الماركسية اللينينية الماوية: تقاتل، تصمد و تنتصر5 - الاشتراكية العلمية (3)


خالد المهدي
2010 / 4 / 2 - 01:40     

ان الحزب بالنسبة للينين يشكل الأداة الأولى و الأساسية التي لاغنى عنها من اجل الثورة،لكنه ليس الاداة الوحيدة بل هناك ايضا السوفييتات .
ان ظهور السوفييتات ( أي المجالس ) لم يأتي بدعوة من لينين او أي ماركسي آخر بل انه شكل أبدعته الجماهير العمالية ايام الاضراب السياسي الذي دعا له البلاشفة سنة 1905 ، ففي غمرة النضال السياسي و الجماهيري الجبار استطاعت الجماهير إيجاد هذا السلاح الجديد الذي لم يعرف التاريخ قبل ذلك مثيلا له .ان هذا الواقع سوف يقلب رأسا على عقب العديد من الموضوعات السابقة للاشتراكية العلمية ، سوا ء تلك المتعلقة بشكل الدولة او تلك المتعلقة باشكال العنف الثوري المسلح من اجل الاستيلاء على السلطة .
لقد كانت سوفييتات العمال منظمة جماهيرية للطبقة العاملة تضم مندوبي جميع المصانع و المعامل و قد انتشرت في العديد من المدن و المناطق الصناعية بروسيا و خلقت جدالا فكريا و سياسيا عظيما بين الماركسيين ساهم في دفع قضية الثورة الى الامام و ساهم ايضا في تطوير الاشتراكية العلمية .
لقد كان يرى البلاشفة و على رأسهم لينين بأن السوفييتات هي نواة للحكم الثوري المقبل و هي أيضا هيئات للثورة المسلحة . و لذلك نادوا بالعمل داخلها و توسيعها لتشمل ايضا الجنود و خلق سوفييتات الجنود كما حصل بموسكو التي كانت تحت قيادتهم الفعلية . اما المناشفة فإن ضيق افقهم البرجوازي الصغير جعلهم لا يرون في السوفييتات سوى هيئات للادارة المحلية ( على شاكلة البلديات عندنا بالمغرب ) قائمة على أسس ديمقراطية .
ان هذا الإبداع الجماهيري الخلاق قد استوعبه لينين بسرعة و طالب بتعميمه و بث الوعي فيه باعتباره نواة الحكم الثوري المقبل أي نواة ديكتاتورية البروليتاريا و الفلاحين و بعدها ديكتاتورية البروليتاريا سنة 1917 .
من المعلوم ان الماركسيين قبل ذلك الزمن و في جميع البلدان بما فيها روسيا ،كانوا ينظرون الى الجمهورية الديمقراطية البرلمانية باعتبارها اكثر الاشكال ملائمة لتنظيم المجتمع سياسيا في مرحلة الانتقال من الثورة الديمقراطية البرجوازية الى الثورة الاشتراكية . ففي نقده لبرنامج ارفورت سنة 1891 كتب انجلز قائلا :إن " الجمهورية الديمقراطية ... هي الشكل الملائم بصورة خاصة لديكتاتورية البروليتاريا " و أصبح موقف انجلز هذا موجها لجميع الماركسيين من بعده بمن فيهم لينين ، لكن ظهور السوفييتات سنة 1905 و بشكل خاص بفبراير 1917 قد غير جذريا موقف الاشتراكية العلمية من مسالة شكل السلطة ، و عوض الجمهورية البرلمانية اصبحت جمهورية السوفييتات .
إن هذا الغنى الذي أغنى به لينين الاشتراكية العلمية لم يكن نتيجة لعبقرية ما ( رغم صحة هذا الجانب ) بل لقد كان أساسا نتيجة للواقع الملموس و نتيجة لما أبدعته الجماهير صانعة التاريخ ، لكن هذا المضمون الذي اعطاه لينين للسوفييتات و الذي قلب به رأسا على عقب إحدى الموضوعات السابقة للاشتراكية العلمية ما كان ان يتم دون ان يجلب سلسلة من الانتقادات و الصراعات ، دون سلسلة من الدعاوي الى الرجوع الى الماركسية و ما قاله انجلز ...الخ .
ان لينين ما كان ليقدس كلاما صادرا عن انجلز او عن ماركس ، بل انه استوعب الماركسية بوصفها " مرشدا للعمل و ليست عقيدة جامدة " كما كان يردد دائما ماركس و انجلز ذاتهما . " و بالضبط لأن الماركسية ليست عقيدة جامدة ، ميتة ،مذهبا ميتا ، جاهزا ،ثابتا لا يتغير ، بل مرشد حي للعمل ، لهذا بالضبط كان لا بد لها من ان تعكس التغير الفريد السرعة في ظروف الحياة الاجتماعية " 27
هكذا يتحدث لينين عن الماركسية على خلاف أصحاب الجمود العقائدي عندنا مثلا اولئك
الذين يهاجمون ماو حول" الديمقراطية الجديدة " و ديكتاتورية الطبقات الثورية (*) بدعوى ان لينين لم يقل ذلك .!!
ان محاكمات اولئك السادة انما تشوه الماركسية و تحط من قيمتها .

ان اسهامات لينين في الاشتراكية العلمية لم تقف عند هذا الحد ، بل يمكن ان نعتبر احدى اهم اسهاماته في هذا القسم هي الموضوعة التي صاغها إبان الحرب العالمية الثانية و القائلة : " ان الامبريالية هي عشية الثورة الاشتراكية " ، لقد صاغ لينين هذه الاطروحة سنة 1916 و ها نحن لا نبتعد سوى 7 سنوات ليكون قد مر قرن من الزمن على هذه الاطروحة ، 100 سنة دون ان تنهار الامبريالية . لماذا ؟ ان حفظة الكتب و الصيغ الجاهزة سوف يقفون بكل تأكيد عاجزين عن تفسير ذلك ، أو ربما يشوشون على المسالة كعادتهم و يشوهون الماركسية .
و لكي نجيب على هذا السؤال الذي تواجه به البرجوازية الشيوعيين لابد ان نوضح مضمون هذا الكلام ، محتواه الاقتصادي و أبعاده السياسية ؛ و بدون ذلك سوف نظل الطريق .
بدراسته لتطور الانتاج الراسمالي استطاع لينين ان يكشف الانتقال النوعي الذي حدث ضمن صيرورة تطور هذا الانتاج ، انتقاله من المنافسة الحرة الى الاحتكار ، ان هذا الانتقال النوعي قد تحقق بعد تراكمات هائلة حققها الراسمال على طول مرحلة طويلة او لنقل على طول مرحلة تطوره في اطار المنافسة الحرة . ان لينين قد خلص الى ان الامبريالية أي الاحتكار بالمعنى الاقتصادي هو اعلى الاشكال الممكنة لتطور الراسمال و آخرها " ان عهد الامبريالية الراسمالية هو عهد الراسمالية الناضجة و المفرطة في النضوج "28 ، و هذا الكلام يعني من الناحية الاقتصادية ،ان الراسمال لا يمكن ان يتجاوز الاحتكار في صيرورة تطوره التاريخي ، فالاحتكار هو اعلى شكل يمكن ان يأخذه الراسمال ، و هذا الاحتكار لم يقتصر على تطور الراسمال في بلد بعينه كما كان سابقا بالنسبة لانجلترا بل انه اصبح الخاصية الاساسية للراسمالية على النطاق العالمي و من هنا برز تناقض جديد في تطور الراسمالية : التناقض بين الدول الامبريالية و ما يجعل حدة هذا التناقض ترتفع انما هو انتهاء تقاسم العالم بين الامبرياليات ، و في كل محاولة لاعادة تقاسم مراكز النفوذ و السيطرة الا و تعمق التناقض و تجعله حادا حتى يصل الى حرب عسكرية مباشرة ، هكذا كان الامر ابان الحرب العالمية الاولى والثانية .
ان اعادة تقاسم مراكز النفوذ و السيطرة بين الدول الامبريالية ليست رغبة ذاتية لهذه الدولة او تلك او نتيجة لأطماع هذا الزعيم او ذاك بل ان اعادة تقاسم العالم يفرضه القانون الاقتصادي الذي يتحكم في تطور الامبريالية و الذي كشفه لينين سنة 1916 أي قانون التطور اللامتكافئ .
ان الاحتكار قد تولد كما بين لينين في العديد من مؤلفاته من اندماج الراسمال الصناعي و الراسمال البنكي و خلق شكلا جديدا من الراسمال هو الراسمال المالي الذي جعل من الراسمالية الاحتكارية رأسمالية طفيلية و متعفنة و هذه الخاصية برزت ميل الراسمالية الى التفسخ و التعفن .
ان هذه الخصائص الاقتصادية هي التي حددت أيضا المضمون السياسي للامبريالية " ان الراسمال المالي يهدف الى السيطرة ، لا الى الحرية ". و هكذا تكون الراسمالية في مرحلتها الامبريالية هي "الرجعية على طول الخط " كما قال لينين نفسه و هي نفي للديمقراطية البرجوازية .
ان الامبريالية تعبر عن وصول الاصطدام بين علاقات الانتاج الراسمالية و القوى المنتخبة الى درجة كبيرة و حادة و اصبحت معها الراسمالية لتضمن استمرارها تتجه الى تدمير القوى المنتجة بشتى الوسائل و الاساليب .
ان الامبريالية قد جعلت العمل اجتماعيا على نطاق واسع و راسخ و عمقت بذلك التناقض الخاص لاسلوب الانتاج الراسمالي أي التناقض بين الطابع الاجتماعي للعمل و الملكية الخاصة لوسائل الانتاج . إن العمل أصبح اجتماعيا الى أبعد الحدود و الملكية لوسائل الانتاج اصبحت في ايدي حفنة من الراسماليين الطفيليين الذين خلقهم الراسمال المالي .
" و لذا تدرك لماذا الامبريالية هي راسمالية محتضرة ، تسجل الانتقال الى الاشتراكية : فإن الاحتكار الذي ينبثق من الارسمالية ، انما هو احتضار الراسمالية و بداية انتقالها الى الاشتراكية .إن جعل العمل اجتماعيا ، ان هذه العملية الهائلة التي تقوم بها الامبريالية ...تعني الشيء نفسه " 29.
و قد أكدت تجربة الثورة الروسية و الازمة الاقتصادية العالمية و الحرب العالمية الأولى و الثانية و الثورات بأوروبا الشرقية و آسيا صحة هذا الكلام .
بهذا المعنى يتحدث لينين عن الامبريالية باعتبارها عشية الثورة الاشتراكية ، لكن انهيار الامبريالية و قيام الاشتراكية لا يتحقق بشكل عفوي ، انهيار الامبريالية لن يكون ذاتيا أي من تلقاء ذاته ، فالماركسية قد سبق لها ان قطعت مع هذه النظرة الانتهازية التي برزت مع برنشتاين من قبل . إن شروط انهيار الامبريالية ، الشروط المادية و الموضوعية قد اصبحت ناضجة كل النضج هذا ما يقوله لينين ، و من تم يجب الاستعداد و العمل من أجل إسقاطها و ليست هناك من طبقة تستطيع ذلك غير البروليتاريا المتحالفة مع الفلاحين او المستندة الى الفلاحين ، إذا استعرنا صيغة لينين . و لكي تتمكن البروليتاريا من القيام بذلك لا بديل عن وجود حزب ثوري متشبع بفكر الطبقة العاملة .
إن هذا الحزب مطالب بشكل خاص من اجل الثورة ان يشن نضالا لا هوادة فيه ضد الاحزاب الانتهازية ، التي استطاعت في تلك الفترة من كسب السيطرة على الحركة الشيوعية العالمية . و ساهمت في تمديد عمر الامبريالية كما تفعل اليوم ايضا خصوصا في ايامنا هذه ، حيث كل المؤشرات الموضوعية تشير الى الثورة ، ففي مثل هذه الشروط تكون مهمة الشيوعيين الاكثر إلحاحا هي بناء حزب ثوري يضع في جدول اعماله النضال ضد الامبريالية و الرجعية ، لكن حسب لينين " لا يمكن القول لا بالنضال ضد الامبريالية و لا بالماركسية و لا بالحركة العمالية الاشتراكية دون نضال حاسم لا هوادة فيه و لا رحمة ، و على طول الخط ، ضد هذه الأحزاب أو ، ما هو الشيء نفسه ، ضد هذه الجماعات ، ضد هذه الميول ...الانتهازية " بهذا المعنى يتحدث لينين عن الامبريالية باعتبارها عشية الثورة الاشتراكية أي نضج شروط القضاء على الراسمال الى أبعد حد و من تم تبرز مهمة تأهيل الطبقة العاملة و تنظيمها من أجل قيادة الجماهير و خصوصا الفلاحين من اجل الثورة و تحطيم الرأسمالية .
و من هنا أيضا نفهم صيغة الرفيق ستالين حول اللينينية باعتبارها ماركسية العصر الامبريالي و الثورة الاشتراكية ، و هو ما يعني ان حزب الطبقة العاملة لا يستطيع تحقيق هذه الاهداف بدون الاستناد الى اللينينية بوصفها تطوير خلاق للماركسية .
إن أولئك الذين يحاولون رفض الماوية انطلاقا من اعتبار " ان اللينينية هي ماركسية العصر الامبريالي و سوف تبقى ما دامت الامبريالية قائمة " لا يفهمون هذا الجانب من اللينينية و لا يعرفون من اللينينية سوى مجموعة من الشعارات و المواقف ، إنهم لا يفهمون ابدا طريقة اللينينية في طرح القضايا و حل الاشكالات و لو كان لينين مثلهم في يوم من الايام و تشبت هو الآخر بالماركسية و باعتبارها مقولات و شعارات لما استطاع تطوير الماركسية .
لقد أحسنت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي على عهد ستالين عندما لخصت تاريخ الحزب سنة 1938 عندما أكدت على هذا البعد الفكري في اللينينية .
" ان استيعاب النظرية الماركسية اللينينية و هضمها ، معناه ان نعرف كيف نغني هذه النظرية بالتجربة الجديدة التي تكتسبها الحركة الثورية ، هو ان نعرف كيف نغنيها بآراء و استنتاجات جديدة ، هو ان نعرف كيف نطورها و نحركها الى الأمام ، و ان نعمد دون تردد ، مستلهمين في ذلك جوهر النظرية ، الى إبدال بعض آرائها و استنتاجاتها التي تكون قد هرمت ، بأراء و استنتاجات جديدة تطابق الوضع التاريخي الجديد " 30.
الإسهام الرابع للينين في الاشتراكية العلمية هو إمكانية انتصار و قيام الاشتراكية في بلد واحد .
فقبل ثورة أكتوبر او بشكل أدق قبل الحرب العالمية الاولى كان الماركسيون بمن فيهم ماركس و انجلز ينظرون الى انتصار الثورة الاشتراكية ، كثورة داخل كل دول اوروبا او اغلبها على الاقل و هذا الاعتقاد الذي دافع عنه ماركس و انجلز كان مرتبطا بتحليل ملموس للمرحلة التي كانت تجتازها الراسمالية أي مرحلة المنافسة الحرة و قد عملا بجهد من اجل خلق منظمة مركزية على الصعيد الاممي تضطلع بمهمة تهيئ و قيادة الثورة البروليتاريا الاشتراكية العالمية .
ففي نقده لبرنامج غوتا سخر ماركس من صيغة لاسال القائلة " ان الطبقة العاملة تعمل من اجل تحرير نفسها اولا في نطاق الدولة القومية الحالية ..." و قد علق عليها قائلا " خلافا " للبيان الشيوعي" و لكل الاشتراكية السابقة ، كان لاسال قد رأى الحركة العمالية من أضيق وجهات النظر القومية " 31. و اشار ماركس في نفس المرجع الى " ان عمل الطبقة العالمة العالمي في مختلف البلدان لا يتوقف في حال من الاحوال على وجود " جمعية الشغيلة العالمية " ، في اشارة منه الى حل الاممية الأولى التي اعتبرت القيادة المركزية للثورة الاممية الاشتراكية ، ليضيف " فإن هذه المنظمة كانت فقط اول محاولة لتزويد هذا العمل بجهاز مركزي ، محاولة كانت لها نتائج لا تمحى بسبب من الاندفاع الثوري الذي بثته ، و لكنه لم يبق من الممكن القيام بها ، بشكلها التاريخي الأول ، بعد سقوط كمونة باريس " 32 .
إن هذه الرؤية للثورة الاشتراكية و خلال القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين قد شكلت المبدأ الموجه لكل الماركسيين و الاحزاب الماركسية . لكن تحول الراسمالية من عهد المنافسة الحرة و انتقالها للمرحلة الامبريالية توصل لينين الى ان صيغة ماركس و انجلز لم تعد تطابق الشروط الموضوعية الجديدة و الوضع التاريخي الجديد الذي خلقته الامبريالية . و انه من الممكن ان تنتصر الاشتراكية في بلد واحد و يجب ان نستعد لذلك دون ان ننسى واجباتنا الاممية و دون ان ننسى ايضا امكانية قيام الثورة في العديد من الاقطار دفعة واحدة و في نفس الوقت .
عندما صاغ لينين موضوعاته تلك هب الانتهازيون و أصحاب الجمود العقائدي متهمين لينين بالانتهازية و الخيانة و بالانحراف عن الماركسية . هذا ما حدث فعلا بعد موضوعات لينين حول اتفاقية الصلح المجحفة مع المانيا ، حيث ذهب بوخارين و اعضاء مكتب الحزب بموسكو مدعومين بتروتسكي الى شن هجوم قوي على اللجنة المركزية و على لينين و انهم غير " ملزمين بالخضوع لقراراتها "، بل ذهبوا الى حد التهديد بالانشقاق و وضعوا مهمة توحيد العناصر الشيوعية الثورية المنسجمة ، المناضلة على حد سواء ضد انصار عقد الصلح المنفرد و ضد جميع عناصر الحزب الانتهازية المعتدلة " و قد برر هؤلاء " اليسراويون " مواقفهم تلك مدعين انه " ... في مصلحة الثورة العالمية ، نعتبر من العقلاني القبول باحتمال خسارة السلطة السوفييتية التي تغدو الآن شكلية بحثة " و قد سخر لينين من هؤلاء معتبرا ان الامر " غريب و فظيع " و ان هؤلاء " اليسراويين "هم من يعرقل الثورة العالمية . و من الواجب على الشيوعيين الحقيقيين ان يبذلوا اقصى الجهد من أجل توطيد الاشتراكية بالاتحاد السوفياتي لانها سوف تشكل اكبر دعم للبروليتاريا في جميع البلدان و للثورة العالمية .
ان التروتسكيين عندما يريدون النيل من ستالين و يتهمونه بانه صاحب موضوعة امكانية قيام الاشتراكية في بلد واحد ، غالبا ما نجدهم يستنجدون بماركس و انجلز و " البيان الشيوعي " من أجل نقد هذه الموضوعة و لا يفهمون ان الاشتراكية العلمية تتطور و تغتنى مع التجربة الثورية و مع تطور الشروط التاريخية و الاجتماعية . و حالهم هذا هو شبيه ، الى حد ما ، و من هذا الجانب ، بأولئك الذين يحاولون الادعاء بان اللينينية قد أجابت على كل شيء و لم يبقى أمام الشيوعيين (ات) سوى معرفة كيفية تطبيقها .
ان هذه النظرة البئيسة هي احدى النظرات التي جابهتها اللينينية نفسها.
و نأتي الآن الى الاسهام الخامس للينين في تطوير الاشتراكية العلمية : مسالة الثورة الاشتراكية و ديكتاتورية البروليتاريا.
كما سبق و ان اوضحنا سابقا ان لينين بدراسته للامبريالية قد خلص الى لإمكانية قيام الثورة الاشتراكية في بلد واحد لكن دون ان ينفي امكانية قيام الثورة في العديد من الدول الاوروبية دفعة واحدة أي دون ان ينفي امكانية قيام الثورة الاشتراكية العالمية كما كانت تقول الماركسية على عهد ماركس و انجلز .
بل ان لينين كان يتوقع قيام هذه الثورة خصوصا بالمانيا التي كانت تعرف نهوضا جماهيريا قويا وانتعاشة قوية للخط الثوري . و هذا ما يمكن ان يبدو واضحا للاهتمام الكبير الذي أولاه لينين للحركة الشيوعية بالمانيا عند التهييء للاممية الثالثة (*) .
ان لينين كان يرى ان مركز الثورة العالمية هي اوروبا حيث وصلت قوى الانتاج الى مرحلة عالية من التطور و من التناقض مع علاقات الانتاج ، و هذا ما سوف تغيره الظروف التاريخية فيما بعد و سوف يعبر عنه الرفيق ماوتسي تونغ الذي برهن على ان مركز الثورة العالمية لم يعد بأوروبا و انما " بالشرق "أي في البلدان التبعية المستعمرة و شبه المستعمرة ، و سنعود الى هذه النقطة لاحقا .
في 7 ابريل 1917 كتب لينين " موضوعات نيسان " التي بين من خلالها رؤيته للثورة الاشتراكية بروسيا و مهمات الحزب ، ففي تلك الموضوعات سوف يعدل لينين شعار البلاشفة من ديكتاتورية البروليتاريا و الفلاحين الديمقراطية الثورية الى شعار ديكتاتورية البروليتاريا المستندة الى الفلاحين و قد أثار هذا التغيير الذي قام به لينين جملة من الانتقادات و ظهر شيوعيون داخل الحزب يتهمون لينين " باليسراوية "و بالقفز عن الثورة الديمقراطية و بالانحراف نحو " التروتسكية ".و ما له دلالاته اننا نجد اليوم التروتسكيين ، و قبل ذلك تروتسكي ، لا ينظرون الى انبثاق اللينينية الا ابتداء من موضوعات نيسان .
فكيف رد على كل هؤلاء ؟ و لماذا غير شعار الثورة ؟ من ديكتاتورية البروليتاريا و الفلاحين الى ديكتاتورية البروليتاريا المستندة الى الفلاحين ؟
ان ما يجب الانتباه له هنا ليس هو هذا الشعار او ذاك و انما طريقة لينين في معالجة القضايا.
في رسائله حول التكتيك استهل لينين رسالته الاولى على النحو التالي :
" ان الماركسية تطلب منا ان نأخذ بالحسبان ، على ادق وجه و بصورة ، يمكن معها التثبت من صحته موضوعيا ، النسبة بين الطبقات و الخصائص الملموسة في كل حقبة من حقبات التاريخ "33 ، مؤكدا كلام ماركس و انجلز "ان مذهبنا ليس عقيدة جامدة بل مرشد للعمل " .
و في تحليله للنسب بين الطبقات سوف يوضح لينين ان شعار " ديكتاتورية البروليتاريا و الفلاحين الثورية الديمقراطية " قد تجاوزه التاريخ و تجاوزه الصراع الطبقي بروسيا آنذاك . "و أن من يتحدث اليوم على هذا الشعار ، يتأخر عن موكب الحياة ، ينتقل ، بالتالي ، عمليا ، الى البرجوازية الصغيرة ضد النضال البروليتاري الطبقي و يستحق نبذه الى ارشيف تحف " البلشفية " ما قبل الثورة " 34.
من هذه الموضوعة اللينينية حاول بعض " الماركسيين "و منهم بعض الماركسيين عندنا للحديث أن لينين تخلى عن الفلاحين و ان من يقول اليوم " بديكتاتورية البروليتاريا و الفلاحين " هو من "ارشيف البلاشفة القدماء " .ان هؤلاء السادة حاولوا من خلال صيغة لينين هذه التنكر لأهمية و ضرورة الثورة الديمقراطية البرجوازية و لقيام ديكتاتورية هاتين الطبقتين . لكن هؤلاء السادة إذ يتشبثون بصيغة لينين و اصطلاحه فانهم بالمقابل يبتعدون عن طريقة لينين و عن تحليله . لماذا غير لينين شعار الثورة و مهام الشيوعيين آنذاك ؟ .
لقد درس لينين الواقع الملموس للصراع الطبقي بروسيا في تلك الحقبة ، الواقع الحي مؤكدا في بداية الامر الى انه "...ينبغي استيعاب هذه الحقيقة التي لا جدال حولها و هي انه يترتب على الماركسي ان يحسب الحساب للواقع الحي ، لواقع الحياة الدقيقة ، لا ان يتشبث بنظرية الامس ، التي هي ، ككل نظرية ، لا تفعل ، في احسن الاحوال ، غير ان ترسم الجوهري ، العام ، غير ان تقترب من شمل تعقد الحياة .
" ان النظرية رمادية اللون ، يا صديقي ، و لكن شجرة الحياة خضراء الى الابد " 35.

و بعد ان يوضح هذه الموضوعات الاساسية في التحليل الماركسي سوف ينتقل الى دراسة " وقائع الحياة الدقيقة " ليكتشف ان مسار الثورة الروسية قد خلق شيئا آخر غير متوقع ، لقد خلقت تشابك بين سيادة البرجوازية و سيادة البروليتاريا و الفلاحين ، " تشابك اصيل الى اعلى درجات الاصالة ، تشابك جديد الى درجة انه لم يسبق له مثيل " هكذا تحدث لينين . و انه وسط هذا التشابك و هذا الازدواج في السلطة تتنازل ديكتاتورية البروليتاريا و الفلاحين ، بملء ارادتها عن السلطة للبرجوازية ، و تصبح ، بملء ارادتها عبارة عن ذيل للبرجوازية " 36.
بدراسته " لوقائع الحياة الملموسة "و جد لينين ان نزعة الدفاع عن الوطن اصبحت تسيطر على الفلاحين و الجنود في قلب السوفييتات بفعل نشاط المناشفة و الاشتراكيين الثوريين داخل هذه السوفييتات من جهة و بفعل الأساس الطبقي للفلاحين من جهة ثانية ، مشيرا عن حق أن " ...البرجوازية لا تبقى بواسطة العنف و حسب ، و انما تبقى ايضا بفضل رتوب الجماهير و همود همتها ، و عدم وعيها ، و عدم تنظيمها " و من هذا كله بات من الاوضح و من الضروري القيام بنضال عنيد داخل السوفييتات ضد النزعة البرجوازية الصغيرة و من الضروري الفصل في قلب هذه السوفييتات بين العناصر الشيوعية المنسجمة و بين العناصر البرجوازية الصغيرة المتذبذبة ، و هكذا فما جعل لينين يغير الشعار انما هو سيادة" نزعة الدفاع عن الوطن " ، النزعة الشوفينية وسط الفلاحين و بالتالي اتجاههم الى التعاون مع البرجوازية ، إن ذلك فرض رسم الحدود بين البروليتاريا و باقي حلفائها بشكل واضح و قاطع .
و هكذا رد لينين على كامينيف الذي اتهمه بالقفز على الثورة الزراعية قائلا " ...و من فادح الخطأ ان ننسى الحركة الزراعية و البرنامج الزراعي ، إلا أنه من فادح الخطأ ايضا ان ننسى الواقع الذي بين لنا [انه ] ... حدث تعاون طبقي ضد البرجوازية و الفلاحين " 37 و من هذا يكون كل " ... من يفصل من الآن ، فورا و نهائيا ، العناصر البروليتاريا في السوفييتات ... عن العناصر البرجوازية الصغيرة ، انما يعبر بأمانة عن مصالح الحركة ..."38 .
ماذا نستنتج من كل هذا ؟ هناك بعض " اللينينيون " قولا ، يستنتجون ان لينين تخلى عن التحالف مع الفلاحين و لا يجب من الآن فصاعدا على البروليتاريا سوى تقديم الدعم لهم لا التحالف معهم . و هذا الكلام يصدر خصوصا من من هم اقرب الى تروتسكي منه الى لينين رغم انهم يقولون عن انفسهم لينينيون و على كل فتروتسكي يقول عن نفسه هو ايضا بانه "لينيني" .
لكن الاستنتاج السليم الذي نراه في هذه المعركة التي خاضها لينين ضد " البلاشفة القدماء" هي ان الفلاحين هم قوة رئيسية في الثورة و لا يمكن نجاحها بدونهم لكن في نفس الوقت الفلاحون هم برجوازيون صغار في آخر المطاف و موقعهم الطبقي هذا يجعلهم يتذبذبون بين البروليتاريا و البرجوازية . اذن المهمة المباشرة التي تطرح وفق هذا التحليل ليس الابتعاد عن الفلاحين لان الابتعاد عنهم يعني بكل بساطة تسليمهم للبرجوازية كما دلت على ذلك الثورة الفرنسية و الالمانية و الروسية كذلك ، بل المهمة الملحة التي تبرز هي " السيطرة "على الفلاحين و تربيتهم خلال الثورة ، السيطرة بمعناها الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي . و هذا ما حققه الحزب الشيوعي بالصين على عهد ماو . و هو ما سوف نوضحه لاحقا .

--------------------

27- لينين :بعض خصائص تطور الماركسية التاريخي ص 154.

* : هنا نود ان نشير ان بعض الانتقادات لماو حول ديكتاتورية الطبقات الثورية تصدر من بعض الاشخاص الذين ينسبون انفسهم لستالين و هو لا يعلمون ان ستالين نفسه يقول بها فيا للسخرية .!!
28 – لينين : الانتهازية وافلاس الاممية الثانية ص 265.
29 – لينين : الامبريالية و الانشقاق في الاشتراكية .
30- موجز تاريخ الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي مصادق عليه من طرف اللجنة المركزية للحزب سنة1938.
31 – ماركس نقد برنامج غوتا .ص 25
32- ماركس نفس المرجع ص 26( التسطير اصلي ).
*- انظر على الخصوص مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية / رسالة الى الرفاق الالمان ..الخ .
33- رسائل حول التكتيك.
34- رسائل حول التكتيك.
35- رسائل حول التكتيك.
36- لينين : رسائل حول التكتيك.
37- لينين : رسائل حول التكتيك.
38- لينين : مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية .