مهمة ماركس: التغيير لا الفهم - تفكيك الماركسية ج 3


أمير خليل علي
2011 / 7 / 24 - 16:43     


تكلم ماركس عن التناقض الجدلي بكل وضوح، ثم نقله إلى التاريخ. وتمكن من أن يراه ويصوره بكل براعة في المجتمع (تناقض إجتماعي).

وقد فعل ماركس ذلك بقلب الطريقة الفلسفية العبقرية التي سبق أن ابتكرها هيجل لتصوير التناقض الجدلي في الوجود.

لكن يبدو أن ماركس أغفل نوع أصغر من التناقض. لا هو بالتناقض الاجتماعي ولا هو بالتناقض العام الهيجلي. وهنا أقصد: التناقض الشخصي.

ذلك أنه توجد داخل الماركسية نفسها حركتان متناقضتان هما:

1- حركة علمية موضوعية جدلية: تقوم على استقراء الواقع الملموس بشكل علمي يهدف إلى "فهم" وتفسير العالم (الاجتماعي والتاريخ)، وهو ما نجده في كتاب ماركس الأهم "رأس المال" وكذلك كتابه "الصراع الطبقي في فرنسا"، حيث اكتفى بالتحليل المتعمق لجدليات الواقع. لكن هناك أيضا ..

2- حركة ثورية تخيليية تصورية استشرافية: تقوم على محاولة توقع المستقبل بل والدفع بإتجاهه والتحريض عليه بهدف "التغيير". وتتضح هذه الحركة بجلاء في أغلب أفكار وكتابات ماركس (القليلة) في استشراف التغيير والشيوعية والاشتراكية. وأغلب هذه الكتابات توجد في مراسلات ماركس وأعماله الحزبية. كما توجد بشكل جنيني في بعض الكتابات المبكرة مثل (أطروحات حول فيورباخ).

وقد تبلور التناقض بين هاتين الحركتين في عقل ماركس منذ مرحلة مبكرة جدا في حياته الفكرية. فهذا التناقض موجود بشكل جنيني في أطروحات ماركس حزل فيورباخ، وتحديدا في الأطروحة الحادية عشرة، حيث تظهر الرغبة الثورية والراديكالية العارمة لدى ماركس، كما يلي:

راديكالية ماركس باعتبارها انحيازا لمهمة التغيير:

تظهر راديكالية وثورية ماركس في مقولته الشهيرة:

"أن جل ما فعله الفلاسفة حتى الآن هو فهم التاريخ. بينما المطلوب هو تغيير التاريخ."

وهي الأطروحة الحادية عشر حول فيورباخ التي كتبها ماركس عام 1845:

"لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير وفهم العالم بطرق شتى؛ أما الهدف فهو تغييره"

The philosophers have only interpreted the world, in various ways; the point is to change it.

الرابط http://www.marxists.org/archive/marx/works/1845/theses/theses.htm

أظن أن هذه المقولة تبشر بأخطر مشكلات الماركسية؛ وأقصد بها: الثورية الراديكالية.

والتي تعني: استعجال التغيير (قبل) استكمال الفهم.

تلك هي الإشكالية الجوهرية التي تسيطر على الماركسية والتي يتوارثها الماركسيون جيلا بعد جيل، وبخاصة عقب المرحلة السوفيتية من الماركسية.

مهمة التغيير باعتبارها قيدا على مهمة الفهم:

فلندرس مقولة ماركس هذه بتأني "تفكيكي" يعوض التسرع الحماسي الدوغمائي الذي تعلق بها منذ أن كتبها ماركس في 1845.

تنطلق مقولة ماركس هذه من فرضيات عديدة وتحتمل تفسيرات عديدة كما يلي:

أن مهمة الفلاسفة هي تغيير التاريخ
أن جل الفلاسفة - السابقين - قد تخلوا عن مهمة تغيير التاريخ
أن جل الفلاسفة - السابقين - قد اكتفوا بمهمة فهم التاريخ
ان المهمة الصحيحة المطلوبة حاليا هي تغيير التاريخ لا فهمه
أن هناك قدر من التضارب بين مهمة فهم التاريخ وبين مهمة تغيير التاريخ
أن فهم التاريخ ربما يعيق تغيير التاريخ
أن تغيير التاريخ أهم من فهم التاريخ
أن التغيير المطلوب للتاريخ هو مسألة واضحة ومحددة لا تتطلب سوى التركيز عليها. فهي لم تعد تتطلب فهم، بل تتطلب البدء فيها فورا، دون تضييع وقت في تلكؤ الفهم.
أن تغيير التاريخ بل وفهم التاريخ هي مسائل إراداوية تخضع لرغبات الفلاسفة، بحيث يمكن لهم إختيار هذه أو تلك
أن فهم التاريخ هي مهمة عفا عليها الزمن، بحيث أصبح المطلوب حاليا وبإللحاح هو تغيير التاريخ وليس فهمه.
أنه من الممكن تماما تغيير التاريخ، في حال اتخاذها كمهمة ملحة للفلاسفة.
أنه بإمكان الفلاسفة تغيير العالم بدل الإكتفاء بتفسير وفهم العالم.

وكل هذه التفسيرات والفرضيات تؤكد ما يلي:

أن هناك تنازلات Tradeoffs من الضروري القيام بها بين الفهم وبين التغيير.

فإن أردنا الفهم، فإن هذا لابد أن يصب في مسار تأجيل التغيير.

وإن أردنا التغيير، فإن هذا لابد أن يصب في مسار تعويق الفهم.

هذا هو فحوى مقولة ماركس. وهو يلفت إلى جوهر الإشكالية التي أضطر ماركس إلى مواجهتها، والتي ربما اضطر إلى الاستسلام لها.

في هذا الإشكالية (الفهم أو التغيير) نرى بذور التناقض الشخصي الداخلي وهو يعمل داخل ماركس، ويفرز المسار الذي اتخذته الماركسية بعد ذلك.

لذا كان من الحتمي أن يأتي المنتوج الماركسي النهائي - باعتباره أعمال ونصوص ناجزة ومنتهية - عبارة عن محصلة لهذا الصراع الجدلي بين طرفي الصراع الذي كشفهما ماركس داخله (الفهم والتغيير).

ومن هذه النظرة يمكننا أن نفهم تقييم أغلب الماركسيين وماركس نفسه لفلسفة كانط وهيجل (السابقين على ماركس) على أنهما فلسفتان تغلبان مهمة "الفهم" على مهمة "التغيير"، طوال الوقت. (طبعا هنا ينطلق ماركس من فرضية وكأنه يتوجب على الفلاسفة تغيير العالم لا فهمه!)

ولذا فهيجل وكانط تحديدا هما أقرب إلى الرجعية والمثالية، وهو ما يعني بالنسبة للماركسيين: تضخم مهمة "الفهم" عند كانط وهيجل، في مقابل تضاؤل مهمة "التغيير" لديهما.

وإذا عدنا إلى نصوص ماركس نفسه سنجد تأكيدا على أن هيجل "مثالي" و"رجعي" .. ولكنه أيضا "عملاق".

ولم تكن هذه وجهة نظر ماركس وحده، بل كان وجهة نظر أغلب المفكرين في عصر ماركس. وهو ما يعبر عنه أدق تعبير قول ماركس نفسه في "رأس المال".:

حين كنت أكتب الجزء الأول من "رأس المال" كان أبناء الجيل الجديد، اولئك الأدعياء المتهورون التافهون يباهون بأنهم ينظرون إلى هيجل نظرتهم إلى "كلب ميت".... لذا بادرت وأعلنت صراحة أنني لست إلا تلميذا لهذا المفكر العملاق (كارل ماركس- رأس المال).

خليل أندراوس على الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=4&aid=117858

وفي اقتباس آخر: كان ماركس يقول دائما إن الإطار المثالي الذي غلف الجدل الهيجلي، لم يمنع هذا الرجل مطلقا من أن يكون أول من عرض الصورة العامة للجدل بطريقة واعية وشامله" (كارل ماركس رأس المال المجلد الأول صفحه 20)

هذه النصوص من ماركس تؤكد أن عصر ماركس بمجمله (روح العصر) كان دافعا باتجاه مهمة "التغيير"، ومكتفيا ويائسا من مهمة "الفهم" والتفسير.

وهكذا، يكون مشروع ومسار ومنطقrationale مهمة ماركس هو كالتالي:

بما إن ..

هناك تضخم في مهمة "الفهم" لدى الفلاسفة السابقين على ماركس (هيجل مثلا)،

إذا ..

تصبح مهمة ماركس هي "قلب" وعكس هذا الوضع

وذلك ..

بأن يقوم ماركس بتضخيم مهمة "التغيير" وتحجيم مهمة "الفهم"

ولكن بشرط ..

أن يبدأ ماركس بالضبط من حيث أنتهت مهمة "الفهم" في آخر مراحلها.

وهكذا وقف ماركس على كتف "العملاق" هيجل، ليبدأ من حيث انتهى هيجل، ويستكمل المهمة التي تركها هيجل دون استكمال.

الخلاصة:

الخلاصة مما سبق أن مهمة ماركس الأساسية التي اختارها لنفسه كانت هي التغيير، وليس الفهم. أو نقول أن ماركس وصل إلى قدر من التوازن بين مهمة التغيير ومهمة الفهم، بحيث كانت الصلاحيات الممنوحة لمهمة التغيير أكبر من الصلاحيات الممنوحة لمهمة الفهم.

وبذلك اندفعت الماركسية في طريق السياسة (مهمة التغيير)
بينما ..
تباطأت في طريق الفلسفة (مهمة الفهم)

إذاً، فلو أردنا إيجاد أي حل فعلي لمآزق الماركسية المعاصرة.

فإن المسار المتاح والممكن الوحيد لتجديد الماركسية وإخراجها من أزمتها، لن يكون على طريق السياسية (مهمة التغيير)، بل سيكون على طريق تعميق مسار مهمة الفهم.

وذلك لأن مهمة التغيير (السياسة) داخل الماركسية، هي متضخمة بالفعل.
لذا فإن المسار الممكن لتجديد الماركسية بحق هو المسار غير المستغل وغير المستكمل فيها، وهو مسار مهمة الفهم (الفلسفة).

لقد أدى تضخم مهمة التغيير (السياسية) داخل الماركسية، على حساب تقلص مهمة "الفهم"، إلى وضعية خطيرة أصبحت فيها أغلب المفاهيم والمصطلحات الماركسية بمثابة ألغام وقنابل تنفجر في وجه من يفكر في الاقتراب منها. وبهذا استعصت على التجديد والتصحيح.

لذا المطلوب هو تفجير هذه الألغام السياسية الكامنة في النظرية الماركسية أو التخلص منها، باعتبارها محض حقل ألغام، لا يصلح للحياة.

إذاً، فأولى خطوات تجديد الماركسية يجب أن تتم من خلال تعميق مسار مهمة الفهم (الفلسفة)، وتقليص مساره مهمة التغيير (السياسة)، يبدأ – كما أظن – بنقد (وربما رفض) الشيوعية، باعتبارها أكثر مسارات مهمة التغيير الماركسي ابتذالا وإغراقا في التسيس، وتعويقا للفهم.

لكن إن كان هناك مسار آخر، أفضل مما أطرحه هنا، وأقل جذرية، بحيث يعيد الاعتبار ويركز على مهمة الفهم، لكن دون أن يقلص مهمة التغيير؛ فمرحبا به.

لكن هل من الممكن إعادة الاعتبار إلى مهمة الفهم المتقلصة في الماركسية، مع بقاء الوضع المتضخم لمهمة التغيير، كما هو؟

أظن لا. وهذا اجتهاد قد يخطيء.

لكن المهم هو أن تتركز الاجتهادات القادمة على تعميق مهمة الفهم، وليس على مهمة التغيير.

من المطلوب أن يترك العنان لمهمة الفهم في الماركسية بحيث تتمكن من الدخول في صراع جدلي مع مهمة التغيير.

المطلوب أن تدخل المهمتان في تفاعل أو صراع جدلي غير موجه وغير مقيد.

بل يتوجب على المفكر الماركسي ألا يقوم بممارسة وصايته (التي تشبه وصاية الدولة المتحيزة) لتكبيل مهمة الفهم مع فرض سيطرة مهمة التغيير، على مجمل الإطار النظري الماركسي.

فمن الجدير بالفعل أن نترك العنان لمهمة الفهم لأن تفترس مهمة التغيير. وهذا هو بالضبط ما أمارسه حين أنقد الشيوعية، إنطلاقا من الجدلية التاريخية الماركسية نفسها.

وهو ما سأفصله تباعا ..

أمير الغندور
24/7/2011