في الذكرى الرابعة لانتفاضة اكتوبر: الاضراب العام يكشف الضعف العام


اسماء اغبارية زحالقة
2004 / 10 / 15 - 09:05     

الاضراب العام الذي أُعلن لاحياء الذكرى الرابعة لانتفاضة اكتوبر، والمسيرة القطرية في سخنين التي شارك فيها 5000 فقط، كانا تعبيرا عن ضعف مريع، على المستوى الرسمي والجماهيري ايضا. النتيجة لم تكن مفاجئة. العنوان كان على الحائط.
الجهات السياسية التي قابلتها الصبّار، ومنها الشيخ كمال خطيب نائب رئيس الجناح الشمالي للحركة الاسلامية، واحمد سعد رئيس تحرير صحيفة "الاتحاد"، تتفق ان احد اسباب فشل الاضراب العام كان عدم الثقة بين القيادات المنضوية تحت لجنة المتابعة. تراشق الاتهامات بين الاحزاب حول المسؤولية عن الفشل، يتجاهل السؤال الاساسي: اذا كان معروفا ان الجماهير غير معبئة وراء لجنة المتابعة، فلماذا اقترح الاضراب اصلا ولماذا تم اقراره بالاجماع؟
اقتراح اعلان الاضراب العام جاء من الجناح الشمالي للحركة الاسلامية. الاعتبارات للاضراب كما اوجزها الشيخ كمال خطيب في لقاء هاتفي مع الصبّار (7/10) هي التالية: "تصريح رئيس لجنة التحقيق الرسمية في احداث اكتوبر، القاضي تيودور اور نفسه، بان عدم تنفيذ الحكومة لتوصياته ينذر بانفجار جديد؛ استمرار قتل المواطنين (16) بعد الانتفاضة، وتواصل سياسة هدم البيوت والاعتداء على المسجد الاقصى؛ الاعتقالات السياسية لقادة الحركة الاسلامية وحركة ابناء البلد والتجمع؛ والمجازر المرتكبة بحق شعبنا الفلسطيني".
لا شك ان السنوات الاربع الاخيرة تحمل اسبابا لا تحصى لاعلان اضراب عام، ولكن السؤال الحاسم بالنسبة لاتخاذ قرار مصيري كاعلان اضراب عام، هو مدى جاهزية القيادات والجماهير للمواجهة مع السلطة، التي يمكن ان تكلف ثمنا غاليا.
تحفظات الجبهة عن الاضراب اوضحها لنا (7/10) النائب السابق احمد سعد، رئيس تحرير صحيفة "الاتحاد" الشيوعية: "خاصة في هذه الظروف من مجازر ضد شعبنا وسياسة التصعيد ضد جماهيرنا العربية، كان موقفنا انه ممنوع القيام باي نشاط سياسي جماهيري معرض للفشل. آخذين في الاعتبار ان الاضراب هو اعلى وسيلة سياسية للتعبير، لمسنا ان الجماهير من تجار وعمال غير جاهزة للاضراب العام. اولا، بسبب الاحباط السياسي العام ازاء صمت العالم على حرب الابادة ضد الشعب الفلسطيني، وثانيا بسبب الوضع الاقتصادي والفقر والبطالة".
امتحان التطبيق بيّن بوضوح ان موقف الجبهة كان الموقف الصحيح. المشكلة ان الجبهة لم تجد القدرة لا لاقناع الاحزاب الاخرى بموقفها، فاضطرت ان توافق على الاضراب، كما يبدو من باب الحرج؛ ولا وجدت القوة لتجنيد جماهيرها للمشاركة في الاضراب والمسيرة.
عندما يحدد سعد بدقة وضع الجماهير واحباطها كسبب لتحفظ الجبهة عن اعلان الاضراب، فانه يهمل مسؤولية هذا الحزب عن هذا التراجع السياسي. ركون الاحزاب العربية للمصالحة الوهمية مع حزب العمل الذي خيّب الآمال العريضة باتفاقات سلامه، كان له كبير الاثر في افقاد الناس ثقتها بقيادتها وبالسياسة عموما، مما جعلها تنتفض في اكتوبر 2000 ضد السلطات وضد القيادات على حد سواء.
اما الجناح الشمالي للحركة الاسلامية الذي اقترح قرار الاضراب، فيبدو مما حدث على ارض الواقع انه لم يرغب في انجاح المسيرة التي تمت بدعوة من لجنة المتابعة التي تشمل كل الاحزاب العربية، ولم تكن احتكارا للحركة. وكان الشيخ كمال خطيب قد اقترح الاضراب العام في نشوة مهرجان الاقصى التاسع الذي شارك فيه 80 الفا في 10/9 في ام الفحم، ليثبت ان تياره هو القيادة الحقيقية للجماهير العربية، وانه صاحب المبادرة لاعلان الاضراب العام.
يقول سعد: "هناك فرق بين الدعوة للاضراب وبين التجنيد لانجاحه. لماذا لم تجند الحركة ربع من كانوا في مهرجان الاقصى للمسيرة في سخنين؟ الحقيقة ان مهرجان الاقصى هو قضية خاصة وفئوية، لها علاقة بابراز قوة الجناح الشمالي للحركة. لذا تمكنوا من تجنيد 80 الفا للمهرجان، في حين لم يبذلوا المجهود المطلوب للتجنيد لقضية وطنية عامة".
من جهته يصر خطيب ان "قرار الاضراب كان سليما وفي محله، وشعبنا مهيئ للمواقف الوطنية المشرفة، ومن يجب ان يخجلوا هم من يتهمون شعبنا بعدم الجاهزية وبالقلق من الخسائر المادية في حالة الاضراب. الاضراب نجح في مواقع مثل كفر كنا، حيث خرجت مسيرة محلية بمشاركة 5000، بينما فشل فعلا في مواقع اخرى بسبب عدم اداء المسؤولين دورهم وحيث كانت التهيئة عكسية". لكن نجاح الاضراب في بلدة خطيب، كفر كنا، وفشله في مواقع اخرى، يؤكد الطابع الفئوي الضيق لنشاطات هذا التيار.
مع ان هناك اجماعا على تراجع التيار الوطني والشيوعي وعجزه السياسي والتنظيمي، الا ان هذا لا يؤكد من جهة اخرى ان التيار الديني اكتسح الساحة لصالحه تماما. لقد شارك عشرات الآلاف في مهرجان الاقصى لان "ثمن" السياسة التي يقترحها الجناح الشمالي رخيص نسبيا: فكل المطلوب هو حضور مهرجان، والايمان بان النصر لنا في الصراع الذي اصبح دينيا بين المسلمين واليهود. من هنا فان هذه المهرجانات اصبحت الاكثر امانا من بين منافذ التعبير السياسي الجماهيري، فهي لا تُدخل الناس في مواجهة مع السلطات، ولا تكلفها ضحايا كما حدث في يوم الارض (ستة شهداء) وانتفاضة اكتوبر (12 شهيدا).
هذه العبرة تعلمتها الناس من اداء الحكومة في انتفاضة اكتوبر. فاذا كانت الجماهير العربية قد كسرت في الاضراب العام في يوم الارض 1976، حاجز الخوف من المواجهة مع السلطات، عاد هذا الخوف ليحكم العلاقة بينها وبين السلطات. وقد قالها لنا احد الشباب الذين لم يشاركوا في المسيرة بسخنين، بينما شارك في مهرجان الاقصى: "كان من الممكن ان تنتهي المسيرة بسخنين بالقتل. من يريد ان يقتَل؟".
الاضراب العام في عام 2004 اثبت عدم مسؤولية الاحزاب العربية، وكشف ضعفها وانقسامها. بين حزب شارك رغم انفه في النداء للاضراب العام، وبين حزب بادر للاضراب لاسباب فئوية لكنه لم يعمل على انجاحه، ضاعت الجماهير العربية، بعد ان سدد لها الاضراب ضربة معنوية اضافية.