عبد الله العروي:ماذا نعني بالأطروحة الوطنية ؟


لطفي الإدريسي
2010 / 2 / 26 - 21:45     

إذا كانت الأطروحة الكولونيالية – كما رأينا – تسعى إلى تأكيد المسلمة التالية: وهي أن تاريخ المغرب هو تاريخ الصراع بين "الزوايا" و"المخزن"، كتجسيد لصراع أعم وأشمل هو صراع "القبيلة" ضد "الدولة"؛ فإن الأطروحة الوطنية التي جاءت كنقد لها، ستعمل على إثبات العكس والذهاب إلى اعتبار "الزوايا" مجرد أداة في يد المخزن أو "السلطة المركزية". بل أبعد من ذلك، فوجود الزوايا يبقى رهينا بوجود المخزن؛ وهو الذي يمنحها شروط الوجود والتجدر والاستمرارية. وفي هذا الإطار، فقد اجتهد الباحثون الوطنيون – ومعظمهم من المؤرخين – وعلى رأسهم الأستاذ عبد الله العروي، في تأكيد ذلك من خلال إعادة قراءة لتاريخ العلاقة بين السلطة المركزية (المخزن) والمجتمع بالمغرب الما قبل كولونيالي.
لقد كان الهدف من وراء ذلك واضحا بالطبع، وهو محاولة إثبات مسلمة حضور الدولة، بما يعنيه ذلك من سيادة كاملة على التراب ومن اندماج ديني، اقتصادي وسياسي لقبائل المغرب ومدنه في إطار "نظام السلطنة"؛ وإن كان هذا لا ينفي وجود بعض الاستثناءات العارضة. وفي سياق هذا التصور أيضا، تصبح الزوايا جزءا لا يتجزأ من النسق الإيديولوجي والسياسي لهذا النظام.
على هذا الأساس إذن، وانطلاقا من مسلمة حضور الدولة – التي حاول الخطاب الكولونيالي النيل منها وتفنيدها- سيعمد الأستاذ (عبد الله العروي) إلى إعادة النظر في العديد من القضايا والمفاهيم التي لها علاقة بالموضوع، من قبيل مفاهيم (المخزن، السيبا، القبيلة، الزاوية) وغيرها من المفاهيم التي ينبغي أن تصحح. وفيما يلي سنقوم هنا بإعطاء فكرة عامة وموجزة حول ذلك، مع الاكتفاء طبعا بالإحالة على دراستين للأستاذ عبد الله العروي، نراهما تحيطان بشكل شامل بأهم قضايا ومفاهيم وتصورات الأطروحة الوطنية في هذا الإطار
فبعد تساؤله حول مدى مشروعية الحديث عن حضور (الدولة) و(المجتمع) بالمغرب، يخلص العروي إلى أن هذا الحضور يؤكد نفسه، كما أن التركيز على المفهومين في التحليل، هو ضرورة تقتضيها منا مسألة إلغاء فكرة "غبار القبائل المستقلة" والسائبة – كما نشرته الكتابات الكولونيالية وألصقته بواقع مغاير لما قيل وما كتب عنه . وفي هذا الإطار، يقترح العروي تعريفا للمخزن يراه مختلفا تماما عن التعاريف التي أعطيت له من قبل، خاصة من طرف الكولونياليين؛ حيث ظل المفهوم محصورا – في إطار النظريات السوسيولوجية الكلونيالية – من داخل تعاريف ضيقة تطبعها الاختزالية والاقتصار على خصائص دون أخرى. على هذا الأساس إذن، وبرغم المعاني المتعددة التي اتخذها المفهوم (المخزن)، فإنه يمكن التمييز بين معنيين: المعنى الواسع للكلمة، الذي يبدو من خلاله المخزن كحضور وتجدر في كل المجتمع، وذلك بالاعتماد على قوى محلية مرتبطة بالمركز: (الزوايا، الشرفاء، الأعيان والخاصة، قبائل الكيش...)، ومعنى ضيق يكاد ينحصر في: (الجهاز البيروقراطي للحكم، الجيش، الإداريون وكل من يتقاضى أجرة من بيت المال).
وإذا كان من أبرز ممثلي هذا المعنى الضيق لمفهوم المخزن – حسب العروي – هم المستشرقون والباحثون الكولونياليون: (ليفي بروفنصال، لويس ماسينيون) وغيرهم ممن حاولوا تأكيد معادلة (المخزن يساوي دولة المدن)- كما دافع عنها الأنثروبولوجيون الإنقساميون أيضا - فإن الفهم العلمي يقتضي الأخذ بالمفهوم الواسع للكلمة. لعل هذا ما يمثله العروي وغيره من الباحثين الوطنيين بالطبع، ولندرج هنا هذا التعريف الذي يقترحه الباحث كرد على الكولونياليين والانقساميين على حد سواء :"فالمخزن بمعناه الواسع يتميز بخاصية أساسية تعطيه معناه ودلالته، فهو مؤسلم، عربي أو معرب، يفرض نفسه على القبائل وباقي المناطق غير الخاضعة بطريقة مؤكدة، مستندا في ذلك على القوى المحلية بما فيها "الزوايا" و"الشرفاء" .
وهكذا، تبدو معارضة هذه القوى المحلية – (وإن كانت) – نسبية ومحدودة، مادامت كمؤسسات محلية أو جهوية لها مكانها داخل المخزن؛ ولعل هذا ما تؤكده على الأقل: ظهائر التوقير والاحترام والهدايا المقدمة لهم من طرف هذا المخزن.
هكذا إذن يتحدد الدور الحقيقي للزوايا، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من نظام أعم وأشمل هو ما يمثله المخزن؛ وهنا بالذات ينبغي أن تفهم العلاقة بين ما هو محلي وما هو مركزي (السلطة المركزية) في نشاط الزوايا. فحسب الأستاذ العروي، فإنه وعلى الرغم من أن الزاوية هي المعبر عن مصالح المجتمع الذي تنشط في إطاره – بدفاعها عن المصالح الجهوية والمحلية ضد المخزن – فإنها، وبحكم تواجدها أيضا داخل هذا المجتمع، تسعى دائما إلى تقليص هذه الاستقلالية الذاتية (المحلية) وتجاوزها إلى مستوى ما فوق محلي، وهذا ما تمثله فعلا طبيعة علاقة الزوايا بالمخزن كتجسيد لتبعية "المحلي" لـ"المركزي"؛ حين تصبح هذه الزوايا كتمثيل للمخزن على مستوى محلي . وفق هذا التصور إذن، يجب التمييز جيدا بين الدور الاجتماعي والدور السياسي للزوايا. وهكذا، فإن الدور الاجتماعي للشريف (شيخ الزاوية) – حسب العروي – يبقى حاضرا باستمرار، وفي أي مكان يوجد فيه هذا الشيخ الشريف: في المدن وتحت سلطة السلطان المباشرة، أو حتى في المناطق القروية البعيدة عن السلطة المركزية؛ وهذا الدور يشجع عليه السلطان نفسه ويسنده لأنه يطمح دائما إلى استثماره لخدمة سياسته.
لكن، وعكس ذلك تماما، فإن الدور السياسي للشريف لا يوجد إلا إذا كان هذا الأخير – ولظروف تاريخية محددة – يتمتع بسلطة محلية ما، وبهذا يكون مرتكزا على الزاوية ويعمل من داخلها. ولعل هذا حال "الوزانيين" منذ القرن 17م، و"العمرانيين" في الأطلس المتوسط و"الكتانيين" في محاولاتهم مع أواخر القرن 19م. لكن وفي غياب قاعدة محلية، فإن الشرفاء لا يملكون سلطة سياسية إلا ما فوضه إياهم وأوكله لهم "كبير الشرفاء"، أي السلطان العلوي؛ وهنا بالذات يتحدد الدور الحقيقي للزوايا والشرفاء، كدور يظل "مرتبطا بكل النسق الإيديولوجي للسلطنة".
باختصار شديد، هذا هو موقف الطرح الوطني إذن، وهذا هو تصوره لعلاقة الزوايا بالمخزن، وهي علاقة ظلت تتأطر ضمن مفهوم أعم وأشمل هو ما تختزله (علاقة الدولة بالمجتمع) كما شهدها مغرب ما قبل المرحلة الكولونيالية. وقد كان هم هؤلاء متمركزا بالأساس حول ضرورة تفنيد مزاعم الطرح الكولونيالي، بما يتأسس عليه هذا الطرح من مسلمات، ليس أقلها: (مسلمة غياب الدولة بالمغرب الما قبل كولونيالي).
بطبيعة الحال، فنحن وإن كنا نتفق مع هذه الأطروحة – باعتبارها جاءت كنقد وتجاوز لمسلمات ذلك الطرح وتخريجاته الإيديولوجية المغرضة، فهذا لا يعني أننا نشاطر أصحابها نفس التصور الذي يحكم رؤيتهم وطريقة معالجتهم لطبيعة العلاقة بين "الزوايا" و"المخزن"، كما لا نتفق مع التعريف الذي يعطيه هؤلاء بالذات لمفهوم (الزاوية). وربما قد نكون هنا على صواب، إذا قلنا بأن موضوع الزوايا كان من أكثر الموضوعات التي تعرضت لتعسف الباحثين (كولونياليين ووطنين) على حد سواء، ولعل مصدر التعسف هذا قد يكمن – حسب تقديرنا – في الطريقة التي عولج بها الموضوع. إذ لم تدرس الزوايا في حد ذاتها كتنظيم قائم بذاته، ولم يتم كذلك البحث في تركيبة هذا التنظيم ومحيطه، أي في إطار علاقاته -كنسق- بالمجتمع الذي أفرزه وتفاعل معه أيضا؛ وكأن المجتمع هنا لا يعني شيئا بالنسبة لهؤلاء.
لقد غاب التحليل السوسيولوجي إذن، لإحدى أهم التنظيمات الدينية والسياسية – كما عرفها المجتمع المغربي منذ القرن 16م - ليترك المجال واسعا أمام اشتغال الإيديولوجيا، إذ لم تكن الإجابة عن سؤال: (ما علاقة الزوايا بالمخزن؟) – الذي أطر كلا من الطرحين – تقتضي أكثر من تأكيد لإحدى المسلمتين التاليتين: (مسلمة غياب الدولة) بالنسبة للطرح الكولونيالي و(مسلمة حضور الدولة)، بالنسبة للطرح الوطني. وبين هذا الطرح وذاك، ظل موضوع الزوايا – (ذلك الحاضر الغائب) – مجرد رقم في معادلة إيديولوجية بالأساس: فإذا كانت "الإيديولوجية الاستعمارية" قد رأت فيه ذلك الرقم الصعب الذي أربك حسابات المخزن وطموحاته في تثبيت أركان دولة حقيقية، تسندها سلطة مركزية قوية: (أطروحة الصراع بين الزوايا والمخزن)، فإن "الإيديولوجية الوطنية" ستسعى إلى عكس الصورة وقلب الأدوار، خاصة وأنها ستجعل من "الزاوية" مجرد رقم – (وأي رقم) – في معادلة "الدولة المخزنية" (أطروحة إخضاع الزوايا).