6_اإميل دوركايم: الطبيعة الإنسانية والتنشئة الأخلاقية .


لطفي الإدريسي
2010 / 3 / 15 - 06:51     

افتراضات عن الطبيعة الإنسانية :
ربما ندرك شيئاً من الفهم لرؤية دوركايم عن الوعي بدراستنا لافتراضاته عن الطبيعة الإنسانية. وبالرغم من أنه قام بصياغة عدد من الافتراضات عن الطبيعة الإنسانية فقد أنكر دوركايم أنه فعل ذلك. وذكر أنه لم يبدأ بافتراض مفهوم معين عن الطبيعة الإنسانية ليقوم باستنتاج علم الاجتماع منه. على العكس، فهو من علم الاجتماع حاول الحصول على فهم للطبيعة الإنسانية. على كل، ربما كان دوركايم هنا أقل أمانة معنا وحتى مع نفسه.
لقد قام دوركايم بتحديد عدد من مكونات الطبيعة الإنسانية. على المستوى الأساسي فقد قبل وجود المحركات البيولوجية. لكن ما هو مهم لعلم الاجتماع اعترافه بأهمية الشعور الاجتماعي ويشمل" الحب، الإعجاب، الاهتمام والظواهر المصاحبة."اعتبر دوركايم البشر اجتماعيين بالطبيعة لأن "إن لم يكن الناس ميالين بالطبيعة لبعضهم البعض فإن كل المجتمع وعاداته ومؤسساته لن تنشأ أبداً." لكن هذه المشاعر لم تلعب دوراً نشطاً في علم اجتماعه لذلك أحالها إلى علم النفس. أحد الافتراضات الأساسية والذي لم ينل الاهتمام الكافي منه، هو أن البشر قادرون على التفكير " يختلف البشر عن الحيوانات، يقر دوركايم، بشكل أساسي لأن التصورات والأفكار تتداخل بين الميل الفطري والسلوك" افتراض آخر من افتراضات دوركايم الأساسية عن الطبيعة الإنسانية والذي يعتبر أساس علم اجتماعه ذلك الذى يقول أن البشر يتميزون بعدد من الدوافع الأنانية والتي إذا لم تلجم تشكل خطراً على أنفسهم وعلى المجتمع ككل.
يرى دوركايم أن لدى البشر مجموعة من النزوات التى إذا لم تكبح فإنها ستتضاعف للدرجة التى تستبعد فيها الفرد. هذا قاد دوركايم إلى تعريفه الغريب – على الأقل سطحياً – للحرية كسيطرة خارجية على النزوات. يكون الناس أحراراً عندما نحجم نزواتهم بقوى خارجية وأكثر هذه القوى عمومية وأهمية هى الأخلاق العامة. يمكننا القول أن كل صرح دوركايم النظرى، خاصة تركيزه على الأخلاق الجمعية يقف على هذا الافتراض الأساسي عن نزوات البشر. وكما ذكر دوركايم " النزوات تقود إلى الفردية وتستبعد كذلك " إن إحساسنا فردى بالضرورة وكلما تحررنا من إحساسنا كلما كنا شخصيين أكثر ويكون بإمكاننا أن نفكر ونتفاعل وفق مفاهيم " هذا الموضوع يظهر في تمييز دوركايم بين الروح والجسد والصراع الأبدي بينهما. الجسد يمثل النزوات والروح تمثل الأخلاق العامة. من الواضح أن دوركايم أراد لهذا الصراع أن يحسم لمصلحة الروح وليس الجسد.

بالنسبة لدوركايم تأتى الحرية من الخارج وليس من الداخل. هذا يتطلب وجود الأخلاق لتكبح النزوات لكن الحرية أو الاستقلال لها معنى آخر في أعمال دوركايم. ذلك هو أن الحرية تنبع من استبطان الأخلاق العامة التى تؤكد على أهمية واستقلال الفرد وفى كلتا الحالتين تكون الحرية خاصية للمجتمع وليس للفرد. وهنا كما في أماكن أخرى نرى إلى أية درجة ركز دوركايم على الحقائق الاجتماعية غير المادية. في هذه الحالة "الفردية الأخلاقية " على حساب العمليات العقلية.
يمكننا إدخال " التمثلات الفردية "ضمن افتراضات دوركايم عن الطبيعة الإنسانية. في حين أن التمثلات الجمعية تخلق بواسطة تفاعل البشر، فإن التمثلات الفردية تتشكل عن طريق تفاعل خلايا المخ. التمثلات الفردية أحيلت إلى علم النفس مثل العديد من أفكار دوركايم حول الوعي. هذا هو الجزء من عملية العقل الذى لم يرغب دوركايم في الغوص فيه وبذلك أصبح أكثر عرضة للهجوم عليه. مثلا ً ذكر جورج هومانز أن دوركايم أظهر فهماً محدوداً عن علم النفس يحصره في دراسة الغرائز. علم النفس اليوم ذهب إلى ما هو أبعد من دراسة الغرائز وغطى عدداً من الظواهر الاجتماعية التى كان سيعتبرها دوركايم جزءًا من علم الاجتماع. وخلص هومانز إلى أن " علم الاجتماع بالتأكيد ليس نتيجة لنوع علم النفس الذى كان في ذهن دوركايم " لكن من الصعوبة إن لم يكن من الاستحالة حسب رؤية هومانز الفصل بين علم الاجتماع وعلم النفس في الوقت الراهن.

التنشئة الأخلاقية :

آخذين في الاعتبار رؤى دوركايم عن النزوات الفطرية الإنسانية والحاجة لكبحها بواسطة الأخلاق العامة يجب أن لا نستغرب اهتمام دوركايم الشديد باستبطان الأخلاق الاجتماعية من خلال التنشئة والتربية. الأخلاق الاجتماعية توجد أساساً على المستوى الثقافي لكنها تستبطن بواسطة الفرد. وكما قال دوركايم إن الأخلاق العامة " تخترقنا " و " تكون جزءًا منا " في الأساس لم يكن دوركايم مهتماً بموضوع الاستبطان لكنه كان مهتماً بعلاقته باهتمامه بالمشاكل الثقافية والبنيوية في زمنه. لم يحدد كيف أن الأخلاق العامة تستبطن. كان مهتماً أكثر بما يؤدى إلى تدنى قوة استبطان الأخلاق في المجتمع المعاصر. جوهر الموضوع بالنسبة لدوركايم كان التدني في درجة التقييد الآلي الذى تمارسه الحقائق الاجتماعية على وعى الفرد. وكما أشار روبرت نسبت " لم يتخل دوركايم أبدا عن فكرته أن المجتمع الغربي الذى يعرفه يمر بأزمات كبرى وتلك الأزمات عبارة عن تحلل السلطة الأخلاقية في حياة الأفراد ". اهتمام دوركايم باللامعيارية في (الانتحار) و (تقسيم العمل في المجتمع) يعتبر تجلياً لذلك الاهتمام.
الكثير من أعمال دوركايم عن التربية والتنشئة عامة يمكن رؤيتها على ضوء اهتمامه بالتآكل الأخلاقي والإصلاحات الممكنة لإيقاف انتشاره. التربية والتنشئة عرّفت بواسطة دوركايم بأنها العمليات التى عن طريقها يتعلم الفرد أساليب مجموعة أو مجتمع ما واكتسابه الأدوات المادية والفكرية، وما هو أكثر أهمية لدوركايم الأخلاقية الضرورية للوجود الفاعل في المجتمع. التربية الأخلاقية لها ثلاثة جوانب مهمة: أولا ً ، هدفها هو مد الأفراد بالوسائل الضرورية لكبح النزوات التى تهدد بالإطباق عليهم وابتلاعهم. ثانياً، تمد الأفراد بالإحساس بالاستقلال لكنه استقلال خاص ومميز فيه "يفهم الطفل لماذا أن القواعد التى تنص على أشكال معينة من السلوك يجب "الرغبة فيها بحرية" أي " تقبلها عن طيب خاطر بفضل "التقبل المستنير " أخيراً، عملية التنشئة تهدف إلى تطوير إحساس بالإخلاص للمجتمع ونسقه الأخلاقي. جوانب التنشئة الأخلاقية هى مجهودات للسيطرة على التحلل المرضى لقبضة الأخلاق الجمعية على الفرد في المجتمع الحديث.
على المستوى العام جداً، كان دوركايم مهتماً بالطرق التى تقيد بها الأخلاق العامة الناس خارجياً وداخليا. من ناحية، الحقائق الاجتماعية غير المادية تقف خارج الناس وتشكل أفكارهم وأفعالهم. بالتأكيد الحقائق الاجتماعية لا تعمل على نفسها لكن فقط من خلال فاعل، ومن الأهمية بمكان الدرجة التى يقيد فيها الأفراد أنفسهم عن طريق استبطان الأخلاق الجمعية. وقد أوضح دوركايم أن " القوى الجماعية ليست خارجنا، إنها لا تعمل علينا من فراغ لكن بما أن المجتمع لا يمكن أن يوجد إلا في وعى الأفراد ومن خلاله، يجب أن تتخللنا هذه القوى وتنتظم داخلنا" بالإضافة لتوضيحه لعملية الاستبطان، فان المقتطف أعلاه يوضح مرة أخرى رفض دوركايم للعقل الجماعي بما أنه قد صرح بأن القوى الجماعية توجد فقط في وعى الفرد.
إرنست والورك قام بعمل ممتاز عندما وضّح أهمية استبطان الأخلاق في نسق دوركايم " العقل الطبيعي، كما لاحظ دوركايم لايمكن أن يأخذ بحكم أخلاقي من غير أن يعتبره ملزماً. القواعد الأخلاقية لها " خاصية ملزمة ". إأنها تمارس نوعاً من الصعود فوق الإرادة التى تحس أنها مقيدة باتباعها. هذا التقييد يجب أن لا يخلط مع القوة المادية أو الإجبار، الإرادة لاتجبر على اتباع المعايير التى تأخذها في الاعتبار حتى لو فرضت تلك القوى عن طريق الرأي العام. القيود الأخلاقية ليس لها مظهر أو ضغط آلي، لكن لها ميزة حميمية ونفسية. ولكن هذا الطابع لحميمي والنفسي للإلزام، على الرغم من ذلك، ليس أكثر من سلطة الرأي العام التي تتخلل مثل الهواء الذى نتنفسه، أعمق الأعماق لوجودنا. "قدم دوركايم مثالاً محدداً للقيود الداخلية في دراسته عن الدين " إذا تصرف الفرد بطريقة معينة تجاه الطواطم، ذلك ليس بسبب أن القوى الساكنة فيها لايمكن الشك فيها مادياً لكن لأن ذلك الفرد لديه الإحساس بأنه ملزم أخلاقياً ليتصرف على ذلك النحو، ولديه الشعور بأنه يطيع إلزاماً وأنه يؤدى الواجب "[ هذا الاهتمام بالاستبطان، التنشئة والتربية يمكن رؤيته في إطار الأثر المقيد للأخلاق الجمعية على الفاعل. وإذا كانت هذه القيود داخلية أو خارجية فإنها تتنزل للأخلاق العامة المسيطرة على أفكار الفعال الأفراد.
أفكار دوركايم المحدودة عن الوعي قادت العديد من الناس ليفترضوا أن نموذجه للفاعل هو ذلك الشخص المسيطر عليه بالكامل من الخارج – شخص مطيع كليا. بالرغم من أن هنالك الكثير الذى يدعم هذه الرؤية – وبعض علماء الاجتماع المحدثين في متابعاتهم لدوركايم تبنوا هذا الموقف – دوركايم نفسه لا يقر مثل هذه الرؤية المتطرفة للفاعل وهذا واضح في مقولته المثالية " الطاعة يجب أن لا ترفع إلى حيث أنها تخضع بالكامل القوى العقلية. لذلك فإنه لا ينطبق على الاعتقاد في الحاجة إلى النظام أنه يجب أن يكون اعتقاداً خانعا وأعمى " بالرغم من أن دوركايم ترك إمكانية حرية الفرد مفتوحة، فإن عمله يسير في اتجاه تحديد القيود الخارجية على الفاعل وأكثر من ذلك تفضيله لتلك القيود...