الدين، الفلسفة والعلم (5)


عبد الله أوجلان
2009 / 12 / 29 - 23:09     

وتتحول المدينةُ والتمايزُ الطبقي إلى اصطلاحاتٍ بارزةٍ مع النظام الرأسمالي بالأغلب. إلا أنّ إيضاحَ جذورها وأصولِها أَهَمُّ من ذلك بكثير. حيث من المحال إضفاءُ المعاني الكافيةِ على أيةِ علاقةٍ اجتماعية، ما لم تُوَضَّح جذورُها أو انبثاقُها. ولا يزال تكوينُ المدينةِ بعيداً عن أنْ يَكُونَ شبكةَ علاقاتٍ مفكَّكةٍ ومحلَّلةٍ كلياً. فهو هامٌّ بقدرِ أهميةِ ظهورِ الرأسمالية بأقلِّ تقدير، ويَستلزمُ الإيضاحَ والإنارة. وقناعتي الشخصيةُ هي أنه لن نَكُونَ على خطأٍ إذا ما أَسمَينا المدينةَ بالرأسمالية البدئية أو القَبْلِية. فكيفما أنّ السوقَ ساحةُ علاقاتٍ تواجدت وتَغَذَّت الرأسمالية اعتماداً عليها، فكذا يُمكن تعريف المدينة بأنها المكانُ الذي تطورت فيه السوق واستقرت. أما علاقةُ ذلك بموضوعنا، فتَكْمُنُ في كونِ المدينةِ الموطنَ والسوقَ الأكثرَ تقدماً للذكاء التصوري. وانطلاقاً من ماهيتها التسوقية، فالمدينةُ بذاتها مؤسسةٌ تقتضي الذهنيةَ التحليليةَ المجردة، بل وتَعمَلُ على إبرازِها أكثر فأكثر، وهي أداةُ تحقيقِ المجتمعيةِ المكثفة. كما أنها وسطٌ من العلاقاتِ التي تُسَرِّع من وتيرة التطورات التاريخية، حيث تَعمَلُ على عقلنةِ العالَمِ الميثولوجي والعالَم الديني، وتُسَرِّعُ من وتيرةِ بروزِ العِلمِ بقدرِ ما تُعَجِّلُ في تحريفه، وتُمَهِّدُ الطريقَ في الوقتِ نفسِه لظهورِ الفلسفة أيضاً. إنها تنشط بالأرجح عبر الذكاء التحليلي.
أما انعكاسُ العالَمِ المجرَّدِ للمصطلحات على الفن، فيُزيد من زهوِّ المدينة وبهائها، ويُلَقِّنُ ذهنيةَ المجتمعِ بعالَمِ الخيالِ والتصور المبتورِ عن الذكاء العاطفي، والذي يَصُولُ ويَجُولُ في أوساطِ العلاقاتِ الدعائية الزائفة والمضارِبةِ عبر شتى أنواعِ المصائد والمكائد، دون أنْ يأبهَ بأيةِ حدودٍ أو ضوابط. يتطور العقلُ في وسطِ المدينة. ولكن، ما هي ماهيته؟ أيُحَقِّقُ التنويرَ أم الظلامَ بالأكثر؟ لم تُعطَ أجوبةٌ صحيحةٌ كاملةٌ على هذه التساؤلات بعد. إنّ الحربَ والاستغلالَ، والسلطةَ والتحولَ الطبقي هي جملة العلاقات الرئيسية المُوَلِّدَةِ لمجتمعِ المدينة. وبقدرِ ما مَهَّدَت الطريقَ لظهورِ المتشبثين بالمنظور الطبقي بين سَوادِ المجتمع، فهي في الآنِ عينِه تكوينٌ يَنُمُّ عن إبادةٍ تامةٍ للبيئة. أما المجموعاتُ المعتمدةُ على الأرضيةِ الريفية، ورغم صِلاتِ تعابيرهم الميثولوجية والدينيةِ مع الذكاءِ التحليلي، إلا أنها تؤدي دوراً إيجابياً بالأرجح. فعوالمُهم العقائديةُ، وفي مقدمتها آلهتهم، إنما هي انطباعٌ لعوالمهم الحميمةِ الصادقةِ المفعمة بالعواطفِ الجياشة. إنها آلهةٌ صديقة، رحيمةٌ، غفورة، وعطوفةٌ، مثلما هي مُخَفِّضةٌ من وطأةِ الآلام، ومُيَسِّرةٌ للمصاعبِ الشاقة. وكلما تَمَدَّنَت الصياغاتُ الميثولوجيةُ والدينية، كلما أُضفِيَت على آلهتها صفاتُ المُجَرَّد، المُبتَلي والمُمتَحِن، المُعاقِب، والمُرغِم على التَّضَرُّع والتَوَسُّل؛ فغدت المؤذيةَ والمُعَذِّبةَ التي تُحَبِّذُ التحكمَ والتسلط. ما ينعكس هنا بالأصل هو ما يَحُلُّ بِعالَمِ السلعِ المعروضةِ في السوق. إنّ السوقَ وآلهةَ المدينة متداخلةٌ فيما بينها.
يتنامى التمايزُ الطبقي مع تمزقِ وتشتتِ أواصر المجموعاتِ السلطوية الهرمية العليا مع الكلانيةِ والقبائلية والعائلية والعشائرية، وفي مقدمتها روابطُ قرابةِ الدم. وكلما تَدَوَّلَت المجموعاتُ الفوقية، تتحولُ المجموعاتُ السفلية إلى مجموعاتٍ مأمورة. إنها مرحلةٌ تعسفيةٌ لا رحمة فيها، يَسُودُها فرضُ الاغترابِ عن الذات. وهي على علاقةٍ بتراجعِ مكانةِ الذكاءِ العاطفي. فبقدرِ ما تصبح الطبقاتُ المسحوقةُ تابعةً لمجموعاتِ الطبقة الحاكمة، بقدرِ ما تُشَرعِنُ الأخيرةُ هيمنتَها الذهنية، وبالتالي تصادِق على سفالتها. إنها لحظةُ وقوعِ المسحوقين في أسوأِ الأوضاعِ اللعينة. فالمصادقةُ على المستغِلِّ المستبِدِ تعني نقطة القاع في الحرمان من كِلا الذكاءَين. فالافتقارُ إلى الذهنيةِ يُعَبِّرُ عن أسوأِ الحالات والأوضاعِ الدنيئة المشينةِ داخلَ المجتمع. فبقدرِ ما يتواجدُ الذكاءُ التصوري الاستعباديُّ المجرَّدُ والطامعُ في القرابينِ والضحايا في قمةِ الهرم، يَكُونُ قد تَشَكَّلَ في القاع طردياً كَمٌّ متراكمٌ من محرومي العقل والجبناء والمتسولين العبيد.
وإذا ما قَسَّمنا التاريخَ إلى مراحلَ من البوابةِ الذهنية، فسيَكُونُ على الشكلِ التالي: العصورُ الأولى التي غَلَبَت عليها المرحلةُ الميثولوجيةُ والدينية (5000 ق.م – 500 م)، العصورُ الوسطى اللاهوتيةُ التي هي جميعةُ الدينِ والفلسفة (500 – 1500 م)، العصرُ الحديثُ الذي انفصلَت فيه الفلسفةُ عن العلم (1500 م – إلى يومنا الراهن).
إنّ قَولَبَةَ الميثولوجيا تُوَلِّد الدين. حيث لا يمكن نعتُ الميثولوجيا بالدينِ تماماً، لأنّ هذا الأخيرَ يتطلبُ العقائدَ الثابتةَ وأشكالَ العباداتِ التي لا تتغير، وهو تصوريٌّ كلياً. أي أنّ الإيمانَ بالتصوراتِ أساسُ الدين. والجانبُ الوحيدُ الإيجابيُّ فيه هو تَسَبُّبُه في بروزِ تصدعاتٍ غائرةٍ في المجتمعِ أثناءَ مرحلةِ الانتقالِ إلى الفكر المجرد، ليُرغِمَه على دخولِ الفكرِ العلمي والفلسفي، وتهيئةِ الأرضية له، وإنْ لم يرغبْ هو في ذلك. حيث يَتَطَوَّرُ الفكرُ الفلسفيُّ والعلمي مع الفكرِ الديني ضمن علاقاتٍ وأواصرَ جدليةٍ، لِيَحمِلا آثارَه العميقةَ في أحشائهما.
ورغمَ كونِ الفلسفةِ نابعةٌ من الذكاء الذي يَطفَحُ عليه الجانبُ التصوري، إلا أنها تَرتبطُ بالواقعِ الملموس عبر رَصدِه وملاحظته الدائمة. أي أنها لا تَقطَعُ صِلاتِها مع الذكاءِ العاطفي كلياً. وقُوَّتُها التجريديةُ من أرقى أشكالِ الفكر. لذا، فمكانتُها تسبق الدين بالمساهمةِ في العلم.
في الحقيقة، لا فوارقُ كثيرةٌ بين العلمِ والفلسفة، ويمكننا تفسيرُ العلم على أنه فلسفةٌ أساسُها التجريبي أكثرُ تقدماً. إنهما يسعيان لإضفاءِ المعاني على الطبيعتَين عن طريقِ الملاحظةِ والتجربة . وهذا هو الصحيح. إلا أنّ أفدحَ نقصٍ فيهما يَتَجَسَّدُ في عدمِ رَدِّهِما على سؤالِ اللميةِ الذي يطرحه الدين. ذلك أنّ إعطاءَ الرَّدِّ على سؤالِ الكيفيةِ في الطبيعة ليس بجوابٍ كافٍ لأجلِ الحياة. فاعتبارُ هذا الكونِ العملاقِ بلا لَمٍّ أو كيفٍ أو غايةٍ، ليس أمراً جديراً بالمَرام كثيراً. والعِلمُ الذي لا يُجيبُ على لَمِّيَّةِ الحياةِ لن ينجوَ من التحولِ إلى أداةٍ للسلطةِ الاستعبادية في نهايةِ المطاف. إني مضطرٌّ لِبَسطِ أطروحةٍ قويةٍ في فَرَضِيَّتِها القائلةِ بالعلاقةِ الكثيبةِ بين فصلِ العِلمِ عن الفلسفةِ والدينِ (فيما يتعلق بالتساؤلات اللمية والغائية )، وبين الذهنيةِ ذات الطابع الرأسمالي.
ويمكنني برهنة ذلك على النحوِ التالي: يُشَكِّلُ الدينُ والفلسفة، بل وحتى الميثولوجيا، ذاكرةَ المجتمعِ وهويتَه وقوةَ الدفاعِ الذهنيِّ لديه. إنه واقعٌ سوسيولوجيٌّ، حتى ولو تَعَرَّضَ للتحريفِ الزائدِ، بحيث يَغدو مُناقِضاً لذاته. أما المجتمعُ، وبالتالي عِلمُ ذاك المجتمعِ المنقطعةِ أواصرُه عن التاريخِ وذاكرتِه؛ فلن يَسعى إلا للتهافت على خدمةِ السلطةِ اليومية. وهذا ما معناه الرأسمالية. فالميثولوجيا والدينُ والفلسفة غدت لا تُساوي خمسةَ قروشٍ في الرأسمالية. لماذا؟ الجوابُ صريحٌ جداً. لأنّ الدينَ والفلسفةَ والملاحمَ الأسطوريةَ بَقِيَت بالمرصاد، وعلى مَرِّ آلافِ السنين، تِجاهَ العناصرِ الرأسمالية (المُرابِين، والمضارِبين المستنفعين من الفارقِ بين الأسعارِ المُختَلَّة) القابعةِ في كمائنها بين تصدعاتِ المجتمع وثغراته، وظلت تَدحَضُها وتنبذها، ولا تَعتَرِفُ بشرعيتها. من المحال أنْ تَتَصَدَّرَ الرأسماليةُ مكانتَها في المجتمع، ما دامَ الدينُ والفلسفةُ والأسطورةُ تُحافِظُ على منزلتِها في فكرِ المجتمع، وما دامَ الذكاءُ العاطفي يَتَّسِمُ بِوَزنِه وهَيبَتِه بين صفوفه. وما مِن سلطةٍ يُمكِنُها شرعنةُ الرأسماليةِ في وسطٍ تَسُودُه مثلُ هذه الذهنية، وبالتالي هذه الأخلاق. ولا يُمكِنُها الدفاع عنها كنظامٍ اجتماعيٍّ اقتصاديٍّ ترتكز إليه.
وعالِمُ الاجتماعِ ماكس فيبر يُعَرِّفُ المذهبَ البروتستانتيَّ المسيحيَّ بأنه عالَمٌ ذهنيٌّ هَيَّأَ الأوساطَ الذهنية لبروزِ الرأسماليةِ، ومَهَّدَ السبيلَ للانتقالِ إليها أخلاقياً. هذا التقييمُ، الذي له نصيبُه من الحقيقة، يمكننا انتقاده من جانبَين:
آ- البروتستانتيةُ بذاتها تعني الدينَ الأضعف، وهي قريبةٌ جداً من العِلمِ ذي النمطِ الرأسمالي. والأهمُّ من ذلك، أنها تَبتَدِئُ عصرَ الأديانِ القوموية. وهي ضربٌ من ضروبِ المرحلةِ التمهيدية للنزعةِ القوموية، التي هي بدورِها تُشَكِّلُ أيديولوجيا الرأسمالية بِشَكلِها الخالصِ المحض. والنظرُ إلى الحروبِ الدينيةِ العظمى في أوروبا من هذه الزاويةِ سيؤدي بنا إلى معانيَ متممةٍ أكثر.
والرأسماليون يَرَون أنها المرحلةُ الدينيةُ الأضعف، أو أنهم وَجَدوا إمكانيةَ النصر، ولأولِ مرةٍ، في هذه الأراضي المنتقلةِ حديثاً إلى البروتستانتية (هولندا، إنكلترا، والولايات المتحدة الأمريكية). هذه البلدانُ هي – في الوقتِ نفسِه – الأمكنةُ التي لاذَت إليها كلُّ أنواعُ التحريفِ والضلالِ المذهبي. لا أدافعُ هنا عن المذهبِ الديني الأرثوذكسي. بل مَرامي هو تبيانُ كَونِ الأخلاقِ البروتستانتيةِ هي الأخلاقُ الأضعفُ في المسيحية، ولهذا السبب أَصبَحَت مَعبَراً يسيراً. وفي هذه النقطةِ بالذات أختلفُ عن فيبر في الرأي. فما سَمَّاه هو بالإيجابي، أُفَسِّرُه أنا بالسلبي.
ب- ولو تَبَدَّى الأمرُ متناقضاً ظاهرياً، إلا أنّ الذهنيةَ الرأسماليةَ اكتسبَت شرعيتَها عموماً في المرحلةِ الأخيرةِ أو الأضعفِ والأوهنِ من المسيرةِ التاريخية الطويلةِ للذهنية الدينية. أنا لا أرى العِلمَ ثمرةً من ثمارِ التطورِ ذي الطابع الرأسمالي قطعياً. ما حصلَ هو تَزامُنُه مع مرحلةٍ تطوريةٍ مشؤومة. ألا وهي تَحَقُّقُ الثورةِ العِلميةِ والثورةِ الاقتصاديةِ الرأسمالية معاً في القرنِ نفسِه على وجهِ التقريب داخلَ أوروبا الغربية. وهذه المَعِيَّةُ الزمانيةُ قد انتَهَت بِمزَاعمِ مُنشِئي الذهنيةِ الرأسمالية أنّ الرأسماليةَ هي التي وَلَّدَت العِلمَ، لِيَضَعوا هذا الكذبَ المُرَوِّعَ مكانَ الحقيقة. لا شكَّ في أنّ الأفرادَ المساهمين في العِلمِ كانوا يعيشون في نفسِ المجتمعات التي تَسَارَعَ فيها تَقَدُّمُ الرأسمالية. لكنّ هذا الأمرَ لا يُفضي قطعياً إلى التوتولوجيا القائلةِ بأنّ الرأسماليةَ هي التي أَبرَزَت رجالَ العِلمِ للوسط. كان لِرجالِ العِلمِ تناقضاتُهم مع الفكرِ الديني، لكنّ غالبيتَهم لم يكونوا يتنازلون للذهنيةِ الرأسمالية أيضاً.
ما ينبغي قوله هو استفادةُ الرأسماليةِ من كافةِ الأنماطِ الفكرية، تماماً مثلما تُحَقِّقُ الربحَ وتُؤَمِّن رأسَ المالِ من المُضارَبات على المالِ والسلع. فهي تَزِنُ كافةَ الصياغاتِ الفكريةِ وتَكِيلُها، فَتَنتَقي ما يتواءمُ ومصالحَها، لِتَحتَكِرَها لنفسِها على شكلِ مدارسَ فلسفيةٍ أو دينيةٍ جديدة، وتَعرِضُها مجدداً في السوقِ تحت اسمِ الليبراليةِ أو الوضعية. والأكثرُ إيلاماً في ذلك هو نجاحُها في بيعِها بأرباحٍ طائلة، وكأنها قماشٌ جديدٌ مبتَكَر، أي جعلِها ذهنيةً مهيمنةً جديدة، وسلوكِها مهارةَ أو مكرَ الإثارةِ والترويجِ لها.
يُمكِنُ تعريف ذهنيةِ الرأسمالية من عدةِ نواحي. وأولُ ما علينا عملُه هو تعريفُها بِكَونِها تعني الليبراليةَ والوضعية، من جهةِ كونها توفيقيةٌ متمفصلة، تَأخُذُ شكلَ كلِّ القوالب، محفوفةٌ بخطرِ الخداع، فهي دوغمائيةٌ وثوقيةٌ أكثرَ من العقائدِ والقوالبِ الدينية الأكثرَ صرامةً، وأكثرُ هذياناً من الفلسفاتِ الأكثرِ تَجَرُّداً، مضارِبةٌ، ووثنيةٌ ضحلةٌ سقيمةٌ لدرجةٍ لم تَقَع فيها حتى الوثنيةُ بذاتها. وبينما تُخصي العِلمَ وتغتصبه عبر المدرسةِ الوضعية، فتُبرِزُه مقابلَ عالَمِ العقائد والأخلاق، فهي، ومن خلالِ الليبرالية، تُصَيِّر الدولةَ القوميةَ إلهاً ينخر المجتمع، ويُصَعِّدُ من الفرديةِ لدرجةِ ارتكاب الإبادة. لم تُوَلِّد أيةُ ذهنيةٍ دينيةٍ الحروبَ والقمعَ والتعذيبَ المبرح، بقدرِ ما فَعَلَت ذهنيةُ الرأسمالية. ولم يُوَلِّد أيُّ مجتمعٍ فرداً يماثلُ ما عليه ذهنيةُ الفردِ في المجتمعِ الذي انتصرَت فيه الرأسماليةُ، والمتسمةُ بهذا القدرِ من اللامبالاةِ، الانجرارِ الجَشِعِ وراءَ المصالحِ، الظلمِ، الإبادةِ العرقية، الصهرِ، والديكتاتورية.
والرأسماليةُ، باعتبارها النظامُ الاحتكاري المؤسَّسُ على دعائمِ دنيا المالِ والسلع، تُنشِئُ الذهنيةَ الماليةَ المعاصرة، لِتُقَيِّدَ المجتمعَ البشريَّ بقوالبَ ذهنيةٍ لا يمكنُ أنْ تَخطُرَ على بالِ أيِّ نمرودٍ أو فرعون؛ وبينما تَزُجُّ الإنسانيةَ العالميةَ للسجود أمام أوطأِ الأوثانِ سفالةً، فلا يمكننا حينذاك سوى الحديثُ عن الإفلاسِ الذهني وفسادِه وتفسخِه.
من الأهميةِ بمكان ملاحظة مضمونِ ذهنيةِ الرأسمالية عن قرب.
عليَّ أولاً الإيضاح بأنّ التعريفَ الأحاديَّ الجانبِ للرأسماليةِ ليس سوى محصلةٌ للنشاطات والعملياتِ الذهنيةِ في كَنَفِ التأثيراتِ الكبرى للنظامِ القائم. وبالمستطاعِ رؤيةُ مثل هذا التفسيرِ حتى لدى الماركسيين والفوضويين، الذين هم أكثرُ معارَضةً للرأسمالية، والزاعمين مزاولةَ السوسيولوجيا العلمية.
ولَرُبما كانت مَوضَعَةُ ماركس بِحَدِّ ذاته للبنيةِ التحتية الاقتصادية باعتبارِها منبعَ كلِّ الصياغاتِ الحقوقيةِ والسياسية والأيديولوجية، تأتي في مقدمةِ الأسبابِ الأولية لِفَشَلِ الاشتراكيةِ، التي تم خوض الصراعاتِ الضارية في سبيلها. من المهمِّ الإدراك جيداً أنه ما مِن جماعةٍ بشريةٍ قادرةٍ على إنشاءِ نمطِ الحياةِ المادية (الحياة الاقتصادية) وتَصيِيرِها نظاماً، ما لم تَتَعَرَّفْ على صياغةٍ ذهنيةٍ مُعَيَّنةٍ وتُجَرِّبها لمدةٍ طويلة. أما تحليلاتُ النظامِ المُبقِيَةُ على التطورِ الذهنيِّ مطموراً في الظلمات، فمن المحال أنْ تنجوَ من خدمةِ هيمنةِ تلك الأنظمةِ بالذات. الأمرُ هكذا، حتى لو أُنشِئَت على أسسٍ مناهِضةٍ ومعادِيةٍ بشدة. فالنظمُ المهيمنةُ السائدة تَعمَلُ أولاً على ضمانِ حاكميتِها عبرَ التمأسسِ الذهني والسياسي. ولا يمكن ترتيب شؤونِ الحياةِ المادية إلا بموجبِ هذا النطاق. أما مزاعمُ ماركس بقوله "إني أُقَوِّمُ وأُصَحِّحُ جدليةَ هيغل"، فهي – وعلى عكسِ ما يُعتَقَد – ضلالُه الوخيم، لا برهانٌ على صوابِه هو. لقد غدا مفهوماً للغاية كَونُ مثاليةُ هيغل، التي تُعتَبَر قمةَ الفكرِ الميتافيزيقي، من إحدى اللَبَناتِ الأساسيةِ المرصوفةِ على الدربِ المؤدية إلى الدولةِ القومية الألمانية. ومِن قَبلِه يأتي لوثر (مؤسسُ الأيديولوجية البروتستانتية)، وإيمانويل كانط (العاملُ أساساً بالذاتانية المثالية، وجزئياً بالأخلاقياتية، تجاه الموضوعانية الشيئانية الصارمة الفظة). في الحقيقة، وإن تَبَدَّى الأمرُ وكأنه متناقضٌ ظاهرياً، إلا أنّ كارل ماركس أيضاً قد استمرَّ على هذا النهج باسمِ البروليتاريا والنظامِ المناهِضِ للرأسمالية. والنتيجةُ هي انتهاءُ الأيديولوجيةِ (الذهنية) الألمانيةِ بالفاشية، وبقيادات من نموذج هتلر.
وأَفضَلُ مَن انتَبَهَ لهذا الخطرِ المحدِقِ في القضيةِ الذهنية، كان الفيلسوفَ الألمانيَّ نيتشه. فالنشاطاتُ الذهنيةُ على طرازِ نيتشه إنما هي مضادةٌ للحداثةِ الرأسمالية حقاً. إلا أنّ الخطأَ الأكبرَ يَكمُنُ في عدمِ تطويرِها وعدمِ تحويلِها إلى فلسفةِ السياسةِ وممارستِها العملية. أما المحاولاتُ والجهودُ المتأخرة، والتي بَذَلَها الفلاسفةُ الفرنسيون (دالاوز ، كواتاري ، ميشيل فوكو، وأمثالهم)، وكذلك الفيلسوفُ الألماني غرامشي ، فهي ناقصةٌ جداً، ولم تُتَرجَمْ إلى تمأسسٍ سياسي. وما تَحَقَّقَ أصلاً مع الاشتراكيةِ المشيَّدةِ لم يَكُنْ سوى الشراكةُ في الجُرمِ الموضوعيِّ باسمِ الجناحِ اليساريِّ للعصرنةِ الرأسماليةِ طيلةَ عقدٍ ونصف بأقلِّ تقدير. وتجربةُ روسيا السوفييتيةِ والصين برهانٌ صارخٌ على صحةِ حُكمِنا هذا. آَمُلُ أنْ أَستَفِيضَ في تناولِ هذا الموضوع في الفصولِ المعنية.
إنّ انتقاداتِ الفوضويين لولادةِ الرأسماليةِ نَيِّرةٌ في العديدِ من النواحي، وبالأخصِّ الكلاسيكيون الأوائلُ منهم، وفي مقدمتهم برودهون ، باكونين، وكروبوتكين. لقد كانوا قادرين على رؤيةِ أبعادها الأيديولوجيةِ والسياسية على نحوٍ أفضل. إلا أنّ عجزَهم عن النجاحِ في صياغةِ فلسفةٍ سياسيةٍ سليمةٍ وتمأسُسٍ صائبٍ، وإغفالُهم مواضيعَ الأخلاق والتاريخِ لم يُنقِذهم من التحولِ إلى سلعةٍ أيديولوجيةٍ بِيَدِ الرأسماليةِ في نهايةِ المآل. أَعُودُ وأبَيِّن أنه، إذا لم يتكاملْ أيُّ نشاطٍ ذهنيٍّ مع النشاطاتِ السياسيةِ والأخلاقية والتاريخيةِ القديرة، فلن يَنجوَ من الاستعمالِ على يدِ المناهِض له، والذي سيَعمَلُ إما على إفنائه، أو صهرِه وشَلِّ تأثيرِه. ولَكَم هو مؤسفٌ أنّ ما حَلَّ بالعديدِ من النشاطات الذهنية المضادةِ للرأسمالية كان مشاطرتَها القدرَ عينَه، حيث نرى أمثلةَ ذلك كثيراً في التاريخ (وفي مقدمتها المسيحية، البوذية، الزرادشتية، والمانوية). وأنوِّه على الفور أني لا أدَّعي بذهابِ هذه التعاليم والشرائعِ هباءً، أو أنه لا خلاصَ من هذا القدر. ولو كان الأمرُ كذلك، لما كانت هذه السطورُ قد كُتِبَت، ولا كانت أُضفِيَت المعاني النبيلةُ على أخلاقِ الحرية. ما أقومُ به هو مجرَّدُ الانتقاد.
إذا كان ثمة تَطَلُّعٌ وطموحٌ في بلوغِ نظامٍ ناجحٍ بديلٍ تجاه الرأسماليةِ الراهنة وركائزها التاريخية، أو بالأحرى تجاهَ الرأسماليةِ باعتبارها الطَّورَ الأخيرَ للمدنية ضمن سياقِها التاريخي المتكاملِ كلياً (حسب التعريفِ المُصاغِ لها)؛ فلا بد من تسييرِ نشاطاتِ فلسفةِ السياسةِ والتمأسسِ السياسيِّ ونشاطاتِ الحياةِ المادية على هدى دليلِ العملِ المتمثلِ في النشاطاتِ الذهنية، وضمن تكاملٍ متلاحمٍ كلياً، وبشكلٍ متداخل؛ مع رصفِ هذا السبيلِ بِلَبَناتِ العشقِ والهيامِ والشغف.
إلى جانبِ أهميةِ مكانةِ العنفِ السياسي والعسكري في بسطِ هيمنةِ النظامِ الرأسمالي، إلا أنّ ما يُؤَمِّنُ بقاءَه ورسوخَه أساساً هو أَسْرُ المجتمع، بل وشَلُّهُ، عن طريقِ صناعةِ الثقافة. وباستطاعتنا القولُ أنّ ذهنياتِ الجماعاتِ القابعةِ تحت تأثيرِ النظامِ القائم قد صُيِّرَت على حالٍ أسوأ من القِرَدَةِ القريبةِ من نوعِ الإنسان، بل وأكثرُ تخلفاً واستعداداً للتلاعب بها. وبالأصل، فالانتظامُ الموجودُ في حديقةِ الحيواناتِ مثالٌ صريحٌ ومفيدٌ للغاية في إنارةِ كيفيةِ ترتيبِ المجتمعِ برمته على غرارِ حديقةِ الحيوانات. فكيفما تَكُونُ الحيواناتُ في الحديقةِ موضوعاً للفرجة، كذا قامَ العديدُ من الفلاسفةِ بتشخيصِ كَونِ المجتمعِ قد صارَ مسرحاً للفرجة والاستعراض. ذلك أنه، وعن طريقِ الثالوثِ الصناعي: صناعةِ الجنس، صناعةِ الرياضة، وصناعةِ الفن والثقافة، يَتُمُّ قصفُ الذكاءَين العاطفي والتحليلي بشكلٍ متوالٍ ومتداخلٍ، لِشَلِّ تأثيرِهما كلياً عبر حملاتِ الدعايةِ الإعلامية المتواصلةِ والكثيفة، فيَكتَمِل بذلك غزوُ ذهنيةِ المجتمعِ المتفرج.
والأنكى أنّ هذا المجتمعَ أسوأ من أن يكون مستسلماً، فهو المجتمعُ الذي يُديره النظامُ ويُسَوِّقه كما يشاء. في الحقيقة، لَم تَفشَل الفاشيةُ في أولِ تجربةٍ لها في صنعِ مجتمعٍ متفرج. ربما قُضِيَ على زعماءِ هذه التجربة، إلا أنّ النظامَ القائمَ قد سادَ جميعَ الجماعاتِ والمجتمعات أثناءَ الحربِ الباردة وما بعدَها، وذلك عن طريقِ الدولةِ القومية والشركاتِ المالية العالمية. إنّ المرحلةَ المُعاشةَ تُضاهي غزوَ أعتى أنظمةِ الإمبراطورياتِ للمجتمعاتِ أضعافاً مضاعفة، وعلى رأسِها السومرية، المصرية، الهندية، الصينية، والرومانية. من الضروريِّ الاستيعاب جلياً أنّ مرحلةَ الإمبراطوريةِ الرأسمالية تُشَكِّلُ ذروةَ هيمنتِها (مقارنةً بالمراحلِ الاستعماريةِ والإمبريالية السابقةِ لها)، وأنه، وبالرغم من معاناتِها الشديدةِ من معالمِ الفوضى والتفسخِ والاهتراءِ موضوعياً، إلا أنها تَسعى لتلافي هذه الحقيقةِ الواقعةِ، عبر تَلاعُبِ نظامِها بالمجتمعِ بشكلٍ متواصل، أي بِجعلِ الهيمنةِ الذهنيةِ دَرباً مسدوداً لا نفاذَ منه.
من أبرزِ المؤثراتِ في الوصولِ إلى هذه النقطةِ هي – مثلما ذَكَرنا آنفاً – تَصنيعُ الجنسانيةِ وعرضُها. فأقحَمَت البشرَ في حالةٍ يَبحثون فيها عن النجاح في قوةِ الجنس. بَيْدَ أنّ الجنسانيةَ في جميعِ الكائناتِ الحيةِ ذاتُ وظيفةٍ فعالةٍ ومفيدةٍ في معرفةِ الحياةِ وتخليدها. وبالإمكان تعريف وظيفةِ الجنسانيةِ على هذا المنوال، بدءاً من الكائناتِ الوحيدةِ الخلية، وصولاً إلى النوعِ البشري. بالتالي، فهي ثمينةٌ ومقدسة. وقد اتَّخَذَت الجماعاتُ البشريةُ هذا النمطَ من التفسيرِ أساساً لها على مَرِّ التاريخ. وجميعُ البحوثِ الأنثروبولوجيةِ تُؤَكِّدُ صحةَ هذا التفسير. وإنْ كان ثمة علاقةٌ أو علاقاتٌ يَستحيلُ تَبضِيعُها (تصنيعها)، فالعلاقاتُ الجنسيةُ تأتي في مقدمتِها، ذلك أنها معنيةٌ بقدسيةِ الحياة وسُمُوِّها وديمومتِها. وهي مفعمةٌ بالأغلب بمسؤوليةِ عدمِ الانحرافِ كي لا تُشَكِّلَ خطراً يهددُ أنماطَ الحياةِ الأخرى.
بالمستطاعِ القول أنّ الاستغلالَ الجنسيَّ مِن أهمِّ وسائلِ النظام في بسطِ هيمنتِه. فهو لَم يَقتصر على تبضيعِه وتصييرِه صناعةً عملاقةً، بل وقامَ بتمييعِ ألوهيةِ فالوس الهندية في المجتمع، وحوَّلها إلى دينِ الهيمنةِ الجنسانيةِ الرجوليةِ، بحيث تُضارعها أربعين مرة. ونخصُّ بالذكرِ مكانةَ هذه المؤشِّراتِ الدينيةِ الجديدةِ لدى كلِّ رَجُلٍ باعتبارِها حجر الزاوية في الفنون، وعلى رأسِها الآداب؛ لِتَتَحَوَّلَ إلى أدواتِ تخديرٍ بكلِّ معنى الكلمة. وكأنّ المخدراتِ الكيميائيةَ أصبحَت صِفراً على الشمالِ مَقابلَ دينِ الجنسانيةِ الجديدِ ذاك. وتَحَوَّلَ كلُّ أفرادِ المجتمع إلى مخلوقاتٍ شاذّةٍ جنسياً عن طريقِ حملاتِ الدعايةِ الإعلامية (التي لا تَقتَصِرُ على الدعاياتِ المألوفةِ عادةً). الجميعُ يُستَخدَم دون أيِّ تمييزٍ بين شابٍّ أو عجوزٍ أو حتى طفل. أما المرأةُ فَصُيِّرَت موضوعاً Nesne جنسياً هو الأكثر تطوراً، حيث حُكِمَ عليها بذهنيةٍ، وكأنها لن تساويَ قرشاً واحداً، إنْ لم تُذَكِّر كلُّ ذرةٍ فيها بالجنس. وتَحَوَّلَت بؤرةُ العائلةِ المقدسةِ إلى صومعةٍ جنسية. ولم يَتَبَقَّ من الأمِّ والإلهةِ المقدسةِ سوى "زوجات شمطاوات" لا فائدةَ تُرجى منهن، قابعات في زوايا مهملة. إنه وضعٌ مؤلمٌ ومؤسفٌ حقاً. أما تَصييرُ المرأةِ أداةً جنسانيةً تماماً مع التلقيحِ الاصطناعي، فقد بَلَغَ بالمرحلة ذروتَها.
وانطلاقاً من طبيعةِ النظامِ القائم، ثمة وضعٌ مناقضٌ تنامى لحدودٍ لا تُطاق. فالرغبةُ في الحظيِ بأولادٍ كُثُر – وبالأخص الذكورُ منهم – باعتبارِها ضمنياً من تقاليدِ المجتمعِ الأبوي، قد أَسقَطَت النساءَ من الطبقاتِ السفلى إلى مستوى آلةٍ لإنجابِ الأطفال، وخاصةً مع ظهورِ التقنياتِ الطبيةِ الأخيرة. وهكذا، يُوضَعُ موضوعُ تربيةِ الأطفالِ بكلِّ عِبئِه الثقيلِ على كاهلِ الفقراءِ لتلبيةِ الحاجةِ في توفيرِ الأيدي العاملةِ الشابةِ من جهة، ولخَلقِ رعونةٍ وبلادةٍ عائليةٍ لا يمكن النفاذُ منها من الجهةِ الأخرى. أي، تُصابُ عدةُ عصافير بحجرٍ واحد. فبينما يَعمَلُ الرجلُ والمرأةُ من الطبقاتِ العليا على تمييعِ مصطلحِ الابنِ والبُنُوّة عبرَ الجنوحِ إلى المولودِ الاصطناعي، أو تَبَنِّي الأطفالِ وتربيةِ الحيواناتِ لِتلافي نواقصِهم؛ فهم يَجهدون بالمقابل على البقاءِ جنسانيين لأبعدِ الحدود، لِيُغشى عليهم بِتَحويلِهم دينَ الجنسانيةِ الجديدِ إلى طقوسٍ وشعائرٍ مقدسة. والمحصلة؛ تضخمٌ سكانيٌّ لا يُطاق ولا معنى له، بطالةٌ لا نظيرَ لها في أيةِ مرحلةٍ من مراحلِ التاريخ، وأزمةٌ بيئويةٌ فريدةٌ من نوعها؛ لِيَصِيرَ الإنسانُ في وضعٍ لا يُطيقُ تَحَمُّلَ عبئِه إطلاقاً. عليَّ التنويهُ إلى أني أفكرُ بتناولِ كيفيةِ التغلبِ على هذه القضيةِ وضبطِها في فصلِ "سوسيولوجيا الحرية".
يأتي تصنيعُ الثقافة، وبمعنى آخر إنتاجُها السلعيُّ المتفشي، في المرتبةِ الثانيةِ من بينِ أكفأِ أدواتِ العبودية. فالثقافةُ تعني بنطاقِها العامِّ العالَمَ الذهنيَّ للمجتمعات، وتتألفُ أساساً من ثالوثِ الفكرِ، الانتقاءِ القائمِ على الإعجاب، والأخلاق. أما محاصَرَةُ عناصرِ الثقافةِ تلك، وشراؤها على يَدِ السلطةِ السياسية والاقتصادية داخلَ كنفِ النظام القائم، فهو عملٌ يتحققُ على طولِ مئاتِ السنين. فتَكبيلُ العناصرِ الثقافيةِ بأوتادٍ وطيدةٍ ضرورةٌ لا مفرَّ منها على مَرِّ التاريخِ الحضاري برمته، بغرضِ تأمينِ الشرعيةِ اللازمة. ولا تتأخرُ الزمرُ الاقتصاديةُ والسلطويةُ إطلاقاً عن الانتباهِ إلى هذا الأمرِ مبكراً، واتخاذِ التدابيرِ تجاهه. ويمكن إرجاعُ صهرِ الثقافة على يدِ السلطات إلى مراحلِ تأسيسِ الهرميات. إنها الوسائلُ الأساسيةُ لمهنةِ الإدارة. ذلك أنهم لن يستطيعوا إدارةَ الاحتكاراتِ الاقتصاديةِ والسلطوية، ما لم يَبسطوا الهيمنةَ الثقافية. في حين أنّ النظمَ المعتمدةَ على العنفِ والاستعمار والاستغلال، لا يمكنها الحفاظُ على بقائها عبرَ النهب والسلبِ بالعنف إلا لمدةٍ قصيرة، إلى أنْ ينتهي ما يمكن نهبُه وسلبُه. وحينها، إما أنْ تتنازعَ فيما بينها، أو أنْ تنهارَ وتتشتت.
يتميز دورُ الثقافةِ بأهميةٍ حياتيةٍ في المدنيةِ الرأسمالية، باعتبارها الحصيلةُ الذهنيةُ لكافةِ الميادينِ الاجتماعية. حيث تَعمَلُ أولاً على صهرِ الثقافة (أَقْلَمَتِها ومواءمتِها مع السلطةِ الاقتصادية والسياسية)، ومن ثَمَّ تُصَيِّرُها صناعةً في سبيلِ نقلِها على أوسعِ النطاقاتِ وبكثافةٍ مرتفعةٍ إلى جميعِ الجماعاتِ في أرجاءِ المعمورة (الأمم، الشعوب، الدول القومية، المجتمع المدني، والشركات). وبتشييءِ الميادينِ الأساسية، وعلى رأسِها الآدابِ، العلومِ، الفلسفاتِ، الحقولِ الفنية الأخرى، التاريخِ، الدينِ، والحقوق؛ تَكُونُ قد بَضَّعَتها. أما الكتبُ، الأفلامُ، الجرائدُ، الفضائيات، الانترنيت، والإذاعاتُ وغيرُها من الوسائل، فتؤدي دورَ سلعِ هذه الصناعة. وبالإضافةِ إلى تمهيدِ هذه البضائعِ الثقافيةِ السبيلَ لإدرارِ أرباحٍ طائلة، فإنّ وظيفتَها المدمرةَ الأساسيةَ تتمثلُ في تحقيقِ أَسْرِ الذهنيةِ بأبعادٍ لا نظيرَ لها على مَرِّ المسارِ التاريخي، لِتتلاعبَ في نهايةِ المطاف، بعدَ أنْ تَكُونَ قد بَنَت من الطبقاتِ والأممِ والعشائرِ وشتى أنواعِ الجماعات جماهيراً تَغدو في حالةٍ أسوأ من حالِ الأبقار والمواشي، مفتقدةٍ لكل معانيها، وباختصار، خاوية المضمون، عديمةِ الملامح والشكل، وقريبةٍ في نَهَمِها إلى شهواتِ القِرَدَة. والبَنَّاؤون المشرفون على ذلك هم الدولُ القوميةُ والشركاتُ العالمية والاحتكاراتُ الإعلامية. ولا يَهُمُّهم من شؤونِ المجتمع شيءٌ أكثر من جنيِ الأرباحِ منه واستهلاكِه. فحتى الشرائحُ التي أُفقِرَت، أصبحَ لا هدفَ لها تُفَكِّرُ به سوى ربحُ المالِ الكثيرِ يوماً ما، لتعيشَ على هواها.
لننتبهْ إلى أنّ الإفقار يُستَعمَل كظاهرةٍ ثقافية. فبينما كان الإفقارُ دافعاً وباعثاً على التمردِ والعصيانِ في العصورِ الوسطى التي لا نُعجَب بها، فإنّ تَصيِيرَ التهافتِ على الأجرِ والمعاشِ هدفاً أولياً في كنفِ الهيمنةِ الثقافية الرسمية، إنما يَدُلُّ على الانتصارِ الثقافيِّ للنظامِ القائم.
والجانبُ الوخيمُ الأخطرُ في الهيمنةِ – وبالتالي الأَسْر – التي تُحرِزُها الصناعةُ الثقافية بالتداخلِ مع صناعةِ الجنس، يكمن في عيشِها طواعيةً، بل وتَسمِيتِها بانفجارِ الحرية. مؤكَّدٌ – بلا أيِّ شك – أنّ هذا يُشَكِّلُ الركنَ والعِمادَ وأداةَ الشرعنةِ الأقوى التي تَستَنِدُ إليها الإدارة الحاكمة. فمرحلةُ الإمبراطوريةِ الرأسمالية غيرُ ممكنةٍ إلا بالصناعةِ الثقافية. بالتالي، فالكفاحُ تجاه الهيمنةِ الثقافيةِ تقتضي أعسرَ وأصعبَ أنواعِ الصراعِ الذهني. وما من إمكانيةٍ لإحرازِ النجاحِ أمامَ أيِّ كفاحٍ في سبيلِ الحرية والمساواةِ والديمقراطية، ما لَم يُنَظَّمْ هذا الكفاحُ ويُصَعَّد شكلاً ومضموناً في مواجهةِ الحربِ الثقافيةِ التي يَشُنُّها النظامُ القائمُ عبر الغزوِ والصهرِ والتصنيعِ الذهني. سأجهدُ لطرحِ مثل هذه القضايا أيضاً في "سوسيولوجيا الحرية" بإسهابٍ مستفيض.
منذ البدايةِ والألاعيبُ الرياضيةُ قد اكتَسَبَت وظيفتَها في المجتمعاتِ بِكَونِها لعبة الاستعدادِ والتأهبِ للمشاركةِ في الحياةِ بنجاح. إنها تؤدي دورَها كضربٍ من ضروبِ التعوُّد على المجتمعية وتكييفها معها. ونلاحظ أنّ الرياضةَ قد بدأَ تصنيعُها بعدَ تفسخِ واهتراءِ الإمبراطوريةِ الرومانية على وجهِ الخصوص. وهذا هو شأنُ مؤسسة المُصارَعةِ والمُجالَدة.
وقد فَرَضَت الرأسماليةُ التحامَ الرياضةِ بالسلطة منذ البدايةِ (عبر احترافها)، وهدمِ جوهرِها الهاوي، وبالتالي تَصنيعِها. إنها ميدانٌ تخديريٌّ مُبَضَّعٌ هام. وبدلاً من أنْ تَكونَ مجالاً للمشاركةِ في المجتمعِ على أساسِ المعنوياتِ العالية والقوة الجسديةِ المتينة، أصبحَت ميداناً لجنيِ المال، وإثارةِ المنافسةِ بتهورٍ طائشٍ في سبيلِ ذلك، وبالتالي، صارَ المجتمعُ في وضعِ المتفرجِ السلبي. لقد استشرَت ثقافةُ حَلَبةِ الصراع (الرميُ بالإنسان لقمةً سائغةً في فمِ الأُسُود، وجناياتُ المُجالِدين) واستفحلَت في جميعِ حقولِ الرياضة. أما تحطيمُ الرقمِ القياسي، والتصفيق، فهما التصوران السائدان فيها. وأنْ تَكُونَ منتمياً لفريقٍ ما، أصبحَ أهمَّ بكثير من الانتماء إلى دينٍ أو فلسفة. كذا الأمرُ بالنسبةِ للانحيازِ إلى فريقٍ ما، حيث أصبحَ مَرَضاً متفشياً. وهكذا يَكُونُ الحكامُ قد بَلَغَوا وسيلةً فعالةً أخرى من وسائلِ التحكم السهل. وعلى سبيل المثال، أيُّ دينٍ أو فلسفةٍ يمكنها تأديةُ الدورِ الذي تؤديه كرةُ القدمِ بالنسبةِ إلى الحكام؟
وبتقييمٍ فظٍّ يمكننا القولُ أنه، وبتصنيعِ هذا الثالوثِ (الجنس، الثقافة والفن، الرياضة)، يَكونُ فَنُّ الحكمِ قد بَلَغَ ذروتَه. ومن غيرِ المحالِ إنشاءُ حكمِ رأسِ المالِ العالميِّ أو سلطةِ الدولةِ القومية، ما لَم تُصَنَّع هذه الميادينُ الثلاثة. أَعُودُ وأُشَدِّدُ على أني لا أَقُومُ بِذَمِّ وانتقادِ الجنسِ أو الثقافةِ أو الرياضةِ كظواهرَ قائمةٍ بذاتها. بل أنتقدُ تمييعَ وتصنيعَ هذه الميادينِ الحياتيةِ والحيوية في النشوءِ الاجتماعي وتأمينِ ديمومته.
أما العالَمُ الافتراضيُّ المُسَيَّرُ على يَدِ الأجهزةِ الإعلاميةِ كأساسٍ وطيدٍ للهيمنةِ الذهنية الرأسمالية، فهو وسيلةٌ ذهنيةٌ أخرى جِدُّ هامة. فتَحَوُّل الحياةِ إلى خيالٍ افتراضي، يعني وصولَها أقاصي حدودِ العقلِ التحليلي. ولدى عَرضِ حادثٍ مُرَوِّعٍ كالحربِ على نحوٍ افتراضي، فمن غيرِ الممكن ألا تُفسِدَ الأخلاقَ لوحدها. قديماً كان يُقال عن الحياةِ التي لَم يُجَرِّبها الإنسانُ بذهنِه وجسدِه بأنها حياةٌ زائفة. ولا يمكن أنْ تنجوَ الحياةُ من الزيفِ والرياء بإضافةِ اسمِ الافتراضِ عليها. لا نتهم هنا تطور التقنياتِ المؤديةَ إلى الحياةِ الافتراضية بِحَدِّ ذاتها، بل نقوم بإعادةِ تناولها وتقييمها بخصائصها التي تَشُلُّ ذهنَ الفرد. إنّ التكنولوجيا المُتحَرِّرَةَ من قيودها مِن أخطرِ الأسلحةِ الفتاكة. والمؤثرُ الأوليُّ الذي يَفرضُ وجودَ الحياةِ الافتراضية هو تَحَكُّمُ الرأسماليةِ بالتقنية، وحاجتُها لإدارةِ الملايين من البشر. حيث لم تَعُد الحياةُ تُطاق، لأنها دوماً تتحولُ إلى افتراضٍ، والذي يعني فيما يعنيه الموتَ منتصباً. وما التشابهُ والمحاكاةُ سوى حالةٌ ملموسةٌ للغاية عن الحياةِ الافتراضية. ولكن، لا يَحصُلُ الإنسانُ على المعرفةِ عبر محاكاتِه وتَشَبُّهِه بكلِّ حادثٍ أو علاقةٍ أو إنجاز. ولا يمكن إحراز التقدمِ بتقليدِ جميعِ المنجزاتِ الحضارية. ما يتحقق هنا هو هيمنةُ ثقافةِ التقليد والمحاكاة. لكنّ التباينَ والاختلافَ المخفي في ثنايا جوهرِ الحياة لا يُطيقُ التكرارَ بتاتاً. حتى التاريخُ لا يكررُ نفسَه. فالتقليدُ ضدّ التقدم. في حين أنّ الحياةَ الافتراضيةَ ترتكزُ إلى التقليدِ اللامحدود. ذلك أنّ الكلَّ يُقَلِّدون بعضَهم، فيُشابِهون بعضَهم. وهكذا تُخلَق قطعانُ الماشية. فعصرُ التمويلِ لا يمكن عيشُه بدونِ الحياةِ الافتراضية. ولا يمكن إدارتُه إلا بسيادةِ الحماقةِ والغبنِ بلا حدود، والذي لا يتحققُ بدوره إلا مع الحياةِ الافتراضية.
أما الحدُّ من ذلك، فهو المَهَمَّةُ الأوليةُ للحياةِ الحرة. فتعريفُ الحياةِ الحرة وتنظيمُها ضرورةٌ اضطراريةٌ لا غنى عنها، كي تَبقى المجتمعاتُ محافِظةً على تماسكِها ورصانتِها. وأغلبُ القضايا التي ينبغي على سوسيولوجيا الحريةِ أنْ تُجيبَ عليها تَكمنُ في هذا المجال.
يمكننا شرح نجاحِ النظام هذا من عدةِ نواحي.
أولاً؛ إرخاءُ العلاقاتِ والروابطِ الوظيفيةِ للمجتمع مع الأخلاق والدين، وإسقاطُهما إلى المرتبةِ الثانية عبر الحقوقِ العلماني، وبالتالي إخضاعُهما وتكبيلهما، بحيث لا يبقى لهما مجالٌ الحِراكِ سوى لخدمةِ النظامِ القائم. فالحقوقُ والعلمانيةُ في جوهرهما وسيلتان لتأمينِ انتقالِ المراقبةِ الاجتماعية إلى قبضةِ السلطةِ الرأسمالية. فالنظام الذي يَجُرُّ الشرائحَ الأرستقراطيةَ والأقنانَ على السواء من المجتمعِ القديمِ إلى رأسِ مالِه وقواه العاملة، يقومُ بتصفيةِ أمورِها عبر سلاحِ الحقوق والعلمانية، كي يُشَكِّلَ منها قوةً احتياطية. إنه لا يَفنيها كلياً لأنه بحاجةٍ ماسةٍ إليها، باعتبارها الأدوات المستَخدَمة كثيراً على يدِ المدنية، وباعتبارها الكلمة الفصل بيد المدنية؛ ولكنْ، بشرطِ ألا تُشاطِرَه سلطتَه الاقتصاديةَ والسياسية، وألا تُعَرقِلَ مسيرَتَه. وعن طريقِ هذه الإجراءات تتحولُ دولةُ الحقوق والإصلاحِ في الدين إلى مظاهرَ أساسيةٍ للحداثةِ الرأسمالية، فيؤديان بذلك أدوارَهما الأصليةَ وكأنهما الوسيلتان الأساسيتان للانتقالِ إلى وضعِ الاقتصادِ والمجتمع بحالتهما الرأسمالية. وهما في الوقتِ نفسِه وسيلتان لحلِّ مشاكلِ ذهنيةِ النظامِ.
ثانياً؛ "الأسلوبُ العلمي". وكأنّ الفصلَ بين الذاتِ – الموضوع مفتاحُ الهيمنةِ الذهنية. فمبدأُ الموضوعانية الشيئانية، الذي يَبدو ظاهرياً وكأنه ضرورةٌ لا غنى عنها في الأسلوبِ العلمي، هو في الحقيقة مرحلةٌ تمهيديةٌ ضروريةٌ لأجلِ هيمنةِ الذاتانية المثالية. فأنْ تَكُونَ ذاتاً فاعلة شرطٌ لازمٌ لأجلِ الحكم والإدارة. وبطبيعةِ الحال، ما يقعُ على عاتق المأمورين أنْ يَكُونوا موضوعاً شيئياً. وكينونةُ الموضوعِ تعني التشيؤَ والخضوعَ للإدارةِ الحاكمة كالأشياء. إذن، فالأشياءُ، وبالتالي الموضوع باعتباره الطبيعة، إنما هي تعبيرٌ أسلوبيٌّ عن بلوغِ الذاتِ حالةَ التحكم كما تهوى وتشاء، بل وتفعلُ ذلك وكأنها مبدأُ "آمنتُ" في العِلم (أي، من مُسَلَّمات العلم). تمتد جذورُ الفصلِ بين الذاتِ – الموضوع إلى عهدِ أفلاطون. ذلك أنّ أفلاطون، ومن خلالِ عالَمِ "المُثُل" الشهيرةِ لديه، شَكَّلَ أساسَ كلِّ التمييزاتِ والفوارق على نحوِ ثنائياتٍ تشتملُ الانعكاساتِ البسيطة. في حين أننا نشاهد أُسُسَه الميثولوجيةَ بشكلٍ خارقٍ في المجتمعات السومريةِ والمصرية. فأصولُها الأصليةُ تتجسدُ في السموِّ الإلهيِّ للهرميةِ العليا، وتبجيلِها، وبالمقابل في استعبادِ واسترقاقِ الذين في القاع. فالتعبيرُ الذهنيُّ عن ثنائيةِ الخالق – المخلوق وقرينة الآمِر – المأمور (الحاكم – المحكوم) قد تَطَوَّرَت شيئاً فشيئاً على شكلِ: الإله – العبد، الكلام – الشيء، المُثُل الفاضلة – الانعكاسات البسيطة؛ لِتَبلُغَ تدريجياً الفصلَ بين الذات – الموضوع. وكذا الفصلُ بين الروح – البدن يندرجُ في هذا الإطار. أما المعنى السياسيُّ لذلك، فهو إنكارُ الديمقراطية، وفتحُ السبيلِ أمامَ الأوليغارشيةِ والمونارشية.
ينبغي الإدراك تماماً أنّ الذهنَ التحليليَّ قد بلغَ أكثرَ أنماطِه حيلةً وتآمراً ومكيدةً مع الرأسمالية. والبورصة مثالٌ صارخٌ على هذه الحقيقةِ الواقعة. والذكاءُ المُضارِبُ (التصوري) هو مجالُها الذي يَدُرُّ عليها الأرباحَ الطائلة. أي أنّ المُضارَبةَ والذكاءَ التصوريَّ يغدوان توأماً في النظامِ الرأسمالي، مثلما هما في ميادينه السياسيةِ والعسكرية. فالحروبُ تنشبُ على أساسِ الحيلةِ والمكر والمكيدة، لِتَكُون بذلك ذروةَ ثقافةِ الصيد. لقد بات الذكاءُ التصوري أداةً لا نظيرَ لها في التلاعبِ والمناورة والتآمرِ اللامحدود في البورصة والميادينِ السياسية والعسكرية. إنه لا يَعبَأ بالوجدانِ والمشاعر، ولو بمثقالِ ذرة. فبينما تُشوى الأجسادُ في ألسنةِ لهيبِ القنابلِ النوويةِ وغيرِها من الأسلحةِ الفتاكة المروِّعةِ في لحظةٍ واحدة، يتم اكتسابُ الملياراتِ في ميدانٍ آخر خلالَ عدةِ أيام، ودون أنْ تَتَصَبَّبَ قطرةُ عَرَقٍ واحدة. بالمقدور القولُ أنّ الرأسماليةَ تكشفُ النقابَ عن ذهنيتِها بكلِّ جلاءٍ وعلانيةٍ في البورصة والسياسةِ والحرب. إذ، ما مِن قيمةٍ أو عاطفةٍ إنسانيةٍ لن تَنتَهِكَها الرأسماليةُ كَرمى لعينَي الربح.
بَيْدَ أنّ الذكاءَ العاطفيَّ ضرورةٌ لا غنى عنها لأجلِ الحياة. فكلما ازدادَ الانقطاعُ عن هذا النوعِ من الذكاء، تَخبو معاني الحياةِ وتخمدُ أكثرَ فأكثر. أما المخاطرُ المحدقةُ بالحياةِ بسببِ الكوارثِ الأيكولوجية، فكأنها تُبَشِّر بِحُلولِ ما يُشبِهُ يومَ القيامة. والمسؤولُ عن ذلك هو الذكاءُ التصوري المستَخدَمُ بمنظورٍ منحرف، والمقتاتُ تدريجياً وطردياً على اللغة، السلطةِ، المدينة، الدولة، العلمِ، والفن؛ لِيَتَحَوَّلَ إلى لوياثانٍ عالمي (الإمبراطورية العالمية لِرَأسِ المال العالمي). أما التصدي لهذا الوحشِ وصَدُّه، فيتطلب جهوداً شاملةً للغاية من الذكاءِ العاطفي. ولأجلِ شَلِّ تأثيرِه المدمِّر، يجب ردعَه عن قمعِه المسَلَّطِ على الحياةِ الحرة، ورَدَّه على أعقابه. يجب قطعَ أنفاسِه كي يعجز عن العيش، قبل أنْ يجعلَ الحياةَ على كوكبنا لا تُطاق. وستَكُونُ المَهَمَّةُ الأوليةُ لسوسيولوجيا الحرية بلوغَ الرؤية النظريةِ لهذا العملِ الحياتي، والنجاحَ في رسمِ تخطيطه السليم.


[email protected]