين "كان يأتي أساساً من فائض القيمة".

جميع هذه النظريات تؤكد استمرار الصراع الطبقي في الدولة الإشتراكية بشكل أفظع مما كان في الدولة الرأسمالية، بل وتؤكد أن هذا الصراع الطبقي يسحق المجتمع المدني تماما، بحيث يعيده إلى أشكال بدائية منحطة من علاقات الإنتاج، وبذلك يصبح من المستحيل التحول من الإشتراكية إلى الشيوعية.

ما تؤكده أغلب هذه النظريات (التي أنتجها ماركسيون) هو: أن استغلال العمال (بل والمجتمع الروسي كله) قد استمر في روسيا، خلال كافة مراحل الثورة الروسية، منذ اللينينية وحتى الستالينية ومابعدها.

والفرق الوحيد بين الاستغلال السوفيتي وبين الاستغلال الرأسمالي هو أنه بدلا من أن يذهب "فائض القيمة" المستغل (المسروق) إلى جيوب الرأسماليين والبيروقراطية في الدولة الرأسمالية، فإنه تم تحويل مساره بحيث يذهب إلى جيوب البيروقراطيين والبيرقراطية في الدولة السوفيتيية. ولا أفهم كيف يمكن لأي عاقل أن يعتبر هذا نوع من "الإرتقاء" من الدولة الرأسمالية إلى الدولة الإشتراكية السوفيتية.

ما أراه هو أن هذه الدورة الاستغلالية السوفيتية الجديدة قد أدت إلى "تغول" الدولة الروسية – وبالتالي - بيروقراطييها بشكل فظيع، على حساب "المجتمع المدني الروسي الذي تم سحقه تماما" – وهذا ما يتفق معي فيه أغلب الباحثين حتى من الماركسيين.

وبذلك يكون "واقع" الدولة الإشتراكية الروسية قد نقض ودحض تماما جوهر "الحلم" الماركسي الذي يقوم على إزالة الدولة بهدف إنتعاش المجتمع المدني.

ذلك الحلم الماركسي الذي حددته كلمات "موريس كورنفورث" كما يلي:
"تعني الإشتراكية إرساء علاقات إنتاج جديدة .. وبمثل هذا التنظيم (الإشتراكي) ينتهي تماما كل إستغلال إنسان لإنسان"

(المصدر: مدخل إلى المادية الجدلية، المجلد الثاني: المادية التاريخية، تعريب، محمد مستجير مصطفى، دار الفارابي، بيروت، عام 1975، ص 133 - 134)

ويقول لينين: "في كل ثورة إشتراكية تبرز في المقدمة مهمة خلق نظام إجتماعي أرقى من الرأسمالية." (ذكره كورنفورث في كتابه المذكور أعلاه ص 134).

ويقول كورنفورث: "في ظل الإنتاج الإشتراكي يتصرف المنتجون في كل الناتج الإجتماعي." (ص 134)

لكن بالطبع لم يكن المنتجون في الدولة السوفيتية هم من "يتصرفون" في الناتج الإجتماعي، بل فعل ذلك نيابة عنهم زعماء الحزب وبيروقراطيو الدولة التي هي مجرد حزب. فكان مجمل الناتج الإجتماعي الذي ينتجه المنتجون يتم السطو والإستيلاء عليه حتى آخره بواسطة زعماء الحزب، بحيث لا يصير للمنتجين أساسا أي قدرة على تصريف أي جزء ولو بسيط مما أنتجوه.

فهل في هذا "ترقي" عن الدولة الرأسمالية؟ أم أنه ببساطة إنحطاط عن الرأسمالية؟ بل هو إنحطاط حتى عن مراحل الإقطاعية والعبودية التي سبقت الرأسمالية؟؟

أظن الإجابة واضحة، ولا يماطل فيها إلا مؤدلج عاجز عن الفهم.

فرغم كل دعاية غسيل الدماغ الترويجية التي يمارسها الستالينيين واللينيين، فمن الواضح كوضوح الشمس أن الدولة السوفيتية (أي الدولة الإشتراكية كما تحققت في التاريخ المعاصر) قد مثلت إنحطاط لا شك فيه عن الدولة الرأسمالية.

ومن سخرية القدر أنه في الوقت الذي كانت فيه الدولة الإشتراكية تتحول من الإستبداد العبودي الستاليني إلى الاستبداد المافيوي الخروتشوفي، كانت الدولة الرأسمالية، في ذات الوقت تتحول نحو دولة الرفاهية.

وهكذا كانت دولة السوفييت تتطور نحو نموذج دولة الإرهاب والاستبداد المافيوي، بالإضافة إلى استمرار استغلال العمال وسرقة فائض القيمة من المنتجين، بدعوى أنه فائض إجتماعي بما يحق للمتحدثين باسم المجتمع الإستيلاء عليه، بينما في نفس الوقت كانت دولة الرأسمالية تتطور نحو رفاهية المواطنين.

هذا هو ما حدث في الواقع وفي التاريخ، كما حدث. ودون أي رتوش أو تجميل.

ومن هنا يمكننا أن نستنتج ما يلي:

أن النقلة (الإراداوية) من المرحلة الرأسمالية إلى المرحلة الإشتراكية هي، كما حدث، في الواقع وبالفعل (في نموذج الدولة السوفيتية)، تعد بمثابة نقلة "إنحطاطية" لكل من المجتمع المدني والدولة معا.

فلم يحدث أن قامت دولة، على مر التاريخ السابق، بإفتراس مجتمعها المدني مثلما فعلت الدولة السوفيتية (في الواقع والتاريخ وبالفعل). وهذه مسألة لا تحتاج إلى تدليل، حتى داخل روسيا نفسها التي اعترف فيها رئيسها الأسبق خروتشوف ومن بعده، بالأخطاء والجرائم التي أرتكبها سلفه الرئيس ستالين في حق الشعوب السوفيتية.

وبذلك يصبح من المستحيل (واقعيا وتاريخيا) أن يؤدي مثل هذا الإنحطاط (الحادث بالإنتقال من الرأسمالية إلى المرحلة الإشتراكية) إلى "إرتقاء" نحو مرحلة أرقى من الرأسمالية المعاصرة – كما يزعم لينين أو غيره من الإشتراكيين.

فواقعيا وتاريخيا، لم تعد هناك بالمرة، أي عناصر أو مكونات في المجتمع (كما حدث في التاريخ الفعلي في روسيا) يمكن توقع إرتقائها بأي شكل – اللهم عدا الجيش والمخابرات وقطاعات تصنيع القنابل النووية، وهي تصب جميعا في صالح "تغول" الدولة (السوفيتية) مقابل تقلص قوة شعوبها.

ومن ينكر هذه النتيجة (وهم أغلب الإشتراكيين والشيوعيين)، فهو بالتأكيد مجرد شخص مؤدلج يعيش على الإيمان الأعمى، حتى لو تعارض ذلك الإيمان مع الواقع ومع التاريخ. وبذلك فهو يخرج بالتأكيد أيضا على المنهج الماركسي نفسه الواعي بالواقع وبالتاريخ – كما هو مفترض.

هامش في منهج المقارنة:

طبعا يمكن أن يثار إعتراض على المقارنة التي أعقدها بين ظروف وتطورات الدولة الروسية وبين ظروف وتطورات الدولة الرأسمالية في بدايات القرن العشرين، ولا أريد التغطية على هذا الإعتراض، بل أتوقعه. وأظن الرد هو أن الثورة الروسية على الإستبداد كانت ثورة ديمقراطية في بداياتها.

إلا أن المشكلة تكمن في إصرار فلاديمير لينين على تصعيد الثورة والمضي بها قدما لتحويلها من ثورة ديمقراطية إلى ثورة إشتراكية وفق السيناريو الماركسي.

فالمشكلة تكمن هنا في إخطتاف لينين للثورة الروسية التي كانت ستتم به أو بدونه، ثم قيامه بتحويل مسارها نحو مسار جديد، عندما تمكن من إنتهاز نضج الظروف لإستكمال الثورة وفرض أجندته الماركسية ا لمتطرفة على مسارها.

لذا فمن المستحيل افتراض ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم يصر لينين على فرض الأجندة الماركسية الإشتراكية على مسار الثورة الروسية الديمقراطية. ويتبقى لنا فقط أن نحكم على ما حدث في التاريخ، دون أن نقدر على الحكم على ما لم يتم في التاريخ.

فمقارنة ممارسات وتاريخ الدولة السوفيتية بممارسات وتاريخ كافة الدول التي وجدت في نفس فترة التاريخ المدروسة (1917 حتى 1991)، يظهر أن الدولة السوفيتية كانت الأبشع (حتى مقارنة بالدول النازية وبدول العالم الثالث الأفريقية وغيرها) خلال نفس الفترة التاريخية (محل الدرس) التي نقوم فيها بالمقارنة بين الدول.

أمير الغندور