درس علي شريعتي/ مفكر الثورة الإيرانية


رياض الأسدي
2010 / 4 / 13 - 19:09     

عمل فكري وأخلاقي متواصل
1933-1977
ولد دكتور علي شريعتي عام 1933 من أسرة متوسطة لأب يعد من كبار رجال الدين التنويريين في إيران، وهكذا كان الفكر الإسلامي مربضا بيتيا لا يمكن التغاضي عنه. درس في مدينة مشهد ثم أكمل دراسته العليا في ميدان العلوم الاجتماعية بفرنسا. فشاهد شريعتي الغرب عن كثب واكتشف بحسه الشخصي أسرار تقدمه وعوامل ضعفه في الوقت نفسه.
كان شريعتي يرى دائما إن ميدان المفكر هو العمل المفيد والمثمر لمجتمعه أولا، وكذلك إيصال فكره إلى الناس وبخاصة الجماهير الفقيرة والمعدمة. كان مفكرنا مدافعا عنيدا عن العدالة الاجتماعية والفقراء وحقوقهم الطبيعية في الحياة. حاربت قوى الشاه محمد رضا بهلوي دكتور شريعتي بلا هوادة بسبب آرائه ومعتقداته السياسية المتعلقة برفض النظم الديكتاتورية عموما لأنه وجد في الدكتاتورية عائقا كبيرا يحول دون تطور البلاد كما أنها تفرز الظلم الاجتماعي على نطاق واسع وتورث الكوارث الاجتماعية مثلما كانت عليه إيران آنذاك. فصل شريعتي من جامعة مشهد لمناهضته العلنية للدكتاتورية لكن ذلك الفعل لم يثن شريعتي عن مواصلة رسالته التنويرية لمجتمعه، حيث عمل على الانتقال إلى طهران ليلقي هناك المحاضرات ويؤلف الكتب في تجديد الفكر الإسلامي الحديث من حسينية الإرشاد فكثر تلاميذه ومريدوه وطارت شهرته في كلّ أنحاء إيران، مما كون من جديد خطرا ماثلا للنظام السابق.
ألف دكتور شريعتي في مجالات مختلفة في الرواية والفكر السياسي والأخلاق حتى بات لديه أكثر من مائة مؤلف في مختلف الميادين المعرفية. كانت معظم كتبه تحض على التنوير وتخليص الإسلام مما لحق به من خرافات وأباطيل بسبب طول المدة التي عاش بها المسلمون منذ سقوط بغداد على يد المغول عام 1258م. وبقي علي شريعتي يرى إمكانية تخليص المسلمين وتجديد التشيع بخاصة من خلال التنوير الفكري والعمل معا. وهكذا كان المفكر شريعتي امتدادا لجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده ومحمد رشيد رضا لكنه تميز عن هذا الرهط التنويري بربط الفكر الإسلامي بالعمل. جاء بعد شريعتي عدد كبير من المفكرين الإسلاميين وجدوا في فريضة العمل منهاجا لحياتهم.
وإذا جاز لنا أن نوجز بعجالة مقومات شخصية شريعتي في خطوط فكرية محددة يمكننا القول : إن علي شريعتي كان مفكرا أخلاقيا بالدرجة الأولى يذكّر سلوكه و مواقفه بعهد صدر الإسلام حيث يمتزج الفكر بالفضيلة والزهد وتلك كانت صفات المسلمين الأوائل الذين صقلتهم الحياة الصحراوية بقوة. ويجب القول أيضا إن علي شريعتي جمع بين العلم والفضيلة في آن لتأثره بالفكر الإنساني، إذ لم يكن الرجل في أية مرحلة من حياته الثرة مغلقا مما عرّضه إلى انتقادات حادة من رجال الدين المتشددين في بلاده؛ فكان شريعتي مجسدا حقيقيا للفكرة القديمة الجديدة التي قال بها سقراط : وهي أن المعرفة أساس كلّ فضيلة(الفضيلة علم والرذيلة جهل، والفضيلة نور والرذيلة ظلام) فالعالم لا يكون عالما ما لم يكن فاضلا في تصوراته وسلوكه. ولذلك كانت الروح الفلسفية العالية والمنظمة أخلاقيا هي التي تتحكم بفكر وسلوك علي شريعتي. ومن هنا فإن شريعتي كان متأثرا جدا بشخصية سقراط وطريقة حياته الشخصية ومن ثم الدفاع عما يعتقد به حتى وإن كلفه ذلك حياته كما هي الحادثة المروعة التي أقبل عليها سقراط في تناول السم بدلا عن تغيير مبادئه. وإذا كان هذا التصور السقراطي لا يجد له تطبيقات كافية في التاريخ السياسي الإنساني فإن شريعتي كان من أولئك القلائل الذين اقترن لديهم العلم بالفضيلة والنضال بالثبات ليكون حكمته الراقية ويكون صاحبه حكيما في سلوكه أيضا.
هاجر دكتور شريعتي من إيران وعاش في المنفى سنوات طويلة ثم عاد طواعية إلى إيران متحملا كلّ النتائج المترتبة على ذلك؛ وهذا ما لم يقم به منفيا سياسيا من قبل، إذ كان شريعتي يرى دائما إن الجهاد الحقيقي يكون في داخل البلاد وليس في خارجها مما حمله على العودة إلى بلاده مخاطرا بحياته.
عاصر شريعتي حركات التحرر العربية والعالمية في عقد الستينات من القرن الماضي. وتأثر بقوى اليسار وخاصة فيلسوف الطلبة (فرانتز فانون) الأفريقي المولد, لكن شريعتي على الأغلب لم يغير ثوابته المتعلقة بتجديد الفكر الإسلامي من خلال نظريته الأساسية في (العودة إلى الذات) حيث يعدّ هذا المؤلف حجر الزاوية في فكره وعمله السياسي. وبعد عودته إلى إيران وبقرار شخصي منه كون شريعتي من جديد معلما معارضا للنظام الملكي المستبد.
كوّن اغتيال دكتور علي شريعتي عام 1977 في لندن من (السافاك) الإيراني – في مؤامرة مخابراتية على الأرجح- سببا مهما في اندلاع الاضطرابات الكبرى التي اجتاحت إيران في عامي 1977و1978 والتي نتج عنها قيام الثورة الإيرانية وتأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979. ورغم أن شريعتي لم يشهد أحداث الثورة في إيران إلا إن أسمه يبقى محفورا بقوة.