من الليبرالية الى الطائفية احمد الجلبي نموذجا !


جمال محمد تقي
2009 / 12 / 16 - 02:35     

في مؤتمر جنيف 1992 للمعارضة العراقية والذي عقد بتنسيق من ومع السي اي اية ، برز احمد الجلبي كعراب للمشروع الامريكي الباحث عن عمال ومعاونين وواجهات محلية ، ومن يومها اجتهد الرجل وبحسب خارطة طريق واضحة المعالم لتكتيل دكاكين واصحاب المعارضات العراقية على اسس طائفية وعنصرية ، ومن ليس له مكان بينها يمكن حسابه في باب المتفرقات !
الائتلاف الاول والذي لعب الجلبي دورا كبيرا في قيامه كان بعد نهاية حرب الخليج الثانية لجمع ما يمكن جمعه من شتات المعارضة العراقية تحت خيمة المخابرات الامريكية ووكيلها الفرعي ـ المؤتمر الوطني العراقي ـ استعدادا لساعة الصفر التي ستقرر فيها امريكا ـ تحرير العراق ـ !
الائتلاف الثاني تجسد في قيام المجلس السياسي للبيت الشيعي ، اي بعد احتلال العراق وتمركز الاصطفافات الطائفية والعنصرية فيه وبدء عملية صراعها على غنائم السلطة من خلال الانتخابات المعممة ،، ساهم الجلبي في تكتيله وبتنسيق مع ايران ليدخل وبراية طائفية هذه المرة من اجل منازلة القوى الاخرى على اكبر حصص السلطة التي اريد لها ان تكون منتخبة ، طبعا كان وراء حماس الجلبي لهندسة مثل هذا الائتلاف هو تجاهل الامريكان له ومجافاته لكونه حاول ان يعطي لنفسه حجما اكبر مما تريده له القيادة الامريكية في العراق ، فهم قد لمسوا مبالغاته وتلفيقاته بعد ان حطوا رحالهم في بغداد ، حيث كان واضحا انه لم يكن للجلبي قواعد اواتباع في داخل العراق ، لذلك انصب جهده على محاولة لعب دور للتوفيق بين تطلعات قم والنجف لهندسة حكم الاكثرية الشيعية !
عسى ان يخرج هو بنصيب مضمون فساهم وبقوة لانطلاقة اقوى ائتلاف طائفي شيعي له حصة الاسد في حكم العراق ، وسارت الامور بنجاح ونال الائتلاف حصته كما اريد لها ، لكن الصراع على السلطة والنفوذ اشتعل بين اطراف الائتلاف نفسه ، فالدعوة سحب الثقة من الجعفري وقلدها للمالكي ، واشتد التنافس بين الدعوة وحزب المجلس الذي يقوده الحكيم ، وخرج التيار الصدري معارضا لنهج الائتلاف ، وتصدع الائتلاف الشيعي وازداد التميز بين قطبيه ـ الحكيم والمالكي ـ ووصلت للذروة عند انتخابات مجالس المحافظات حيث خاض المالكي تلك الانتخابات بقائمة خاصة به ـ قائمة دولة القانون ـ وتراجع حزب الحكيم في اغلب مجالس المحافظات ، وعلى هذا المنوال يستعد الطرفان لخوض الانتخابات العامة القادمة والتي على ضوء نتائجها سيكون لاحدهما القول الفصل في شكل السلطة القادمة وعلى مدى اربعة سنوات قادمة ، هنا ايضا نجد الجلبي يراهن بما لا يملك على اعادة تاهيل الائتلاف الشيعي ورص صفوفه لمواجهة تميز المالكي وحزبه الذي راح يرفع راية الولاء الوطني لمواجهة ولاء الائتلاف الطائفي والذي ان نجح ربما يحرم الائتلاف من اي حصة واضحة في تشكيل السلطة القادمة ، وفعلا فان الائتلاف يعيد بناء نفسه وببصمات جلبية واضحة ذللت صعوبات الانسجام بين اطرافه السابقة ، كالصدريين والجعفري والفضيلة اضافة لحزب الحكيم ، ومن الواضح ان للجلبي ستكون هناك حصة تناسبه في حالة فوز الائتلاف ، لذلك نراه هذه الايام يتصرف وكانه قائد لحملة الائتلاف الانتخابية وعندما يتحدث بالفضائيات الكثيرة فهو لا يفوت الفرصة في اعلاء شان فترة حكم الجعفري التي شارك شخصيا فيها وتوجيه الانتقادات المبطنة لفترة حكم المالكي ، نافيا اي طابع طائفي للائتلاف بدلالة وجوده الشخصي فيه وهو الليبرالي كما يصنف نفسه !

بالاصل لا مجال للمصاهرة بين الليبرالية والطائفية ، لانه من المتناقض ان تجمع بين من يدعو للانفتاح الشامل وبلا قيود وحدود وجعل آليات السوق اطارا لحركة المجتمعات التي تقدس الحريات الفردية ، والتي لابد لها والحالة هذه من ركن الدين ومذاهبه على الرف ـ فصل الدين عن الدولة ـ وبين من يدعو للتحصن بالطائفية والمذهبية الدينية للحصول على مكاسب سياسية ، ومن يجعل من الفزاعة الطائفية بمقام بديل لمفهوم المواطنة التي تزكيها حسبة دفع الضرائب ـ فأي السوقين سيروق لليبرالي اختيارها ، السوق الطائفي ام السوق الوطني ؟ ـ لا مجال للسؤال هنا لانه وبالضرورة سيكون خيار الليبرالي كما هو متوقع وبحسب تركيبته الطبقية والسياسية ومشروعه الخاص ، السوق الوطنية ، لانها وحدها الرافعة الطبيعية نحو الاندماج بالسوق العالمية والتفاعل معها سلبا وايجابا من دون تبعية تجعل من الراسمالية الوطنية مجرد وكيل تجاري للراسمالية العالمية !
ان حصول هكذا تصاهر يعني بالضرورة فقدان الليبرالي خصائصه لمصلحة الخصائص الطائفية ، ناهيك عن ان هكذا نوع من المصاهرات يدلل على وجود خلل نوعي في جنس المتصاهرين وتحديدا الليبرالي ، اي ان مقولة الليبرالي الطائفي هي مقولة متعارضة التوصيف ، وهي لا تعني بهذه الحالة الا انتقال المعني الى السياق الطائفي كشكل من اشكال الانتهازية السياسية لا غير ، وغالبا ما يكون اصحابها قلقي المواقع ومستعدون لتغيير جلودهم وبحسب اتجاهات الرياح ، ومن البداهة ان تكون اي تنقلات بين الخنادق المتناقضة لحساب احدهما على الاخر !
احمد الجلبي ، سليل لعائلة ارستقراطية مدنية ـ راسمال تجاري وعقاري ، ملاك اراضي ، كانت لديها تطلعات تراكمية لتوسعة استثماراتها البنكية والعقارية والصناعية المرتبط بالخامات المحلية ـ وتحديدا المنتجات الزراعية ـ كالتمور والحبوب ، جفت تطلعاتها تلك بعد قيام ثورة 14 تموز ـ !
سياسيا كان عبد الهادي الجلبي احد اعضاء الادارة العليا لحزب الاتحاد الدستوري الذي كان يتزعمه نوري السعيد ، وقد استوزره لاكثر من مرة في حكوماته ، اي ان الاب ليبرالي وموقعه الطبقي وتطلعاته تجعله ليبراليا حتى دونما دراية ـ دعه يعمل دعه يربح ـ والتجارة تحتاج سفارة ، وهي ليست حبيسة اصلها ايا كان فهي اختارت ان تكون في عيون كل من تلقاهم مختارة ، انه الاستثمار حيث توجد الاثمار لا انتماء الا للبارة ـ عملة هندية ـ !
ورد في كتاب المؤرخ والباحث العراقي المرموق والموثوق حنا بطاطو ـ الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية العراقية ، الكتاب الاول ـ ذكر واضح لعائلة الجلبي في جدول تحت عنوان ـ راسماليون عراقيون كانوا يملكون مليون دينار او اكثر في العام 1958 ـ النص : " عبد الهادي ومحمد علي الجلبي من العرب الشيعة نشاطهم الرئيسي في بغداد ويملكون اراضي زراعية في بغداد وديالى ، اصحاب مطحنة للدقيق واملاك مدينية ، من المضاربين بالاراضي ، تجار حبوب ، ووكلاء سابقون لشركة ـ اندرو واير اند كومباني ـ وهي شركة بريطانية كانت تتمتع في الفترة ـ 1939 حتى 1952 بمركز قوي في تجارة الشعير وكان لها احتكار تصدير التمور المعلبة ، ملاك بلدة الهادي الوقعة شمال غرب بغداد ـ مدينة الحرية حاليا ـ كانوا من المساهمين الرئيسيين في شركة تمور العراق الاوسط التي كان راسمالها مليون دينار ، وايضا كانوا في شركة الرافدين للمطاحن والتجارة ـ راسمالها 2 ونصف مليون دينار ، وشركة صناعة التمور راسمالها مليون دينار ، وكذلك لهم اسهم في شركة الاسمنت العراقية وشركة الاسمنت المتحدة ، كان محمد علي الجلبي مديرا لبنك الرافدين الحكومي واستخدم في الخمسينيات ـ سلطة ديكتاتورية على شارع المصارف " !
لم تتآكل ثروة ال الجلبي المنقولة لانها لم تصادر اولا ولانها اعادة انتاج نفسها متكيفة مع التحولات الجديدة رغم ضيق مجال تنفسها ، وهي ايضا كانت قد وجدت لنفسها دروبا للاستثمار في الخارج دون ان تقطع صلتها تماما مع بعض اصولها الثابتة في داخل العراق ، نعم تضررت الثروة غير المنقولة نتيجة صدور قانون الاصلاح الزراعي ثم تاميمات عبد السلام عارف ـ شملت معامل الطحن والاسمنت والتمور بتعويضات غير مجزية ـ وغيرها من الاجراءات ولكنها لم تصادر مجتمعة !
ان عدم الاستقرار السياسي في العراق فوت الفرصة على نمو الراسمال المحلي وحال دون مساهمته في تطوير عجلة الاقتصاد والانتاج في البلاد ، فاستمرار وجود قطاع خاص قوي ومتنفذ بتنوع خبراته الى جانب قطاع عام اقوى وقطاع وسطي مختلط يكامل دور القطاعين بتاطير لنظام مصرفي ونقدي محترف ومستقل في ترجمته للسياسة العامة للبلاد التي تنشد الاستقلال وتجاوز التبعية بكل اشكالها بما فيها النقدية والاقتصادية ، كل ذلك لو حصل كان سيساهم بلا ريب في تقليص حجم الهاوية التي ستدفع البلاد لاحقا لخيارات وقرارات وسياسات خاطئة تتحمل مسؤوليتها الحكومات العراقية المتعاقبة ومجموع القوى السياسية المتنفذة وقتها !
لا اغالي هنا اذا قلت ان ثورة 14 تموز لم تاتي اصلا لتلغي وعن دراية ، دور الراسمالية المحلية باطيافها الوطنية والكمبرادورية والطفيلية ، لكنها عمليا قلمت اظفار الجميع وبعثرتهم مما اثر سلبا على روافد التنمية المستدامة في الاقتصاد والمجتمع وحتى السياسة ، فصادرت ادوار بعضها ورحلت اغلبها الى ساحات القطاع العام ، وكانت الدولة الجديدة ليست مكترثة للنتائج ، بل كانت احيانا تعمم في تقييماتها على كل اطياف الراسمال المحلي ولا تدقق بالفروقات النوعية بينها ، ولم تتعب نفسها بالتدقيق في امكانيات تحويل اطار توجهاتها ضمن مشروع تنمية الراسمال الوطني واستقطاب الاطياف الاخرى ـ التبعية والطفيلية ـ والتاثير عليها وطنيا بشروط القطاع الوطني نفسه ، لانها كانت منهمكة اصلا بالتقاتل على السلطة والاحتفاظ بها !
من الطبيعي ان يكون للراسمال الطفيلي والكمبرادوري موقفا سلبيا من الثورة ولكن ليس من الطبيعي ان لا تعمل الثورة على استثمار خبرات وامكانيات هذه القطاعات خاصة وانها متداخلة مع الراسمال الوطني وتجنيدها لخدمة اهدافها ودفعها للتطهر بالاستثمار الحقيقي الذي يخدم توجهات العدالة الاجتماعية وسياسة تنمية الموارد وتقوية النهج المتحرر من السيطرة الكولونيالية بمختلف اشكالها العسكرية والسياسية والاقتصادية !
لم يكن نوري السعيد نفسه غير ارستقراطي مسلكي كان يلبي بتوجهاته العامة المصالح العليا للطبقات المالكة في الريف والمدينة لكنه يمثل وجها لليبرالية المدنية العابرة للطائفة والقومية ، وكان يسعى لجعل العراق ـ سوقه ـ المضمونة والقادرة على النمو ، موقعه الطبقي واجتهاده اوصلاه الى قناعة بان من مصلحته والعراق ان يكون مستقرا مثلا وقتها بضم الكويت اليه ، وقيام تكتل اقليمي يدعم النمو الطبيعي لتجانس الطبقات الحاكمة فيه ، حيث من مصلحة الجميع رسوخ الاستقرار والتكامل المكفول دوليا بالوصاية البريطانية على المنطقة ، هذا النفس الليبرالي نفسه شكل هاجسا داخليا له فكان موفقا في نظرته ان لا تقدم واستقرار داخلي دون تجانس اجتماعي على اسس طبقية صرفة ـ طبقة عليا، طبقة وسطى ، طبقة دنيا ـ تتحلل فيها كل الهويات المتنافرة دينيا وعرقيا ومذهبيا ، هكذا اقرأ نوري السعيد الليبرالي المتحالف مع الانكليز حتى بعد شيوخوخة امبراطوريتهم !
اين من هذا كله احمد الجلبي ورهطه او كل الليبرليين الجدد الممسوخين تشوها والذين اما ربطوا مصيرهم بالطائفية وتغولها السياسي السائر نحو دولة المذهب وحتى النخاع كما في العراق الجديد الذي يسمونه دلعا بالعراق المحرر ، او اصبحوا قفازا بيد مراكز القوى للمحافظين الجدد في المركز الامبراطوري للنيل من شعوب موطنهم الاصلي او الاثنين معا كما في حالة احمد الجلبي ايضا ؟

هذا لبنان خير مثال على ان التقاسم السياسي للسلطة وعلى اسس طائفية هو داينمو محرك لعدم الاستقرار بل للدوران حول النفس دون طائل ، فلا دولة حديثة دون مواطنون متساوون بالحقوق والواجبات بمعزل عن انحداراتهم القومية والدينية والمذهبية !

الجلبي تقهقر المفلسين !:
بعد ان احترق الجزء الاول من فلم " تحرير العراق " وفشله جماهيريا وسياسيا ، راح الجلبي يتخبط في تطلعاته وفي ميوله واتجاهاته ، فبعد ان كان واحدا من ابرز ابطال الفلم ـ عضو مجلس حكم ، نائب لرئيس الوزراء ، واحد اهم اعوان الامريكان في العراق ـ دخل ومنذ انكشاف الاكاذيب الامريكية في موضوعتي اسلحة الدمار الشامل وصلة النظام السابق بتنظيم القاعدة في حالة نبذ ظاهرة للعيان سببها الامريكان انفسهم ، فصار الجلبي من المنسيين ودخل مده الافت في اول الحملة بجزر لافت ايضا وحتى هذه الفترة فترة التحضيرات للانسحاب الامريكي المقنن من العراق ، وصار اليوم يقبل بادوار ثانوية واحيانا ادوار الكومبارس ، وذلك لمجرد الظهور بالصورة التي ستستكمل بها مشاهد الاجزاء المتبقية من نفس الفلم الاصلي !
في البدأ لم يقدم الجلبي نفسه كواجهة من الواجهات الطائفية الشيعية في العراق ، فمنذ عام 1992 وبعد ان شكل المؤتمر الوطني العراقي بتمويل امريكي ، ثم تبنيه بالكامل ليكون عامل اتصال وتنسيق وكخيمة جامعة لكل القوى العراقية المعارضة والمستعدة لتقديم ما يلزم في محاولات اضعاف النظام السابق سياسيا واقتصاديا ومخابراتيا واعلاميا ، وذلك بالاستفادة من تداعيات الحصار الشامل المفروض على العراق ، وفعلا كانت له مقرات متعددة في الجيب الامن شمال العراق وعمل هناك على تكوين ميليشيا مسلحة اغلب عناصرها من المهجرين العراقيين وخاصة من المتواجدين في ايران ، وكانت له علاقات طيبة مع المخابرات الايرانية التي همها ايضا وقتها اضعاف النظام السابق والنيل منه وكان لوفرة المال دوره في استقطاب اسماء معروفة في الوسط السياسي العراقي المعارض منها اليساري والبعثي السابق والمستقلين ، وعمل هؤلاء معه في اللجنة العليا للمؤتمر ، اقام الجلبي اوسع العلاقات مع مجاميع الضغط المقربة من الكونغرس والبنتاغون ، وتم استخدمه هناك ايضا كواجهة عراقية تسوق مايراد منها ، فكان يقدم من قبل البنتاغون والسي اي اية على انه صاحب نفوذ واتباع داخل العراق لاقناع صانعي القرار بتكامل العناصر الاولية للخوض بعملية ـ تحرير العراق ـ وعندما اصدر الكونغرس قانون تحرير العراق عام 1998 ايام حكم كلنتون ، راح الجلبي يتبجح وكانه هو من استصدر هذا القانون مدعيا ما ليس له بل مغطيا على حقيقة دوره المجند تحديدا للمساعدة على تلفيق معلومات غير حقيقية عن اسلحة الدمار الشامل وعلاقات النظام بالقاعدة وعلى وجود تجارب متواصلة لاسلحة كيميائية وبيولوجية ، اضافة الى المهمات التجسسية والاستطلاعية التقليدية الاخرى عن اوضاع العراق وتزويد الامريكان بها !
لم تكن هناك اية اشارات للطائفية في توجهاته وطروحاته كان يعمل مع السني والكردي والمسيحي والفيلي ، وحزبه نفسه كان ينشد التنوع العراقي !
طروحاته وعلاقاته تؤكد على قناعاته العامة وتوجهاته المتفقة مع الاخرين في المعارضة العراقية وقتها ، كانت ميزته تركيزه على نهج اقتصاد السوق وخصخصة القطاع العام بما فيه النفطي والغاء كل قرارات التاميم السابقة ، لقد استخدم ايضا من قبل مكاتب تشيني ورامسفيلد ذات التخصص النفطي في التحرك لاجراء اتصالات مع اكبر الشركات النفطية العملاقة عارضا عليها الرجوع للاستثمار في العراق وعدم تفويت الفرصة السانحة بالدفع باتجاه اسقاط نظام العراق وفتح ابوابه امامها من خلال شحن اصحاب القرار باعلان الحرب ، ولم يكن اللوبي الصهيوني بعيدا عن هذه التحركات بل كان في صميمها ، وفعلا تم جمع شمل فريق عمل امريكي من اصل عراقي ليتقاسموا الادوار بتكامل يؤدي الى المساهمة بالتعبئة الشاملة في كل الدوائر المحيطة بصناع القرار الامريكي لانطلاق مهمة حرب التحرير ومن الاسماء المعروفة من هذا الفريق رند رحيم ، كنعان مكية ، سالم الجلبي !
بعد احتلال العراق وبروز ما لم يكن بالحسبان ـ المقاومة الفاعلة ـ تغيرت الصورة وتغيرت معها التكتيكات الامريكية كلها ، ولم يكن هناك ما يمكن ان يقدمه الجلبي لمستخدمية ، فكانت الفتنة الطائفية التي دفع الامريكان باتجاهها ومنذ قرارات حل الجيش واجتثاث البعث وتفكيك مؤسسات الدولة الى تشكيل مجلس الحكم على اسس طائفية واثنية ، ومن تداعيات هذه الاجراءات نجاح الاستثمار الايراني المقابل لها وقيام الميليشيات الطائفية والعنصرية بالهيمنة على الشارع بعد ان سلم الامريكان الواجهة في بعض مفاصل الحكم المدني لاحزابها السياسية ، ثم عملت تدريجيا على تعميدهم كممثلين عن الشعب بانتخابات ودستور وقوانين مفصلة تفصيلا على قياسات من اتت بهم ووضعت لهم كل الاكسسوارات الخادعة لتمثيل مشهد الديمقراطية الذي يدعو الناس للتصويت بها وعليها !
بعد ان فقد الجلبي مصداقيته امام الطرف الامريكي ، ثم فشله حتى في دخول البرلمان الحالي ناهيك عن الوزارة التي ترتبت عنها ـ رغم انه لعب دورا تنسيقيا كبيرا بين فرقاء البيت الشيعي عبر تفاهمات مع اطلاعات الايرانية وتنسيقات مع مراجع قم والنجف ، فتم تشكيل البيت السياسي الشيعي وقتها ، والذي يعاني اليوم من الانقسام والتفريخ المتواصل ، فالمالكي خرج منه ومعه فريق من الصدريين ـ عصائب الحق ـ وتنافر التيار الصدري بمواجهات متعددة مع حزب الحكيم ، وانشق الجعفري عن الدعوة مكونا حزبا جديدا ، ووقتها لم يحصل الجلبي على ما يناسبه من المواقع وبقي وكانه مستشارا عند الطلب ، اليوم يواصل الجلبي نفس الدور متوسلا الطرف الايراني الذي تزايد نفوذه لدرجة الند امام النفوذ الامريكي في العراق لاعتماد خدماته ، وفعلا جرى استيعابه بذات الوقت الذي تم فيه احتواء التيار الصدري ليعود ركنا اساسيا من اركان الائتلاف الشيعي الجديد الى جانب حزب الحكيم والجعفري والفضيلة وبعض الشخصيات ومنها الجلبي نفسه ، لمنافسة المالكي وقائمته ـ دولة القانون ـ التي تحاول ان تتلبس ثوبا وطنيا !
في استضافة له من قبل قناة الفرات التابعة لحزب الحكيم بمناسبة اعلان تشكيل الائتلاف مؤخرا ، تحدث الجلبي بتبجحه المعهود عن الاسس الجديدة التي قام عليها الائتلاف الجديد منوها الى تبني الائتلاف ولاول مرة لبرنامج سياسي يعالج مختلف القضايا الراهنة والمتوقعة واكد على ثانوية المحاصصة فيه لان المهم هو البرنامج السياسي الذي سينفذه الجميع ومن مواقعهم المختلفة ، ثم اشار الى طموح الائتلاف لقيام جبهة وطنية عريضة برلمانية و سياسية تكون حاضنة للحكومة القادمة بعد الانتخابات ، ملمحا الى وجود مخاطر حقيقية تهدد مجمل اوضاع العملية السياسية الجارية منذ قيام مجلس الحكم وحتى الان ، مشددا على ان تداعيات الانسحاب الامريكي ستتفاعل وتتزامن مع مشاكل الوضع العام ووتنافس القوى السياسية على السلطة ، في معرض حديثه هذا توقف عند اهمية انجاز ما فشل في انجازه البرلمان الحالي وحكومة المالكي وخص تحديدا بلورة سياسة نفطية تنسجم مع المتغيرات الحاصلة من خلال تمرير قانون النفط والغاز الجديد ، وجعل السوق النفطية العراقية مفتوحة لاستقبال اكبر زخم ممكن من عقود الاستثمار والتنقيب والتوسيع ، وردد متهكما على القائلين بضرورة التوازن في الاستخراج بما يضمن تكافوء العرض مع الطلب ، وحساب حصص معلومة للاجيال القادمة ، قائلا : علينا بيع اقصى ما يمكننا بيعه لان الطاقة البديلة تشكل تهديدا على بقاء النفط كبضاعة استراتيجية ، ومن ثم استعمال الريع لاعادة اعمار العراق !
طبعا هنا يعرف اي عراقي متابع ان المشكلة الحقيقية ليست في وفرة الاموال وانما المشكلة في استغلالها فعلا للاعمار وليس الدمار ـ فساد فاق كل الارقام ، مشاريع وهمية ، او بمواصفات رديئة ، اهدار منقطع النظير ـ والدليل انه مع ارتفاع اسعار النفط وتوفر فائض نقدي ، يشفط هذا الفائض مباشرة بميزانيات تكميلية تقدر بالمليارات دون اية مردود حقيقي ينعكس على المواطن او البنية التحتية المهدمة ، اغلب مجالس المحافظات تشكو حتى الان من عدم استلامها لمستحقات اقامة المشاريع المحلية ـ مجاري ، مدارس ، تبليط ، ماء ، كهرباء ، صحة ، خدمات ـ ويبقى السؤال قائما اين تذهب المليارات النفطية ؟
للاحزاب الطائفية والعنصرية ومليشياتها ؟ لصفقات الغذاء الفاسد ، لشراء الاسلحة المستعملة ؟ ام لنهم شراء العقارات في اوروبا والخليج ؟ ام كارصدة باسماء الاقارب في البنوك الخارجية ؟ ام لدفع اثمان ما يستورد من ايران من مشتقات نفطية وطاقة كهربائية ؟ مع العلم ان المافيات الحاكمة تصدر لايران النفط المهرب وترجع وتبيعه على العراق كمشتقات رديئة ، اما الارباح فتتوزع بنسب متناسبة بين الميليشيات العراقية والحرس الثوري شمالا وجنوبا !
الجلبي لا يعنيه مصير الاجيال القادمة وماذا ستجد من اصول ، الذي يعنيه اكبر فرص قادمة للنهب المزدوج من الشاري والبائع وفي وقت واحد حتى لو بيع العراق كله او رهن للشركات الاجنبية ، نعم لا يعنيه فهو يعرف ان حبل سرة حكم الطائفيين في العراق اقصر واضيق مما كان متوقعا بمرات عديدة !