التلفزيون وأليات التلاعب بالعقول .


لطفي الإدريسي
2010 / 7 / 1 - 20:30     

-1-تمهيد؛ومحاولة تعريفية:
لقد كانت الهجرة الأنية لبيير بورديو هجرة متأنية بحيث أنه طرق باب جمهورية السوسيولوجيا بتأن فولج عالم المعرفة جاعلا من الميدان عيادة معرفية لإنتاج مقاربات عميقة المبنى والمعنى هذه الأخيرة التي يتسلح منها بعدته النظرية ليقدم الدليل تلو الآخر بأن علم الإجتماع لا تنسج خيوطه داخل المكاتب المكيفة بل تتحدد خطاطاته بإصاخة السمع لصوت اليومي الإجتماعي العميق .منتصرا بذالك لصوت السوسيولوجيا الميدانية التي تؤسس نظرياتها و توجهاتها من الدقة والتفاصيل أو بالأحرى تفاصيل التفاصيل إنه بذالك العين الثالثة على حد تعبير نيتشه ليس العين البيولوجية وإنما النقدية التي تدرس جغرافيا المشهد المجتمعي بكل حيثياثه و ألياته الإجتماعية و السياسية و الثقافية ...
كان باحثا عن الفهم والمعنى أو بالأحرى فهو يخترق من أجل جمع المعطيات قصد تحليل الظواهر والوقائع و الأحداث الإجتماعية .ومسائلة الخطابات المترهلة والضبابية المختفية بإستمرار وراء سديم المعنى ومن هنا نجد أنفسنا مجبرين مكرهين لا أبطال في إعادة التساؤل والتفكير لهزم الخطابات المترهلة التي تئن تحت وطأة المساءلة السوسيولوجية .وذالك من خلال استحضار قولة أحد أعمدة السوسيولوجيا المعاصرين حينما نعت التلفاز بأنه "الإيديولوجي المدافع عن النظام بكلاب حراسة"ومن هنا سيكون موضوع مقالنا هو إستعراض لموقف عالم الإجتماع الفرنسي بييربورديو حول التلفزيون والذي يعتبره كأداة و أليه للتحكم في العقل البشري.
-2--التلفزيون كأداة للتحكم في الإجتماعي:
بحسب التصور البورديوي لم تعد القنوات التلفزيونية و بشكل خاص الفضائية منها مجرد قنوات تقدم برامج للتسلية و التثقيف فقط بل فقد أصبحت الأدوات والوسائل الأكثر مساهمة و فاعلية في الضبط و التحكم الإجتماعي في المجتمعات الحديثة وتبعا للمفهوم الذي يقدمه بورديو فوسائل الإعلام أداة من أدوات "العنف الرمزي" الذي تستغله الطبقات الإجتماعية السائدة و المهيمنة وحيث تقوم بتسييرها خدمة لمصالحها و مكتسباتها.وبحكم تأثيره الواسع يعتبر بورديو أن التلفزيون بآلياته المعقدة لا يشكل خطرا على مستوى الإنتاج الثقافي ،من فن وأدب،علوم،فلسفة،قانون فحسب بل بات يهدد أيضا الحياة السياسية والديمقراطية،و المشكلة الضاغطة على التلفزيون ومعه جزء كبير من الصحافة أنها وسائل مدفوعة بمنطق اللهاة وراء مزيد من الإقبال الجماهيري.لذالك أتاحت هذه الوسائل الإعلامية للمحرضين على الأفكار و الممارسات العنصرية المعادية للأخر،أو من خلال التنازلات التي يمارسنها إنطلاقا من نظرة شوفينية ضيقة الأفق.
كما وتبدو العلاقة بين العمل الفكري و الإعلامي علاقة تناقض بإمتياز،بين حقل أول يحتاج إلى مسافة كبيرة من التأمل و الهدوء و التدقيق و الحفر الأركيولوجي والبحث عن المعطيات التكوينية وحكها و الكشف عنها،في مجال تبنى معطياته على بعضها البعض في تأمل لعمق التجربة الإنسانية و دلالاتها الأبعد وحقل ثاني يحتاج إلى الكثير من السرعة و التنافس في نقل الأخبار و المعلومات و التعليق عليها وشرح خلفياتها ثم سرعان ما يتم قبرها حيث أنباء تقوم بقبر أنباء أي " أخبار".
هذا التباعد والتنافر بين المجالين لا يعني إنعدام الصلة بينهما،ذالك أن سحر المرنات أصاب الجميع بمن فيهم النخبة المثقفة،الذين بات عدد واسع منهم تحت طلب وسائل الإعلام ،وبالخضوع لشروط هذه الأخيرة ،والعمل التلفزيوني مبني على السرعة لذالك فهو يبقى فضاء غير لائق للتفكير،ومن هنا يتم الإستعانة في المقابلات التلفزية بما يطلق عليه "بالمفكر السريع" "fast thinkers " يحملون أحكام مسبقة عن الموضوع المطروح للنقاش ،ولا خوف من مشكلة التلقي ،لأن هذه الأفكار وأحكام القيمة يعرفها الجمهور الذي يحصل بدوره على وجبة ثقافية"fast food ".
-3-التلفزيون وحاجز الرقابة:
يكاد التلفزيون أن يشكل اليوم نوعا من مرآة نرجسية فهو مكان لحب الذات حسب التوصيف البورديوي .وكل من يرغب في الظهور عليه الإستعداد من أجل تقديم التنازلات ،فلا ظهور مجاني على شاشاته ،فالتلفاز يمارس نوعا من الرقابة الخفية حيث إن مجرد الدخول إليه يفقد المشارك إستقلاليته وذالك من خلال فرض موضوع النقاش ،وكذا فرض مسلكيات الحوار و الإتصال .كما يتم أيضا تحديد الحيز الزمني الواجب إحترامه عند حديث المشاركين بحدود و قيود صارمة ،مجرد هذه الشروط تنفي شرط الموضوعية مما يجعل مسألة قول الحقيقة أمرا صعبا بل شبه مستحيل.
لا تقتصر رقابة التلفزيون فقط على رقابة خفية من داخله فحسب ،بل هناك رقابة خارجية عليه و هي ما يسميها بورديو بالرقابة الإقتصادية ،أيضا لا يمكن قول أي شيء غير ذالك الذي تم تحديده من قبل من يملكون هذه الأخيرة أي الوزارة الوصية "وزارة الإعلام والإتصال"الدولة التي تقدم الدعم، زيادة على المستشهرين الذين يدفعون مقابل إعلاناتهم .كل هؤلاء الفاعلين الإقتصاديين يمثلون سلطة الإكراه،بذالك فالمسألة تصبح غير محايدة بتاتا،مما يصبح معه أي ظهور على التلفزيون محكوم بمجموعة من الرقابات الداخلية و الخارجية ،هكذا تصبح صورة الفضاء السمعي البصري عبارة عن صناعة إعلامية متواطئة بين عامل صحفي محترف و مفكر سريع.
-4-التلفزيون والقوى الخارجية:
تعرض المجال الصحفي إلى الكثير من الضغوطات والتدخلات المتعددة ومن مستويات متعددة ومختلفة فخصوصية العمل الصحفي تكمن في أنه يعتمد كثيرا على القوى الخارجية أكثر من أي مجال من مجالات الإنتاج الثقافي الأخرى ،إنه يعتمد و بشكل مباشر على الطلب فهو يخضع لنظام السوق ،ولربما أكثر للمجال السياسي .ويظهر هذا وبشكل مباشر خاصة في التلفزيون فهو مصدر تأثير على الجميع ،حيث الصحف والصحافيين يفقدون هالتهم و هيبتهم لأنهم مجبرون على تقديم تنازلات تجاه منطق العرض و الطلب و تجاه القيم الثقافية الإستهلاكية الجديدة التي نشأت في ظل العولمة
ويشبه بورديو عمل الصحفي داخل القناة التلفزيونية بعمل الساحر حيث يقوم داخل عمله على جلب الأنظار وإثارة الإنتباه نحو شيء آخر ثانوي غير الذي يقوم به ،حيث إن جزءا من العمل الرمزي للتلفزيون على مستوى المعلومات يقوم على جذب الإنتباه نحو أحداث أخرى.وإذا ما تم إستثمار ساعات البث الثمينة من أشياء تافهة وفارغة جدا ،فإن هذه البرامج التافهة تحمل في طياتها حمولة وإضافة مهمة بالقدر الذي تخفي أشياء ثمينة و بالغة الأهمية.
يقول بيير بورديو "عندما تكتب صحيفة ما عن مؤلف أو إصدار جديد لكتاب ،ستجد صحيفة ثانية نفسها مجبرة على عرض الكتاب ذاته ،حتى ولو كان سخيفا ،كذالك عندما يتعلق الأمر بالكتابة عن معرض فني أو مسرحي..."
يقدم لنا بورديو هذا المثال البسيط ليبرهن لنا أن ثمة فعلا تشابه في وتعاطي وسائل الإعلام في مضمونها .على الرغم من التعددية الظاهرة ،هذا التشابه يعزيه إلى دورة الخبر حول نفسه :"ينشر في جريدة ،فيلتقطه صحافي في مؤسسة إعلامية ثانية ،ويتابعه مضيفا إليه رتوشات صغيرة قد لا تكون لها أية أهمية ،وهو يفعل ذلك بدون أن يكلف نفسه عناء البحث عن خبر أخر جديد و مفيد "...
ويعزي هذا النوع من السلوك إلى المنافسة بين الصحافيين ،منافسة تعزز حالة الطوارئ ،وتجعلهم يأتون بأخبار خاطئة ويتم تقديمها بطريقة تسبب ذعرا .فهو يقول" أتمنى أن يسمع الصحافيون ما يقولونه هم الذين يرمون كلماتهم بكل خفة،من دون أن يكون لديهم أدنى إحساس بخطورة ما يقولونه ،والمسؤوليات التي يجب عليهم تحملها ...كلماتهم تثير الخوف والهواجس وتؤدي غالبا وفي معظم الأحيان إلى تكوين صور خاطئة عن الحقيقة".
فالتشابه رغم التعددية ،تعزيز لحالة الطوارئ ،هذه ليست سوى نقطة في بحر الانتقادات التي يعرضها بورديو وهي إنتقادات قائمة على ملاحظات تفصيلية ليوميات العمل الصحفي وآلياته .يعرضها ويقدمها معترفا بأنها تحتاج إلى بحث علمي يثبت فعلا ما يخلص إليه:التلفزيون وجزء كبير من الأطقم الصحفية هم في الأصل معادون للثقافة ،ويتحدثون في مواضيع وقضايا تهم الشأن الثقافي ،وهم بذالك يمارسون عنفا رمزيا على المشاهدين .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن عالم الإجتماع الفرنسي قد آتهم زملائه المثقفين وذالك بإساءة إستخدام وضعهم المميز في فرنسا للحديث عن مواضيع لا يفهمونها كما خاطب في سنة 1999جمعا يتكون من 70شخصية قيادية في العمل السمعي البصري في باريس قائلا :"يا سادة العالم هل تعلمون ما تفعلون ؟إنكم تقتلون الثقافة".
-5-خلاصات وإستنتاجات :
لكن إذا كان بيير بورديو قد صرف معظم حياته محللا علاقة الإنتاج والرأسمال الرمزي للأفراد والجماعات ،مشتغلا على البناء المعقد للممارسات الإجتماعية ،فقد قضى السنوات الأخيرة من حياته و هو يناضل ضد الأشكال الجديدة من السلطة السياسية والإقتصادية المتمثلة في ظاهرة العولمة والخوصصة الإقتصادية ،مناديا بضرورة حماية الأشكال التقليدية من العلاقات الإجتماعية ضد وحش الليبرالية الجديدة التي باتت تهدد بتفكيك المجتمعات ومحو أشكال التضامن الإجتماعي على صعيد التجمعات الإنسانية الصغيرة وعلى صعيد المجتمعات والدول.
ومع أن بورديو لم يستغن عن رصيده العلمي السابق في تحليل الظواهر السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية ،الناشئة في ثمانينيات القرن الماضي و تسعنياته ،فإنه فضل في السنوات الأخيرة من حياته المعرفية والعلمية الفكر النضالي و المشاركة السياسية الفاعلة التي تتوسل التظاهرات وإبداء كل أشكال التضامن العملي والمشاركة في الإعتصامات ،ونقد الممارسة السياسية ،واللجوء إلى إصدار البيانات والهجوم المتحمس على سياسات الدول الأوروبية،ونقد الإعلام والتلفزيون حين كان ينتقد التلفزيون كان يتحدث ضمن سلسلة محاضرات نظمها آنذاك "كوليج دوفرانس"أي أنه بدوره إستعمل الشاشة الصغيرة ،لكن ضمن شروط تناسبه من خلال إختياره للموضوع ،وأخذ الوقت الكافي لمناقشة وإيصال أفكاره .لكن التساؤل الذي يطرح نفسه وبإلحاح هل يستطيع مفكر أو حتى عشرات المفكرين تغيير طبيعة عمل التلفزيون ؟وظيفة يوصفها بورديو بكثير من الملاحظات الثاقبة .وللأمانة العلمية فبورديو نفسه يقر أنه إذا كانت هناك وسيلة تصلح لأن تعطينا فكرة على ثقافة اليومي ،فإنها ستكون وبدون منازع التلفاز. فهو وسيلة ما فوق واقعية ،أي أنها واقعية أكثر من الواقع ،بعبارة أخرى نحن نستمد وعينا بالواقع إنطلاقا من التلفزيون ،فأي شيء لا يبث داخله يبدو أقل واقعية .