العصرانية الديمقراطية وقضايا تجاوز الحداثة الرأسمالية (9)


عبد الله أوجلان
2009 / 12 / 9 - 23:01     


2- التفسير السليم للمجتمع المديني:
سيساهم تعميمُ مساعينا بصددِ شرحِ المجتمع السومري بنطاقٍ أكثرَ تفصيلاً في زيادةِ قدرتنا على الفهم والاستنارة. وما علينا عملُه هو تحليلُ المدنية، وإسقاطُ أقنعتها المتكاثرةِ بإفراطٍ في ذهنيتها ومؤسساتها، وإظهارُ الوجوه المستترة وراءها، والمصالحِ الحقيقية المخفية تحتها، والكشفُ عن أحوالِ المجتمع بشكلٍ ملموسٍ وشفاف.
فمجتمعُنا التاريخي يتذرع بأنّ الحضارةَ القديمةَ قد شاخَت وهرمَت، سعياً منه لإبراز ذاته يافعاً نَضِراً باسمِ "العصر الجديد، العصرِ القريب". ثمة غرابةٌ في الأمر. فالشبابيةُ تُعَبِّرُ عن ولادةِ ظاهرةٍ والتوقيتِ المقارِب لولادتها. فإذا ما كان المجتمعُ السومري يمثل لحظةَ ولادةِ حضارتنا المدينية – مثلما برهنَّا – فيجب تحديد مرحلةِ الشبابية بموجب ذلك. وفي هذه الحالة، سندرك أننا نُمَثِّلُ المجتمعَ المديني الأكثرَ هرماً وشيخوخة، وأنّ صفاتِ الحداثةِ والشبابية ليست سوى خداعٌ ورياء. إنّ قراءةَ الزمان بالعكس، وإبرازَ العجوزِ وكأنه شابٌ يافع، هو استمرارٌ لعمليةِ التَّقَنُّعِ المعمولِ بها بشأنِ المجتمع المديني.
السؤالُ الأساسي الواجبُ طرحه هو: لِمَ يرى المجتمعُ المديني، الذي يمكننا نعته بحضارةِ المدينة، الحاجةَ للتَقَنُّع الكثيف؟
لقد استمرَّت مهارةُ الرهبان السومريين في التقنيع المذهلِ بلا انقطاع. وإلا، لماذا تَحَولَت الألوهيةُ المتميزة بمضامينَ أصيلةٍ وثمينةٍ في بداياتها إلى اصطلاحٍ أوليٍّ في الانحطاط وانعدامِ المعنى بالأكثر؟
لقد ذُكِرَت العديدُ من الآراءِ لصالحِ المجتمع المديني وضده، ولكنّ أكثرها صعوبةً في التعبير وأَقَلَّها ظَفراً بالنجاح هو الانتقادُ الجذريُّ الراديكالي للحضارة، والممارسةُ العملية في تجاوزها والتغلبِ عليها. وهذا ما يدل على فشلِ الشروح الحاصلة بصددها. كما يُجمِع المعنيون بالأمر على تَعَرُّض طموحاتِ البشرية في الحرية لقمعٍ وكبحٍ مريعٍ لدرجةِ القولِ مراراً بالوصول منذ زمنٍ بعيدٍ لوضعٍ مسدودٍ يستحيلُ الاستمرارُ فيه. يَحكمُ هيغل على تاريخِ المدنية بأنه مراسيمُ "المذابح الدموية"، إذ لم تَمُر سنةٌ بلا حرب، وتنعكس حياةُ القمع والاضطهاد وكأنها قانونٌ من قوانين الطبيعة، ويُبَجَّل الاستغلالُ والنهب ليغدُوَا قاعدةً راسخةً في الحياة. أما الصدق والشفافية والالتزامُ بالأخلاق، فيندرجُ في قائمةِ الغباء والحماقة.
أودُّ الوصولَ إلى نتيجةٍ مفادها ضرورة شرحِ المجتمع المديني بمضامينَ تمنحُ فرصةَ الانتقاد المتطلع لتجاوزه وتخطيه. فقد بَرَزَ للعيان في مساعي وجهودِ العديدِ من المدارس، تَتَقَدَّمُها المدرسةُ الماركسية، أنّ الاكتفاءَ بانتقادِ الحداثة الرأسمالية لوحدها لا يكفي للقدرة على تَخَطِّي المجتمع المديني. ويُعزى ذلك أساساً إلى عدمِ تحليلِ المجتمع المديني كسلسلةٍ مترابطةٍ متماسكة. ولهذا السبب نرى أكثرَ المعارِضين قساوةً من بين الآراء العالمية الأوروبية المركز وكأنهم هزيلو التأثير، وليسوا ذوي شأن. ما نحن بحاجةٍ ماسةٍ إليه هو السردُ الواضح والمفهوم لعقدِ لأواصر بين المدنية الأوروبية وسابقاتها من حضاراتٍ ومدنياتٍ بتاريخها ومجتمعاتها، تماماً مِثلَ أهميةِ الربطِ بين الثقافة النيوليتية والمدنيةِ الأوروبية. وكَونِي خاضعٌ لأقسى ضغوطاتِ هذه المدنية، إنما يَفرُضُ عليَّ القيامَ بالتفسير كحقٍّ طبيعي وكمهمةٍ على عاتقي، ولو كان بشكلٍ هاوٍ وغير احترافي.
آ- تفسيرُ المدنية قبل كل شيءٍ قضيةٌ من قضايا السوسيولوجيا البنيوية. فإذا كان الشرطُ الأولي لِكَينونةِ العلمِ هو عدم التَّمَرُّغِ في مستنقعاتِ المدرسةِ الوضعية، وبلوغُ "علم المعاني" المتخطي للتفريق والتمييز بين "الذات والموضوع Nesne"؛ فإنّ الحاجةَ الماسة لذلك تَبرزُ في ميدانِ السوسيولوجيا البنيوية. فالمَهَمةُ الوحيدة للسوسيولوجيا العامة هي تشخيصُ أمراضِ المجتمع ومداواتُه (تماماً مثلما يقوم الطبيب بالتشخيص والمعالجة). وقد يكون للمعرفةِ دافعٌ ومحفزٌ واحدٌ لا غير، وهو إضفاءُ المعاني على الحياة التي نتشبث بها أشد تَشَبُّث. وهذا بدوره ما سيمنحنا فُرَصَ فهمِ القضايا البنيوية، وإمكانَ إعادةِ بنائها مجدداً في حالِ وجودِ خللٍ أو عطبٍ فيها.
يُعتَبَرُ المجتمعُ المديني أكداساً من البنيويات التي يلاقي علمُ المعنى صعوباتٍ عويصةٍ جداً بشأنها. ووجودُ هذه الأكداسِ بِحَدِّ ذاته على علاقةٍ وثيقةٍ بتحريفِ علمِ المعنى بذاته، وإخراجِهِ من كونهِ علمَ معنى. إنه كائنٌ غريب، بل هو لوياثانٌ مُتَنَكِّبٌ كلَّ أسلحته وقابضٌ عليها بِيَدَيهِ، لِيُرغِمَ ضحيتَهُ – إنْ وُجِدَت – على الاعترافِ بـ"الكذب" ككلمةٍ أخيرةٍ وهي تَحتَضِر، وإلا، فسيقومُ بـ"الإبادة" بشتى الأساليب. إنّ تشبيهَ هذا الكائنِ، أي المدنية، بأيِّ ضربٍ من ضروبِ الوحوش مَوقِفٌ في محله، ولكنْ متخلفٌ للغاية، خاصة إذا كنا نتميز بهويةِ رجلِ العلم، فإنّ مِثلَ هذا الموقفِ لن يذهبَ بنا أبعدَ من خيالِ الطفولة (الخيالات الوحشية). كما أنّ التشخيصَ المقتدرَ للوحش لا يكفي، بل يتطلبُ المداواةَ كمهمةٍ عاجلة. واضحٌ للعيان أنّ كافةَ محاولاتِ العلاج ذهبَت سدى. أما الدماءُ المتدفقةُ والمراقةُ كالسيولِ الجارفة، وأنماطُ الحياة المؤلمةِ والمريرة والمعرَّضَةِ للإبادات الجماعية المروعة، والمجاعةُ والبطالةُ التي هي أنكى من السوءِ ذاته، واستشراءُ مختلفِ أنواعِ الأمراض، ودمارُ البيئة الأيكولوجية (بيئةِ الحياة التي لا غنى عنها للعيش)؛ كلُّ هذه الظواهرِ البارزة في المرحلةِ الأخيرة، والتي يمكنني حشرها في تقريرٍ مقتَضَبٍ ضمنَ جملةٍ تشيرُ للوضعِ الأخير القائم. لذا، وباعتبارِ أنّ الآلافَ يَزعَمون أنهم معنيون بعلمِ الاجتماع كميدانٍ لسوسيولوجيا الحرية والبنيوية، فعليهم إثبات جدارتهم في التشخيص والمعالجة، ما داموا يتطلعون للخلاصِ من أكوامِ الأوساخ التي يَحيَونَها. وفي حالِ العكس، فمثلما قال أدورنو "لن تبقى لجميعِ الآلهة السماوية – لرجالِ العلم الناطقين باسمها – أيةُ كلمةٍ تُقالُ بعدَ تشييدِ معسكراتِ الإبادة الجماعية".
لا تَنحَصِرُ المدنيةُ في كونها مراسيمُ "المذابح الدموية" (حسبَ هيغل) فحسب، بل هي أنكى، حيث تُعَرِّضُ معانيَ الحرية للإباداتِ العِرقية المتواصلة – رغم كونها الدافعُ الوحيدُ لحياةِ الإنسان – فلا يتبقى منها سوى حُثالةُ الحياةِ وخُثارتها. وبتشخيصٍ أكثرَ شفافيةً، فالمدنيةُ هي البقايا المتبقيةُ من إفراغِ معاني الحياة الحرةِ من فحواها.
عندما ننظر إلى نمطِ حياةِ أبسطِ الكائنات الحية، فما نراه ليس إلا المعنى الذي يُضفِيهِ على الحياة. إنه نمطٌ من المعاني التي تَمُدُّها بقدرةِ التكاثر إلى ملايينِ الأنواع، وتَوَغُّلِ الجذور حتى في أعتى الصخور، ومواصلةِ الوجود حتى في ثنايا القطب المتجمدِ عندما تتطلبُ الحاجة، والطيرانِ إنْ لَزِمَ الأمر، والقدرةِ على تطويرِ تقنياتٍ لا متناهيةٍ لا تطالها اكتشافاتُ الإنسان ولا تَخطُرَ ببالِ بشر. أما المجتمعُ المديني، فأيُّ المعاني – أو عدميةِ المعاني – التي يمتلكها، فيما خلا قُدرته على إفراغِ وجودِ الحياة الأكثرِ رقياً من معانيها عبرَ الكذبِ والرياء والزيف وعبر العنفِ المنظَّم والممنهَجِ منذ بداياته، وإيصالِها إلى شفيرِ هاويةِ الانتحار في مراحلِهِ الأخيرة؟
لقد غَدَت السوسيولوجيا الكلامَ المؤديَ إلى إعادةِ تعريفِ هذه القوة مجدداً للمدنية الأوروبية المِحوَر. وحسبَ التعبير المسيحي، أصبحَت الكلمةُ الفصل للرب. لذا، فالتخلي عن هذا الكلام ضرورةٌ من ضروراتِ احترامِ معاني الحياة التي تمتلكها أبسطُ الكائنات الحية. فالوجودُ الأرقى والأسمى للأخلاق لن يَقدِرَ على تفسير هذا الكَمِّ من انعدامِ الأخلاق بِأيِّ شكلٍ وبِأيِّ شيءٍ كان. ولنستذكر ثانيةً أنه: ما مِن كلامٍ تقوله الآلهة.
أَوَليس ما يتم تَلقِينُهُ على أنه تاريخٌ عبارةً عن قصصِ قِيامِ ودمارِ مؤسسات الدولة، ونائِباتها غيرِ المباشرة من المؤسساتِ؟ أَوَليس الهدفُ الأولي في ازدهارِ وانحطاطِ السلالات هو حظيُ السلالاتِ الجديدة بـ"رعايةِ الرعاع"، والمسماةِ بتاجِ السلطة عبر الحِيَلِ والمكائدِ والاستبدادِ؟ أَوَليس هدفُها الوحيدُ نهبَ الرعاعِ وسلبَهُم لتأمينِ احتياجاتها من صوفٍ وحليبٍ، وحتى لحمٍ وجِلدٍ إنْ تَطَلَّبَ الأمر؟
أيٌّ من قصصِ البطولة نزيهةٌ من الاستبدادِ والطغيان، وبعيدةٌ عن الاستغلال؟ هل مِن قيمةٍ تَشَبَّثَ بها وأَثبَتها المُدَّعون بنهوضهم باسمِ العشيرة أو القومِ أو الدين، فيما خَلا تاج السلطة؟
أيٌّ مِن الأسماء القَيِّمة يستحقها المجتمع المديني، الذي لم تَبقَ فيه ساحةٌ للحياة، ولم تَمُر سنةٌ عليه دون حروب، عدا تسميته بمؤسسةِ "المذابح"؟
أيٌّ من الاكتشافاتِ العلمية والفنية والتقنية المرويةِ كأقاصيص قد تحققت دون أن تُغتَصَب أو تُقطَع رؤوسُ مكتشفيها الحقيقيين؟
أَوَليس الواقعُ المُصَوَّرُ على شكلِ قصصٍ تروي النظامَ والاستقرارَ والسلامَ يعني صمتَ الحِملانِ الوديعة؟ أو لِنَقُلْ، هل يتضمنُ معانيَ عميقةً مختلفةً عما تَرويه مَشاهِدُ مسرحيةٍ بشأنِ إذلالِ العبيد (الأرقاء، الأقنان، العمال، الكادحون، وكافةِ المضطهَدين)؟ تتزايدُ معاني التساؤلاتِ بشأنِ هذه المدنية بلا نهاية، وتتوغلُ في الأعماق بلا حدود. ولكنْ، ما يُثيرُ الدهشةَ بالأصل هو الجرأةُ بكل وقاحةٍ على طرحِ هذه الحكايةِ القصصية وتقديمِها على أنها التاريخُ المجيد، الدينُ المقدس، ملحمةُ العشق والجمال، الاكتشافاتُ المذهلة، خيالُ الجنةِ التي ستُبلَغُ يوماً ما، الصداقةُ، اللياقة والنبلُ، وضرورةٌ من ضروراتِ التحالف؛ وكأنها مسيرةُ القدر المحتومِ للبشرية.
لا ريبَ في أنّ مَرامِي من طرحِ هذه الأسئلة هو اهتمامي من الصميم بكلِّ ما أبداه جميعُ المقاوِمين والمكافحين من بطولاتٍ باسلةٍ ومواقفَ مقدسةٍ حقيقية، وما سَطَّروه من ملاحمِ عشقٍ وهيامٍ تُمَثِّلُ جوهرَ الصداقةِ الحقة في سبيلِ الحياة التي لا معنى لها سوى الحرية؛ واعتنائي بأقوالهم الأخيرة التي لم تُقَلْ، والتزامي العميق بذكراهم بكلِّ تقديرٍ وإجلال. وإذا كان المطلوبُ التحصنَ بالأشواكِ بقدرِ الأشجارِ التي تحمي زهورها اليانعةَ بأشواكها، فإنّ القيامَ بذلك يعني معرفةَ أصولِ الصراع في سبيلِ صونِ حياةِ الإنسانِ الحر، الذي ربما تكون استطاعةُ المعاني لديه في منتهى الجمال.
ب- لننتقلْ هُنَيهَةً من أحكامنا الأخلاقية إلى أحكامنا النظرية. من المهم للغاية استيعابُ مصطلحِ "الطبقية"، الذي طالما ذكَرَه المعارضون في عهدِ الحداثة (الرأسمالية)، وإدراكُهُ من جميعِ نواحيه، وبالأخصِّ من حيث دورِهِ في المسارِ التاريخي. وإلا، وفي حالِ العكس، فلن يذهبَ المرءُ أبعدَ من التحول إلى إحدى أدواتِ "العَلكِ واللَّغوِ الديماغوجي الغوغائي" الأكثرِ تفاهةً وسذاجة، وإسدالِ الستار على علمِ المعنى لطمسه.
الخاصيةُ الأولى الواجبُ معرفتها لإدراكِ الطبقية بحق، هي أنّ القدرةَ المنظِّمةَ لقوتها تتمثل في قِسْمَ اليدِ والقدم. فهذان العضوان لوحدهما لا معانيَ قيِّمة لهما. قد يَكُونُ التشبيهُ سوسيوبيولوجياً (اجتماعياً – أحيائياً) بشكلٍ مُغالٍ، ولكنه في محله. وعلى أيَّةِ حال، لا جدال في أنّ القوةَ ليست سوى القوة الأكثر منهجية للسلطة في المجتمع، وللّوياثان في المجتمعِ المديني. فإذا فَسَّرنا الدولةَ بأنها تكاملُ علاقاتِ السلطة الأرقى المساعِدةِ على تحقيقِ القمع والاستغلال والطغيان على عمومِ المجتمع الطبقي، أفلا يَكُون المتخبطون تحت نيرِ الضغط والاستغلال جزءاً لا يتجزأ من شبكةِ العلاقات هذه؟ أَفلا تَتَعَدَّى المدنيةُ نطاقَ التنظيمِ في الدولة، لِتِكُونَ قوةَ البناء والتنظيمِ المتكامل لِمُجمَل الميادين من الدين إلى الاقتصاد؟ أَوَليست الوظيفةُ الأولية لهذه القوةِ هي تشكيلُ عددٍ لا متناهٍ من الطبقات والشرائح الاجتماعية الأفقية والشاقولية المنظَّمة، بدءاً من العبدِ إلى الرِّقِّ إلى العامل وغيرهم؟
أود التشديدَ بعنايةٍ على أنه من المحال إتاحة أيةِ فرصةِ لِتَكُونَ اليدُ والساق ذاتاً فاعلةً özne في تنظيمِ القوة. فإذا كانت السلطةُ تنظيماً مظفراً، فهذا يعني تحقيقَ الهيمنةِ والنفوذ المطلقِ على كادحيها الذين تنعتهم بالفظاظة. وهذا بدوره معناه فقدانهم قيمةَ الذات الفاعلة في ظلِّ ظروفِ السلطة، حتى وإنْ كانت تلك الذاتُ موجودةً سلفاً. ولهذا السببِ لم يحالف الحظُّ كلَّ تمرداتِ الكادحين العبيد، بدءاً من سبارتاكوس إلى كومونةِ باريس . ولم يكن نجاحُهُم ممكناً إلا بشرطٍ واحد: أنْ يَجعَلوا أنفسهم دَماً طازجاً للسلطة! ولكنّ هذا يعني الإرفاقَ مرةً أخرى بالمجتمع المديني، ليس إلا. والاشتراكيةُ العلمية خيرُ مثالٍ ضاربٍ للنظر في توضيحِ هذا الواقع بشكلٍ وجيزٍ من خلالِ تجاربها طيلةَ قرنٍ ونصف.
ولكن، ألا توجدُ روابطُ بين هذه النتائج مع الإقحام والإرفاق بدائرةِ علاقاتِ السلطة؟ الخاصيةُ الأساسُ الواجبُ استيعابُها هي مستوى تبعيةِ الطبقيةِ داخلَ علاقاتِ السلطة الرسمية، وماهيتُها، ومدى تَحَلِّي الطبقية لوحدها بمعانيَ قيِّمةٍ وممارسةٍ عملياتية أو خُلُوِّها منها. وسواءً كان السيدُ والسنيور وربُّ العمل والبرجوازي في الطبقة العليا من التمايز الطبقي، أو كان العبد والقن والعامل في الطبقة السفلى منه، فهم يتفاهمون بالمنظورِ الأيديولوجي والسياسي نفسِه ضمن علاقاتِ السلطة. ولا قيمةَ بارزة لاعتراضاتهم فيما بينهم. فهذه العلاقة أَشبَهُ بشبكةٍ لها ألفُ عقدةٍ وعقدة. فإذا ما اعترضتَ على واحدةٍ منها، أو حتى مزَّقتَها واخترقتَها، فجميعُ العقدِ التسعمائة وتسعٍ وتسعين تبدأ بالعمل على الفور بحيث، ومثلما تُرَمِّمُ العقدةَ الممزَّقة، فلن تَترُكَ خناقَ الممزِّق إياها إلا بعدَ ربطه بأمتنِ عُقَدها، حتى ولو تَطَلَّبَ الأمرُ قطعَ رأسه.
لنفكر في حالِ الكادح في قبيلةٍ ما أو العاملِ في علاقاتِ الدولة والسلطةِ وفق رسمها التخطيطي الأولِ المؤسَّسِ على يدِ الرهبان السومريين وزعماءِ السلالات. بالأصل، إنّ العاملَ الذي شرعَ الراهبُ بِجَعلِه من أتباعه وعِباده متأثرٌ للغاية بقوةِ الشرعنة المذهلةِ للآلهة الجديدة (كاصطلاحِ القدسية الذي لا تضاهيه أيةُ قوةٍ ماديةٍ في قدرة التأثير على الفرد) المبتَدَعة في كلا الطابقين اللذَين يَعلوانه. ولو لَم يَكُنْ كذلك، لَكان من المحالِ إقحامهُ هناك. ثانياً؛ إنه يتغذى ويقتاتُ أفضلَ من السابق، ولا يتبدى أي طريقٍ آخرَ أمامَه لتغذيةٍ أفضل. ثالثاً؛ لا يمكن مقايسةَ إشباعِ رغباته الجنسية بالسابق، فواقعُ الحوريات الطافحاتِ بالجمال يُنعِشُ خيالَه ويُبهيه على الدوام.
كانت النساءُ المساهِمات في التشبثِ بالطاعة والخنوع والامتثال للنظام الموجود تُمنَحنَ بنسبةٍ تناهز ما تُنجِزُه الجيوشُ النظامية وما تُقَدِّمُه الوسائلُ الإعلامية الراهنة بأضعافٍ مضاعفة.
هذا العبدُ الجديدُ المُتَأَطِّر في طبقةٍ بِحَدِّ ذاتها، ليس متمرداً لأجلِ الحرية، بل، وأكثر ما يمكن أن يَكُونَه هو خائنُ الحرية، أو واقعةٌ مفرَّغةٌ من مفهومِ الحياة الحرة، أو ظاهرةٌ مختلفةٌ كلياً. وسيَسلُكُ زعيمُ السلالةِ أيضاً ممارسةً شبيهةً لدى توجُّهِهِ نحوَ علاقاتِ الدولة والسلطة. فالشرطُ الأولي هو البروزُ أكثر بين صفوفِ قوى التحالف الأساسية، وترسيخُ تنظيمٍ وطيدٍ مرتكزٍ إلى مصالحَ رصينة. فالسلالةُ (الأسرةُ الحاكمة) تتسم بالتقديرِ والاحترام والشرعية المهيبةِ ضمن علاقاتِ العائلة والنسبِ الواسعة. وتقاليدُ القبيلةِ تُبَجِّل الهرميةَ على الدوام. وأيُّ استياءٍ بسيطٍ، إما أنْ يُحَلَّ في مجلسِ القبيلة سلمياً، أو بالاشتباك والنزاع. ومن غيرِ الاستراتيجي إبراز طابعِ الطبقةِ على أنها الجانبُ الأضعفُ في هكذا نمطٍ من السلالةِ المتوجهة نحو التدول في خضمِّ هكذا علاقات معقدة. أودُّ الوصولَ إلى أنّ الطبقيةَ إحدى أهمِّ طبائعِ ومميزات المدنية، ولكنّ المعانيَ الاستراتيجيةَ المعمولَ بها أساساً في الثورات الطبقية بعيدةٌ عن نيلِ النتائج المرجوة في التنفيذ العملي، وإنْ تَبَدَّت إمكانيةُ ذلك نظرياً. فجميعُ المدنيات والسلطات المنهارة قد أُطِيحَ بها واندثرت مع عبيدها وكادحيها. في حين أنّ نَسْفَ السلطاتِ على يدِ عبيدها أو كادحيها أمرٌ نادرٌ جداً. وحتى لو حصل، فالسلطةُ الجديدة لا تُعَبِّرُ عن شيءٍ أكثرَ من كونِها آلةً للمزيد من الظلمِ والاستغلالِ والطغيان، بحيث يَتَرَحَّم المرءُ على سابقتها.
إنّ رؤيةَ التاريخ مجردَ حروبٍ طبقيةٍ رأيٌ إسقاطيٌّ واختزاليٌّ مُغالٍ فيه. فالقمعُ والاستغلال طرازٌ ونظامٌ تعتمد عليه الحضارة المدينية – وبالتالي تاريخُها – في تحقيقِ الديمومة. إلا أنّ أيديولوجيتَها وسياستَها وحتى اقتصادَها يعمل بشكلٍ مغاير. أو بالأحرى، فالطبقةُ المناهِضة للطبقةِ النخبة ليست بنمطٍ يرسم مجرى التاريخ. لا نناقش هنا مدى فظاعةِ الاستعبادِ والسفالةِ التي يفرضها النظامُ القائم وإنكارِه الحرية. ما نَوَدُّ سردُهُ هنا هو جريانُ تأسيسِ وانهيارِ نظمِ السلطة والمدنية بمعانيَ واستراتيجياتٍ مغايرة، وأنّ الصراعَ بالمنطقِ الطبقيِّ تجاه الطبقةِ في نظامِ السلطة ومدنيتها القائمة، إما أنْ يؤديَ إلى الانضمامِ إليها عن وعيٍ وكشكلٍ جديدٍ للسلطة، أو بالعكس، وفي حال مناهضتها، فهو لا يذهبُ أبعدَ من ضخِّ دمٍ طازجٍ آخرَ فيها (تجاربُ السوفييت والصين). هذا ما نناقشه ونتداوله. قد يُوجَّه إلينا نقدٌ منذ الآن بأننا غالَينا في إسقاطِ كل شيءٍ على السلطة في هذا النقاش، وكأننا لم نتركْ باباً للنفاذِ منها. أُنَوِّهُ هنا إلى أننا سنتناول هذا الموضوع في فصلِ سوسيولوجيا الحرية على نطاقٍ واسعٍ للردِّ عليه. ولكن، أشيرُ بسرعةٍ كَرَدٍّ على ذلك إلى أنه للحريةِ أيضاً مَيدانُها الاجتماعي ومنطقُها واستراتيجيتُها الخاصةُ بها والمغايرةُ بقدرِ ما للسلطةِ أيديولوجيتُها وسياستُها وتنظيمُها بأقلِّ تقدير.
ج- رغمَ كَونِ التساؤلِ: صراعُ المدنياتِ أم حوارُها وتحالُفُها؟ مشكلةً يَكثُرُ الجدلُ بشأنِها في الممارسةِ العملية الراهنة، إلا أنّ معانيها التاريخيةَ أشملُ بكثيرٍ من ذلك.
المجتمعُ المديني بنيةٌ تُوَلِّدُ الصراعَ أساساً، سواءً في داخلها أو فيما بين المدنياتِ المتباينة. إنّ المعانيَ والغاياتِ التي لأجلها أُنتِجَت هذه البنية، والتمييزَ الطبقيَّ المعتمدَ عليه، وواقعَ القمعِ والاستغلال والخداعِ الدائم والحجبِ المستمر في سبيل ذلك؛ كلُّ ذلك يوضحُ دوافعَ طباعِها المُوَلِّدةِ دوماً للصراع. فالسلطةُ والطبقيةُ بِحَدِّ ذاتِهِما تعنيان الصراع. وسرَيانُ ذلك داخلياً أو خارجياً لا يُغَيِّرُ من جوهره شيئاً. كما أنه ليس من الواقعيِّ تغيير مضمونِ المدنيات بِتَوصيفِها، أو بعكسِها وكأنّ مضمونَها مختلفٌ عما هو عليه. فكونُها مدنياتٍ حربيةً أم سلمية، توحيديةً أم متعددةَ الآلهة، معطاءةً أم جدباءَ قاحلة، مثقفةً أم جاهلة، تتألفُ من نفسِ القوم أم من أقوامٍ مختلفة؛ فهذا لا يُغَيِّرُ من ماهيتِها شيئاً. فالقوةُ الموجِّهةُ تَعتَبِرُ نفسَها مُكَلَّفَةً ومُسَخَّرةً للمهمة إلى أنْ تفتحَ العالمَ أجمع. وبلوغُ القوةِ والنفوذ العالمي مَرَضٌ بنيويٌّ ينبعُ من السلطة، حيث تبدأُ بالتراجعِ في لحظةِ تَوَقُّفِ تَوَسُّعِها. ومحصلةُ ذلك لا تعني الرجوعَ إلى الحالِ الطبيعي، بل الانهيارَ والدمار. ذلك أنه ما مِن حالٍ طبيعيةٍ لنظمِ السلطة كافة، بل إنها أَشبَهُ بمرضِ السرطان، إما أنْ تُضطَرَّ للقضاءِ على الغير، أو أنْ يُقضى عليها. وكَم من شخصياتٍ كثيرة تنتمي لزعامةِ عشيرةٍ بسيطةٍ امتَطَت حصانَ المدنية لتقومَ بتأليهِ ذاتها.
تحتَ الادعاءِ بالألوهيةِ تَتَسَتَّرُ قوةُ إفناء البشرية. فالذي يُفني كثيراً في الحربِ يَظُنُّ أنه سيُبدِعُ كلَّ عظيم. وهذا ما يُعزى إلى مَرَضِ المغالاةِ في الذاتِ في حالِ العجزِ عن ضبطِ الأنانية نفسياً. والنظامُ المديني يُقَدِّمُ المجتمعَ الذي يهيئ الأجواءَ لانتعاشِ واستفحالِ هذا المرض. ولذلك يُقال أنه ما مِن قيمةٍ أو شخصيةٍ اجتماعيةٍ تَعجَزُ السلطةُ عن تمييعها وشرذمتِها. إنه تقييمٌ مرتبطٌ بجوهرِ السلطة. والمدنياتُ هي الأنظمةُ الأكثرُ تناقضاً مع الحياةِ لكونها مجتمعاتٌ سلطوية. إذ، ما مِن قيمةٍ لا يمكن الفداءَ بها تكريماً للسلطة، بِدءاً من الأخ إلى الزوج إلى الصديق. فلدى التمحيصِ في القوى الإداريةِ للمدنيات، سنجدُ أنها لم تتوانَ عن ارتكابِ أفظعِ الجرائم، ولم تتركْ مكيدةً إلا ولجأَت إليها. كما أنها تُسَمِّي منهجيةَ الكذبِ والرياء بالسياسة.
د- من الضروريِّ لَفت الأنظارِ جيداً لخاصيةٍ هامةٍ متمأسسةٍ في المجتمعاتِ المدينية، ويمكننا تسميتُها بحالةِ المجتمعِ المعتادِ على السلطةِ والمتآلف معها. إنه أَشبَهُ بإعادةِ تكوينِ المرأةِ بموجبِ تقاليدِ التأنيث karılaşma، إذ، لا تتأكدُ السلطةُ من وجودِها قبلَ أنْ تَتَحَقَّقَ مِن إعدادِ المجتمع على غرارِ تأنيثِ المرأة. لقد تَمَأسَسَت ظاهرةُ التأنيث كأقدمِ مظاهرِ العبودية، حصيلةَ بسطِ نفوذِ المجتمعِ الجنسوي، بعدَ إلحاقِ الهزيمةِ بالمرأة - الأم وعباداتِها وطقوسها جمعاء بَعدَ صراعاتٍ محتدمةٍ ضاريةٍ وشاملةٍ طويلةِ الأمد على يدِ الرجلِ القوي الجبارِ وحاشِيَتِهِ. ولَربما رسَّخَ هذا النفوذُ المهيمنُ جذورَه في المجتمع حتى قَبلَ اكتمالِ تَطَوُّرِ الحضارة. إنه كفاحٌ عتيدٌ ومتواصلٌ لدرجةِ أنّ ثقافةَ المرأةِ - الأم قد مُحِيَت كلياً من الذاكرة، ولم تَعُد تَتَذَكَّر المرأةُ ما الذي خَسِرَتْهُ وأين وكيف فَقَدَته، وغَدَتْ تَعتَبِرُ الأنوثةَ الخانعةَ المنصاعةَ أمراً طبيعياً. ولهذا السببِ بالذات، لم تُشَرعَنْ أو تُهضَمْ أو تَتَجَذَّر أيةُ عبوديةٍ بقدرِ ما هي عليه عبوديةُ المرأة.
ولهذا التكوينِ نوعان من التأثيرِ الهَدَّامِ على المجتمع. أولُهُما؛ فَتحُ المجتمعِ أمام العبودية، وثانيهما؛ تسييرُ كافةِ أشكالِ العبوديةِ الأخرى تأسيساً على ظاهرةِ التأنيث. فالتأنيثُ ليس موضوعاً جنسوياً محضاً مثلما يُعتقَد، ولا يُعَبِّرُ عن خاصيةٍ بيولوجية. بل إنّ التأنيثَ في جوهرِهِ خاصيةٌ اجتماعية. فجميعُ المواقفِ والسلوكيات التي تُفيدُ برفضِ أخلاقِ الحرية، من قَبيلِ العبودية، الخنوعِ، تَحَمُّلِ وهضمِ الإهانة والاستحقار، البكاءِ، الاعتيادِ على الكذب والرياء، السماجةِ وانعدامِ الطموح، ومنحِ الذات وعرضِها؛ جميعُها تُعتبَرُ مِن مهنةِ الأنوثة الخانعة، وتُشَكِّلُ بجانبها هذا الأرضيةَ الاجتماعيةَ المنحطة، والوسطَ الأصليَّ للعبودية. كما أنها تُعَدُّ الأرضيةَ المؤسساتيةَ التي تتفَعَّل عليها كافةُ ضروبِ العبودية واللاأخلاقية وأقدمُها. والمجتمعُ المديني معنيٌّ ومرتبطٌ بانعكاسِ هذه الأرضية على كافةِ الفئات الاجتماعية. فتأنيثُ المجتمعِ برمته ضرورةٌ حتميةٌ لسيرِ النظام القائم. والسلطةُ تعادلُ الرجولة، إذن، والحالُ هذه، لا ملاذَ من تأنيثِ المجتمع. فالسلطةُ لا تعترفُ بمبدأِ الحريةِ والمساواة، وإلا، فلا يمكنها أنْ تَكُون. بالتالي، فالتشابهُ بين السلطةِ والمجتمعِ الجنسوي جوهريُّ الطابع.
فمَنْحُ الشبابِ اليافعين رسمياً كـ"غلام" لرجلٍ حكيمٍ مجرِّبٍ عادةٌ معروفةٌ لدى اليونانيين، الذين يُعَدُّون أحدَ أهمِّ وأعظمِ مراحلِ الحضارة المدينية. لقد عَجِزتُ عن تحليلِ أسبابِ ذلك مدةً طويلة. فحتى فيلسوفٌ ذائعُ الصِّيتِ مِثلَ سقراط يقول: "ليس مُهِمّاً الاستفادةُ الدائمةُ من الغلام، بل المهم تربيتُه على يدِ سيده". إذن، فالمنطقُ والغايةُ البارزةُ هنا ليست الانتفاعَ الدائمَ مِن الشبابِ كَغِلمان، بل إعدادُهُم للتحلي بالخصائصِ الأنثوية. ولكي نُوضِّحَ الأمرَ أكثر، فالمدنيةُ اليونانيةُ ترغبُ في مجتمعٍ مستأنَث. إذ مِن المحالِ تكوينُ هذا المجتمعِ عبرَ الشباب النبلاء والشرفاء، بل يتطلبُ ترسيخُ التصرفاتِ والسلوكيات الأنثويةِ فيهم كي يُنشأَ المجتمع. هذا وثمةَ ميولٌ مشابهةٌ لذلك في كافةِ مجتمعاتِ الحضارة المدينية. والغلمانيةُ (اللوطية) متفشيةٌ ومستشريةٌ في هذا المجتمع لدرجةِ أنّ استحواذَ كلِّ سيدٍ على غلامٍ وَصِيفٍ غدا تقليداً راسخاً. إذن، من المهم بمكانٍ النظرُ إلى اللوطيةِ كظاهرةٍ اجتماعيةٍ متمخضةٍ عن المجتمعِ الطبقي والسلطوي، أكثرَ من كونها شذوذٌ جنسي أو مرضٌ شخصي. أي أنّ الجنسانيةَ (الجنسوية) والسلطةَ مَرَضانِ اجتماعيان في المجتمعِ المديني، بل وهما كالسرطان. فمثلما لا يتواجدُ أحدُهما دونَ الآخر، فهما يُكثِران بعضَهما البعض أيضاً، تماماً مثلما تتكاثرُ الخلايا السرطانية. سنعمل على الاستفاضةِ في شرحِ الروابطِ بين السرطان الشخصي والسرطانِ الاجتماعي في فصلِ الحداثة الرأسمالية.
أودُّ الوصولَ إلى محصلةٍ مفادُها أنّ أرضيةَ السلطةِ قد تَمَّ إعدادُها بعنايةٍ فائقةٍ ممتدةٍ لآلافِ السنين وعلى غرارِ مثالِ التأنيث في المجتمعات المدينية. فتقاليدُ الحضارةِ المدينية تَنظُرُ إلى المرأة على أنها "حقلُ الرجل". وثمةَ تقليدٌ مشابهٌ يجري في المجتمع أيضاً. إذ، على الرجلِ أنْ يمنحَ نفسَه للسلطةِ مِثلَ المرأة. أما المتمردُ على ذلك، والرافضُ منح ذاته، فيتمُ السعيُ لإعدادِهِ وتهيئتِهِ عن طريقِ الحروب.
إنّ النظرَ إلى مرحلةِ السلطة على أنها عمليةٌ آنيةٌ لشخصٍ أو زمرةٍ أو طبقةٍ أو حتى أمةٍ ما يتضمنُ مغالطاتٍ فادحةً. قد تُؤسَّسُ الحكوماتُ آنياً، أما السلطاتُ والنظمُ السياسية في المجتمعاتِ المدينية، فقد تَمَّ إعدادُها أوّلاً كثقافةٍ (حقلٍ، تقليدٍ) سلطويةٍ على مَرِّ مئاتِ السنين مِن قِبَل الأباطرةِ الوحشيين والزُّمَرِ وكافةِ أشكالِ القوى المهيمنة. هكذا، وكيفما تَقبَلُ الزوجةُ بزوجها وتنتظرُهُ وكأنه قدرُها المكتوبُ على الجبين، فالمجتمعاتُ أيضاً – وبشكلٍ مطابق – تَخضَعُ للسلطةِ كَقَدَرِها المحتوم، وتنتظرُ استثمارَها كالحقلِ ينتظرُ صاحبَه، أو رُوِّضَت على اعتيادِ ذلك. فالسلطةُ متواجدةٌ في المجتمعِ كثقافةٍ سلطوية. من هنا، فمقولةُ باكونين في هذا المضمار قَيِّمَةٌ للغاية: "إنّ أكثرَ الديمقراطيين ثقةً بأنفسِهِم يَفسُدون خلالَ أربعٍ وعشرين ساعةً على دفةِ السلطة". إنّ أرضيةَ السلطةِ بذاتها هي التي تهيئُ وتُؤَمِّنُ هذا الفسادَ، الذي طالما عَجِزتُ عن إيضاحِهِ مدةً طويلةً رغمَ مساعيَّ الدؤوبة. فَكُرسِيُّ السلطةِ المتشكلُ من تراكمِ سيولِ الدماءِ المُراقةِ والاستغلالِ اللامحدودِ (الحروبِ اللامتناهية والاستعمارِ اللامنقطع) طيلةَ آلافِ السنين، سيُفسِد المتربعَ عليه بطبيعةِ الحال خلالَ أربعٍ وعشرين ساعة. في حين أنه سيعجز عن إفسادِه بشرطٍ وحيد: إنْ صان ذاتَه وكأنه في عبادةِ الرب! فالسلطةُ المتأسسةُ وَسَطَ المكائدِ والحِيَلِ والحروبِ والاستعمار والاستغلال الذي لا حدودَ له، مؤثرةٌ حقاً من جهةِ كَونِها تقليدٌ وثقافةٌ ونظام. بل إنها تكاد تكون مُفسِدةً بشكلٍ مطلقٍ وقطعي. وخيرُ مثالٍ على ذلك، ما شَهِدَته "الاشتراكيةُ المشيدة".
واضحٌ أنه ما مِن شكٍّ في حُسنِ نوايا مؤسِّسيِ النظامِ وتشبثهم بأهدافهم. ولكن، كيف حصلَ واستسلمَ مؤسِّسو الاشتراكيةِ المشيدةِ طوعاً للرأسمالية التي حاربوها بعناد؟ حسب رأيي، السببُ الأوليُّ في هذه المأساةِ التاريخية يُعزى إلى كيفيةِ بلوغهم السلطةَ وأنماطِ استخدامهم إياها. فمؤسِّسو الاشتراكيةِ أصبحوا سلطةً بالتأسيس على ثقافةِ المجتمع المديني. بمعنى آخر، دعكَ من الترددِ في التربعِ على عرشِ السلطة القائمةِ على أنقاضِ الميراث الاستعماري الدموي (المجتمعِ المروَّضِ على التآلفِ مع السلطة ذاتِ التقاليد الدولتية)، والتي طالما ادَّعوا أنهم معارضون لها، بل والتفّوا حولها وتشبثوا بها بنواجذهم (بأظافرهم). والأنكى أنهم لم يَوَدُّوا الإدراكَ أنّ السلطةَ عاهرٌ من النوع الذي ما مِن صاحبٍ لها إلا وأَغوَتْهُ وخَتَلَتْهُ. بل ولم يتمالكوا أنفسَهم من تقييمِ بعضِ الانتقادات الموجَّهةِ إليهم (كانتقادِ كروبوتكين لـ لينين بسببِ الانتقالِ السريعِ من السوفييتيات إلى سلطةِ الدولة) في هذا السياق على أنها انتهازية. لقد دنا والرشتاين من الحقيقةِ عندما قال بانهيارِ السوفييتات بتأثيرٍ مشترَكٍ مِن الرأسماليةِ والنظام العالمي القائم، وبافتقارها للقدرةِ على تجاوزهما والتغلبِ عليهما؛ إلا أنه (والرشتاين) بعيدٌ عن المَساسِ بجوهرِ القضية. أما ميشيل فوكو، فهو أَقرَبُ إلى الحقيقةِ عندما فَسَّرَ ذلك بأنّ لجوءَ السوفييت إلى استخدامِ نفسِ تقنياتِ المعرفة – السلطةِ للنظام القائم هو الدافعُ وراءَ التحامِها مجدداً مع النظام.
والتفسيراتُ والتعليلاتُ المشابهةُ ساريةٌ على جميعِ الكفاحات والمبادراتِ الحاصلة، بدءاً من كومونةِ باريس إلى الحركاتِ الوطنية التحررية والشيوعيةِ والديمقراطية الاجتماعيةِ التي لا عَدَّ لها ولا حصر. فكلُّ حقلٍ يُنتِجُ نباتاً خاصاً به. لذا، من المحال أنْ تَزدَهِرَ نباتاتُ الحرية عموماً والاشتراكيةِ خصيصاً في حقولِ السلطة المعرفيةِ المعمِّرةِ آلافاً من السنين. لهذا الغرض، وقبلَ كلِّ شيء، على الناشطين في ميدانِ الحرية والاشتراكية (وبالطبع، مُنَظِّرِيها أيضاً)، إعداد حقولِهِم الخاصةِ بهم، والقيام بتشخيصِ كافةِ الأمراض المُعدِيَة المتناميةِ في حقلِ السلطة، وتحديد العلاجِ الشافي منها. والأهمُّ من كلِّ ذلك، عليهم الابتعاد عن بعضِ الشتلاتِ المزدهرة من قَبِيلِ السلطة (كافةِ أنواعِ تمأسسها وشخصيتها)، وزرع وتنمية شتلاتهم الجوهريةِ الخاصة بهم (أشكالِ الديمقراطية الغنية). وفي حالِ العكس، فلا ملاذَ لهم من إعادةِ تكرارِ آلافِ الأمثلة المعاشة طيلةَ تاريخِ المدنية، والتي لطالما زَعَمَت أنها "زَرَعَت الحرية"، ولكنها لم تَنجُ في نهايةِ المآل من العيش ورؤيةِ ذاتها بأنها لَم تختلفْ عن النظمِ السلطوية السابقة. لقد تَلَمَّسْتُ الحاجة للتطرقِ لهذا الموضوعِ تمهيداً لتناولِهِ بإسهابٍ في فصلِ سوسيولوجيا الحرية، وذلك بهدفِ التذكير بروابطِهِ مع السوسيولوجيا البنيوية.
هـ- من المهم أيضاً تسليط الضوء على دورِ الفعاليات المؤسساتية لدى المجتمعات المدينية في ميادينِ الدين، العلمِ، الفلسفة، الفن، والأخلاق وغيرها.
ما يُزعَم هو أنه ثمةَ أواصرُ وطيدةٌ بين تَطَوُّرِ كُلٍّ من المدنية وميادينِ الدين والعلم والفلسفة والفن والأخلاق. إنّ أكثرَ الأحكام قابليةً للتفسير متعلقةٌ بهذه الميادين. إني على قناعةٍ بأننا شاهَدنا بشكلٍ ملموسٍ كيف وبأيّّةِ غايةٍ أُنشِئَت هذه الميادينُ التي شَهِدَت انطلاقةً مذهلةً في دولةِ الرهبان السومريين. كما تَلَمَّسْنا كيف أَينَعَت هذه الميادينُ وانتهلَت حالتَها الرشيمية من الثقافةِ النيوليتية المتمأسسةِ في حوضِ دجلة والفرات.
يتستر وراءَ اصطلاحِ القدسية إيلاءُ قيمةٍ ثمينةٍ واستثنائيةٍ للقُوتِ المستخدَمِ في تغذيةِ الإنسان. فلدى حظيهم بالقوتِ الوفيرِ المتنوع نَظَرَ إليه البشرُ على أنه مُعادِلٌ لهوياتهم الاجتماعية، فقيَّموه بأنه لطفُ الألوهية وعطفُها، فراحوا يشكرونها. وما نعجز اليومَ أيضاً عن إدراكِ معناه الشاملِ في عظمةِ الحياة وسحرها هو الألوهيةُ كمبدأٍ تكويني، وكاصطلاحٍ لطالما يلوذُ إليه الإنسان لدى سعيه لإيلاء المعاني لتلك العظمة السحرية. يجب عدم الخلط بين الألوهية وبين الله. فاللهُ المُنشَأ في أوساطِ الثقافةِ السامية يتسم بمعانيَ مغايرةٍ وبمجرى تطوريٍّ خاص. إنّ الألوهيةَ المُعَبَّرَ عنها بمبدأِ التكوين لأجلِ كافةِ المجتمعات البشرية اصطلاحٌ قابلٌ للتفسيرِ بمعانيَ عديدةٍ للغاية، ولا يزال يَصُونُ خاصيته هذه. فالزعم بمقدرةِ الإنسان على تفسير الكون، وهو كائنٌ محدودُ الاستيعابِ، يعني المغالاةَ في تعظيمِ شأنه. وتأسيساً على ذلك، فإنّ إحالةَ كلِّ شيءٍ محالٌ فهمُهُ إلى مصطلح الألوهية بهذه الآفاقِ الضيقة للغاية من المعلومات والمعرفةِ، يُعَدُّ ميتافيزيقيةً حسنة. وكُلِّي قناعةٌ بعدمِ وجودِ مخاطرِ ذلك البتة. وإلا، فالعكسُ يعني القبولَ بالإنسان كإلهٍ واحدٍ أحد، وأنا مقتنعٌ بأنّ المبالغةَ في تضخيمِ الذات لهذه الدرجة سينفي كلَّ معانيَ الكون.
لقد قيَّمَ الرهبانُ السومريون صُنعَ الإلهِ كوسيلةٍ لتيسيرِ الإيضاح وكمؤثرٍ معنويٍّ لأجلِ المجتمعات التي شادوها، أكثرَ من النظرِ إليه كميتافيزيقيا متطورة. ولَربما كان الرهبانُ أولَ مَن يُحَمِّل اصطلاحَ الإلهِ معانيَ العقابِ والحرام لتسخيره في تطويرِ عاطفةِ الطاعة والانصياع. وهكذا يَحصُلُ تدويلُ الإلهِ رويداً رويداً. وهنا مِربَضُ الإصلاح. ثمةَ العديدُ مِن الدلالاتِ المشيرةِ إلى أنهم نظَّموا مكانَ الجلسات وأشكالَ الرسوم بموجبِ تعزيزِ شأنِ إداريي الدولة (بالتالي إدارةِ المجتمع). فالمَلِكُ يستُرُ مصالحَه الحقيقيةَ بمهارةٍ ودهاءٍ عندما يخوض الحربَ باسمِ إلهه. والإداريُّ في كافةِ السرود المدوَّنةِ والمنقوشة هو ابنُ الإله المحبَّبِ والمعزَّزِ على الدوام، في حين أنّ أعداءه شياطينُ يجب قهرُها ولعنُها. وتتشكل مجموعةٌ إلهيةٌ على مَهَل، كانعكاسٍ ساطعٍ للإدارةِ الجديدة.
لم ينعكس تكافؤُ الإلهِ مع الإداريِّ بهذا الجلاء في أيِّ مجتمعٍ بقدرِ ما هو عليه في المجتمع السومري، بحيث لم يَعُدْ ثمةَ أهميةٍ للتساؤلِ عما إذا كان أيٌّ منهما قناعاً للآخر. فبقدرِ ما دُوِّل الإلهُ (أصبح دولة)، استمرَّ باكتسابِ معانيه في طبقةِ الإداريين كقوةٍ مبدعةٍ وموجِّهةٍ ومراقِبةٍ ساميةٍ وجليلةٍ على رأسِ المجتمع. وبقدرِ ما تحظى مهنةُ الإدارةِ بالخاصيات والمزايا، فلن يتخلف إلهُها أيضاً عنها. وبقدرِ ما يُدار المجتمع بالفضيلة، يَكُونُ ذلك برهاناً على متانةِ أواصرِ الإداريِّ مع الألوهيةِ بنفسِ القدر. وهكذا، يتحولُ الجزمُ بالتفريقِ بين الإلهِ والإداريِّ إلى أمرٍ عويصٍ معَ الزمن بالنسبة إلى الرعية في المجتمع. ولِتَطَوُّرِ الميتافيزيقيا السيئةِ علاقةٌ مع هذه المستجدات. فالألوهيةُ المُنشأة تبدأ بالتحولِ إلى ميتافيزيقيا سيئة. وعُقبَ هذه المرحلة ستَكتَشِفُ كافةُ المجتمعات المدينيةِ القوةَ السحريةَ للدين والإله، وستُسَخِّرُها في شرعنةِ إدارتها. ورغم بقاءِ الإله القديمِ المقدَّس والخالقِ والخصيب النسلِ عالقاً في زاويةِ الفكر والعواطفِ لدى المسحوقين والرعايا، إلا أنّ الإلهَ والدينَ الجديدَين المتدوِّلَين سيُعَبِّران عن تأديةِ دورهما العلني بواسطةِ عِبادِ الإداريِّ المعزَّز والمحبوب.
ثمةَ عُرى وثيقةٌ بين تعدادِ الآلهة وشكلِ المجتمع، تَستَحِقٌّ الالتفاتَ إليها. فالتعدديةُ الألوهية هي مفهومُ الإلهِ في العصور التي سادَتها المساواةُ بين القبائل. في حين أنّ تناقصَ عددها، وترتيبَها بموجبِ عظمتها مرتبطٌ عن كثبِ ببروتوكولِ الإداريِّ وموقعه وأعرافِهِ السياسية. والتوجهُ نحو الإلهِ الأكبر يتوافق مع بروزِ التمايزِ بين الإداريين. أما العلاقةُ بين مفهومِ الدين التوحيدي ذي الإلهِ الخفي المحالِ تجسيدُهُ في هيكلٍ أو رسم، وبين تَخَطِّي الدولةِ للشخصياتِ وتحقيقِ تمأسُسِها؛ فهي غريبةُ الأطوار وخليقةٌ بالبحثِ والتدقيقِ في معانيها القَيِّمة. وبهذا المعنى، فستُساعِدُ الجهودُ اللاهوتيةُ على تمهيدِ الطريق لاستنارةٍ ثمينةٍ للغاية.
بينما يعني تناقُصُ تَوَاجُدِ الإلهِ لدى القوى الإداريةِ سقوطَ الأقنعةِ عنها، فهو من جانبٍ آخر يُسلِّطُ الضوءَ على ما تَعنِيه الدولةُ، والجهةِ التي تخدمُ مصالحها، علاوةً على إشارتهِ لفقدانِ الدين بما فيه الكفاية لدورِه القوي كأداةِ شرعنةٍ وطيدة. ومقابلَ هذه التطورات، فقد سَخَّرَ المجتمعُ المديني تأثيرَ الدين في تأمينِ الشرعية لخدمته بقدرِ لجوئه إلى العنف والطغيان. وهكذا يتزامنُ ويتماشى تدويلُ الدين وتخصيصُه مع تَطَوُّرِ المجتمعِ المديني، وبالأخصِّ مع التطورِ الإداري فيه. وهذا الوضعُ أيضاً يوضحُ دوافعَ المذهبية والصدامات في الأديان. فالمدنياتُ المتصارعةُ تعني الأديانَ والمذاهبَ المتصارعة. حيث تنشب الصراعاتُ والصداماتُ أوَّلاً باسمِ الأديانِ والمذاهبِ لتأمينِ انخراطِ المجتمع برمته فيها. هكذا سُيِّرَت الصراعاتُ العظمى والطويلةُ المدى بين المدنياتِ تحت قناعِ صراعِ الأديانِ الكبرى على الدوام. والروابطُ بين نشوبِ الحروب في مدنيةِ الشرق الأوسط باسمِ الأديان الإسلاميةِ والمسيحية والموسوية، وبين بروزِها كقوةٍ أساسيةٍ جليةٌ وعلنيةٌ لدرجةِ أنه لا داعيَ لإخفائها أو تغطيتها؛ حيث بَلَغَت أرقى مستوياتِها مع إعلانِ العلنية كأيديولوجيا رسميةٍ للدولة. ومثلما يُلاحَظُ على الدوام، فبعدَ كلِّ قمةٍ تبدأ أهميتُها بالانحدارِ والتهاوي. أما المذهبيةُ المعارِضة، فأصبحَت على الدوام تُمَثِّلُ رايةَ العصيانِ والتمرد للمجتمعاتِ المُهَمَّشة الضيقةِ الباقيةِ خارجَ نطاقِ المجتمع المديني، إضافةً إلى كَونِها تعكسُ التناقضاتِ الطبقيةَ نسبياً. ومع التوجهِ نحو يومنا الحاضرِ، تحولَت إلى مذاهبَ في عهدِ إنشاءِ الدولة القومية الرأسمالية، لتغدوَ ضرباً من ضروبِ القوموية، وتلتحفَ بهذا الثوبِ هذه المرة، لِتُواصِلَ مهامَّها في التقنُّع لدى توجهها نحو الحروبِ الدموية.
رغم محدوديةِ نطاقِ الفلسفةِ نسبةً إلى الدينِ في تاريخِ المدنية، إلا أنها تتميز بأهميةٍ ملحوظة. فَتَطَوُّرُ عِلمِ المعاني، وقُصُورُ الإيضاحاتِ الدينيةِ أبرزَ الحاجةَ إلى الفلسفة. هذا وتُعتَبَرُ الحكمةُ بدايةَ الفلسفة، باعتبارِها معمِّرةً بقدرِ قِدَم الدين. والحكيمُ الذي يُمَثِّلُ الإنسانَ المفكرَ يُعَدُّ منبعَ معانٍ مختلفةٍ عن اللاهوتية، ويُلجأُ إلى آرائه بقدرِ اللجوء للناطقين باسمِ الرب. ولا يمكن اعتبار الحكماءِ مسالِمين للدولة والمدنية، بل إنهم مرتبطون بالأكثر بالمجتمعِ الكامنِ خارجَ نطاقِ المجتمع الرسمي، ودورُهم بارزٌ في تَطَوُّرِ الأخلاق والعلم. إنّ نساءَ الإلهةِ – الأم، والشرائحَ الهرميةَ التي لم تُصِبها الرعونةُ والبَلادة بعدُ في المجتمعِ النيوليتي أَقرَبُ إلى الحكمةِ والمعرفة، ونصادفُ آثارَها الوطيدةَ في المجتمعِ السومري. كما أنّ الانطلاقاتِ النبويةَ مشحونةٌ بالحكمة. وتقاليدُ الحكمة – الفلسفةِ في الشرقِ الأوسط جديرةٌ بالبحثِ الشامل. لا جدالَ في وجودِ الفلسفة قبلَ الثقافةِ اليونانية. ويَكمُنُ حُسنُ طالعِ الفلاسفة اليونان في إمكانياتِهِم الجغرافيةِ ومعايشتِهِم مرحلةً أرقى من المدنية في آنٍ معاً. فكيفما سَيَّرَ الرهبانُ السومريون إنشاءَ الدينِ الجديد والإلهِ الجديد وتشييدَ الدولةِ الجديدة والمجتمعِ الجديد معاً، فقد لعبَ الفلاسفةُ اليونانيون أيضاً دورَهم في بناءِ وديمومةِ المجتمع المديني الجديدِ بمرحلة أرقى، بحيث تتداخلُ فيه الفلسفةُ مع الدين بالتناصف. والعملُ الحاصلُ هو نفسه: استخدامُ فَنِّ المصطلحات. فبينما يؤدي الأولُ دورَه مع إنشاءِ الدين، يقوم الثاني بتأديةِ الدورِ عينِهِ عبرَ المصطلحاتِ الفلسفية. وهكذا سَتَتَنَحَّى الآلهةُ المقَنَّعةُ عن أماكنها للآلهةِ غيرِ المقَنَّعة والملوكِ العراة. وهنا ثمةَ علاقةٌ بين الفلسفةِ والمسافات التي قطعها فكرُ الإنسانِ من التقدمِ والرقي.
إنّ الفكرَ الفلسفي الذي لعبَ دوراً محدوداً في المجتمعَين اليوناني والروماني سيَشهَدُ ثورةً عظمى في مجتمع أوروبا الرأسمالي. وهنا سنعيش فوضى فلسفيةً شبيهةً بما حصل في الأديان. وتُعزى أسباب هذه الفوضى بالأكثر إلى إبرازِ المصالحِ الوطنية والطبقيةِ إلى المقدمة بموجبِ متطلباتِ النظام القائم في مرحلةِ الحضارةِ المدينية الجديدة. حيث وقعَ العبءُ الأكثر على عاتقِ الفلسفة لدى الفشلِ في حلِّ التناقضات بالحروبِ الدينية. والحروبُ الناشبةُ فيما بين أعوام 1618 – 1649 تُعَدُّ آخرَ الحروب الدينية. وفي نفسِ الوقت، فالقرنُ السابعُ عشر هو قرنُ الثورةِ الفلسفية. فالفلسفةُ التي أَدَّت دورَها في المسؤوليةِ في المجتمعَين اليوناني والروماني غَدَت الشكلَ الأيديولوجي الرئيسَ في المجتمعِ المديني الجديد. وهكذا تنشأُ المدارسُ الفلسفيةُ الكبرى. وتُقطَعُ رؤوسُ الملوكِ المتسترين، بينما يتمُّ الإعلانُ أنّ "الإلهَ قد مات"، ويبدأُ عصرُ الدولِ الرأسمالية، التي ليست سوى الدولةَ القوميةَ المؤلَّهةَ والملكَ العاري.
تُمَهِّدُ الثورةُ النيوليتيةُ لاندلاعِ الثورة في ميدانِ الفن أيضاً. فعُقْبَ رسومِ المغاراتِ البسيطة تَشهَدُ المرحلةُ عدداً جماً من أشكالِ رسومِ الإلهةِ الأم ورموزِها، التي تُعتَبَرُ مواضيعَ Nesne الفن الأولى وسَلَفَ فنِّ النحت. ومع المجتمعِ المديني تُخَطُّ أشكالُ الإله والإداريِّ معاً بالتداخل. أما التمايزُ الطبقيُّ المتزايد، ومهامُّ الإدارةِ المتضاعفةُ، فتُمَهِّدُ لِتَدَوُّلِ الفنِّ أيضاً بقدرِ تَدَوُّلِ الدين. ونخصُّ بالذكرِ تسابقَ الإله والمَلكِ والراهبِ فيما بينهم في استعراضِ قواهُم في الفنونِ المصرية والصينية والهندية، وكأنّ هذه الهياكلَ الضخمةَ والمحفورات الباهرة دليلٌ على التعريفِ بِقُواهم. ويَحذو الفنُّ المِعماريُّ أيضاً نفسَ الحذو، حيث تُعتَبَرُ بيوتُ الدينِ والإداريين ساحاتِ تنفيذِ العَمار لتُشيَّدَ فيها المعابدُ والسرايا الفخمة. كما تُنشَأ القبورُ الضخمة. كلُّ ذلك دليلٌ صارخٌ ومروِّعٌ على الأبعادِ التي بَلَغَها العنفُ واستغلالُ الإنسانِ في المجتمع المديني، إذ يُستَهلَكُ مئاتُ الآلاف من البشر في سبيلِ تشييدِ هرمٍ أو معبد. ومع تَوَطُّدِ التجارةِ يصبح التُّجَّارُ أيضاً عاملاً هاماً يَطبع الفنَّ بطابعه. ومثلما الحالُ في الملوك، بالمقدورِ متابعة شؤونِ التجار الجبابرةِ في النتاجات الفنية أيضاً.
ومع عصرِ المدنيةِ اليونانية والرومانية نَشهَدُ ثورةً في معمارِ المدن. فالمدنُ – التي كانت عبارة عن قلاعٍ داخليةٍ وخارجيةٍ – تَمُرُّ بتحولاتٍ بنيويةٍ لا تفتأُ تثيرُ الدهشةَ والإعجابَ حتى في راهننا. وثمنُ الكدحِ الكامن وراء ذلك هو استعبادُ المجتمعِ بأبعادٍ مُروِّعةٍ. فكدحُ الرقيقِ يُستثمَرُ ويُستهلَكُ في إعمارِ المدن بنسبةٍ قصوى. ومؤشرُ العبودية هو تلك القبورُ والمعابدُ والقلاعُ والمدائنُ الضخمة. كما أنّ هذه المؤشرات دليلٌ فاضحٌ في نفسِ الوقت على مقدارِ العرقِ المتصببِ والدمِ المسكوبِ في تشييدِ المجتمع المديني. يُمَثِّلُ المجتمعُ اليوناني والروماني مرحلةً جديدةً من المدنية في ميدانِ النحت أيضاً، إذ يُرادُ تَخليد العظمةِ والأبهة والجمالِ في تلك الهياكل.
إنّ كلاً من الثقافة والفنِّ اليوناني والروماني، واللذين بُثَّت فيهما الحياةُ مع النهضة، يُشَكِّلان منهلَ قوةِ الإلهام في المدنية الأوروبية. فأوروبا الإقطاعيةُ، التي حَكَمَها الدينُ، لم يَكُنْ لها أن تفتحَ نوافذَها للذهنيةِ الجديدةِ، إلا مع ثقافةِ النهضة هذه المنفتحةِ نسبياً للفكرِ الحر. ولم يَكُنْ للفنِّ إلا أنْ يحظى بتأثيرٍ كميٍّ عن طريقِ البرجوازيةِ كطبقةٍ مدينيةٍ حديثةِ العهد، في حين أنه سيَفقُدُ بهاءَه القديمَ من غيرِ رجعة. فالفنُّ بكافةِ فروعِهِ مِن عمارٍ وموسيقا ورسمٍ ونحتٍ سيُصابُ سريعاً بالرعونةِ والتشرذمِ في خدمةِ الرأسمالية، وسيَفقُدُ قدسيتَه، وسيَخسَرُ هويتَه باسمِ صناعةِ الفنِّ، لِيَصِيرَ سلعةً استهلاكيةً تُعلِنُ إفلاسَها ونفاذَها الذريعَ بمعنىً من المعاني.
يُمكِنُ إرجاع المنبعِ العين للآدابِ والموسيقا إلى التمأسسِ النيوليتي. فكأنّ الموسيقا العريقةَ الأصيلةَ تَصدَحُ بصدى هذه المرحلة. واليومَ أيضاً باستطاعةِ نايِ الراعي، والمزمارِ، والطبلِ إحياءَ الجوِّ المشحونِ بالأحزانِ والعواطفِ الجياشةِ العائدةِ لتلك المرحلة، وكأنها أسلافُ الموسيقى. في حينِ يطرأُ عليها التطويرُ شكلاً ومضموناً في المجتمع السومري، حيث يتميز الموسيقيون والعازفون بمكانةٍ لا غنى عنها في قصورِ الملوك والمعابد.
والملاحمُ الشفهيةُ تَذْكُرُ حسراتِ وأشواقِ وقدسيةِ الهويةِ الأولى للعشيرةِ ببلاغةٍ مُحكَمة. إنها المنبعُ العينُ للملاحمِ المدوَّنة. وملحمةُ گلگامش هي أولُ وثيقةٍ مدوَّنةٍ في التاريخ، وربما أنها المصدرُ الأم للآدابِ والوثائق المقدسة أيضاً. فالعديدُ من الوثائقِ السومرية الأدبية والدينيةِ لا تُشَكِّلُ منبعَ الإلهامِ للشروح الأدبية واللاهوتيةِ اليونانية فحسب. فالملاحمُ اليونانية، وفي صدارتِها كافةُ التصوراتِ والتخيلاتِ الميثولوجية، تُعتَبَرُ نسختَها المعدَّلةَ العارِجةَ على بلادِ الأناضول بعد المرور بالتحوير والتغيير. هذه الثقافةُ الأدبيةُ والموسيقية الشاهدةُ على تغيرٍ ملحوظٍ هنا، تَمُرُّ بمرحلةٍ أخيرةٍ من التحديثِ مع ظهورِ الروايةِ في المجتمعِ البرجوازي الأوروبي، وتتحولُ إلى ثقافةِ رخيصة (ثقافة الصرعةِ والديسكو)، وإلى صناعةِ الثقافة، لتُضَيِّعَ قدسيتَها وأُبَّهَتَها السحرية الأولى، وتغدوَ وجهاً لوجهٍ أمامَ الاستهلاكِ والنفاذِ كسلعةٍ استهلاكيةٍ سمجةٍ وبسيطة، مثلما حَلَّ بالفنونِ الأخرى.
يرتبطُ الفصلُ بين "الفضيلة – الرذيلة" في المجتمعِ المديني بالانقسامِ الاجتماعيِّ الأساسي، ويوضِّحُ بإحدى جوانبِهِ أسبابَ المسافاتِ بين مجموعاتِ المصالِحِ المختلفة. أما على النطاقِ العام، فالفاضلُ والرذيلُ يُعَبِّران عن تمايُزِ المجتمع. أي أنّ جوهرَهما مجتمعي. فبينما يَدُلُّ الارتباطُ بالمجتمع عن الأخلاق الفاضلة، يُشِيرُ البُعدُ عنه والتعارُضُ مع قِيَمِهِ إلى الرذالة. إذن، فالبناءُ الاجتماعيُّ ذو طابعٍ أخلاقيٍّ منذ البداية. أي، يتمُّ ضبطُهُ بقواعدِ الترتيبِ والانتظام الجديدِ طوعاً، وبموجبِ أسسِ القدسية. فـ"الدستورُ الأول" للمجتمع هو قواعدُ الأخلاق، ليس إلا. فالأخلاقُ موجودةٌ في جوهرِ المجتمع. والمجتمعُ المفتقدُ لأسسِهِ الأخلاقيةِ لا خلاصَ له من التشتت والتناثر. أما الضوابطُ الاجتماعيةُ، فتعني في مضمونِها الالتزامَ بهويةِ المجتمع ووجودِهِ الإلهي ولغتِهِ، والتماسكَ مع الأعضاءِ الآخرين وكأنهم جسدٌ واحد، بل ووضْعَ الموتِ نُصبَ العينِ لأجلهم عندما يستدعي الأمر. أما الطردُ من المجتمع، فيعادل الموتَ بعينه.
تُعتَبَرُ الحقوقُ أحدَ أهمِّ إنجازاتِ المجتمع المديني، وتَبرُزُ للوسطِ بالتزامنِ مع الانقسامِ الاجتماعي والتمايزِ الطبقي والتدولِ بكلِّ تأكيد. وأساسُها الأخلاق. لكن، ومثلما أنّ تَدَوُّلَ المقدساتِ الدينية مَهَّدَ الطريقَ لظهورِ دينِ الدولة، فَتَدَوُّلُ الأخلاقِ أيضاً فتحَ الطريقَ للحقوق. أي أنّ الحقوقَ تُعَبِّرُ عن أسسِ ترتيبِ قواعدِ الأخلاق، ومصالحِ الطبقةِ الإدارية وأملاكِها وأمنِها في المجتمعِ الدولتي الجديد؛ وهذا بدورِه ما يعني "دستورَ" هذا المجتمع.
نَعثُرُ على أولِ مثالٍ للحقوق في الوثائقِ المدونةِ للمجتمعِ السومري، والتي تسبق قوانينَ حمورابي بِأَمَدٍ طويل. بالتالي، فَمَوطِنُ ولادةِ الحقوق ليس روما أو أثينا، بل مدائنُ سومر. أما في عهدِ أثينا وروما، فيتمُّ التشديدُ على أواصرِ الحقوق مع الجمهوريةِ والديمقراطية، ويُعادُ ترتيبُها وتدوينها رسمياً. وأما ولادةُ الجمهورية والديمقراطية، فتعني نزوعَ الطبقةِ الأرستقراطية (أسيادِ وأشرافِ المجتمع العبودي) وانحيازَها لنمطِ الإدارة الجماعية، بِغَرَضِ سَدِّ الطريقِ أمامَ الديكتاتوريات المَلكية والاستبدادية (أي، الإدارةِ المزاجيةِ للأشخاص). وبالرغم من عثورنا على آثارِها في المجتمع السومري، إلا أنّ تعابيرها الأولى المدونة والرسمية تتحققُ في المرحلةِ الحضارية لمجتمعِ أثينا وروما. وترتبطُ ولادةُ الجمهورية والديمقراطية بِالسَّعيِ للتغلبِ على المصاعبِ والفوضى والإشكالياتِ الموجودةِ في الإدارة، وإعادةِ ترتيبِ شؤونها. وهكذا سَتَكُونُ النَّزَعاتُ الدستوريةُ والجمهوريةُ والديمقراطيةُ في ميدانِ الحقوقِ في صدارةِ المواضيع المتداوَلةِ في المدنيةِ ذاتِ الطابع البرجوازي الأوروبي. وسيكونُ الاختراعُ الأخير معنياً بـ"حقوقِ الإنسان"، لتطغى عليه الفردانيةُ البارزةُ والممثليةُ الواسعة النطاقِ على الصعيدِ الاجتماعي.
يتوجب النظر إلى التقدمِ العلمي الحاصلِ كجزءٍ من هذه التصنيفاتِ الأساسية، وكشكلٍ من الوعي. وما يُمَيِّزُهُ عنها هو تَعبيرُهُ عن قسمِ المعرفةِ المُصادَقِ عليها من قِبَلِ الجميعِ بالتجربة. وهو لا يَشمَلُ كُلَّ المعارف، بل يتضمن المعلوماتِ ذاتَ المعانيَ الخاصةَ (المُصادَق عليها بالتجربة). وبشكلٍ عام، ما مِن معلومةٍ غيرِ مجرَّبة. أما التمييزُ بين تلك المعلوماتِ المعتمدةِ على التجربة وغيرِ المعتمدة عليها، وبين الوضعيةِ منها والميتافيزيقية، وبين النظريةِ والعملية؛ فيتطورُ في المجتمعِ المديني. وهو أمرٌ على علاقةٍ مع المعرفةِ – السلطة. يَشهَدُ التاريخُ ثلاثَ ثوراتٍ كبرى في ميدانِ المعرفة العلمية. المرحلةُ الأولى هي التمأسُسُ النيوليتي (عهدُ تل حلف فيما بين 6000 – 4000 ق.م) ومساهماتُ المجتمعِ السومري تأسيساً عليه. المرحلةُ الثانيةُ هي عهدُ مجتمعِ أثينا وغربي بلادِ الأناضول (600 – 300 ق.م). أما عهدُ أوروبا الغربية (1600 م. وما بعد) فيُشَكِّلُ المرحلةَ الثالثةَ منها. والعلاقةُ بين المعرفةِ العلمية ومراحلِ الحضارة المدينية جليةٌ جلاءَ النهار. فكلُّ مرحلةٍ تاريخيةٍ تتطورُ بالترافق مع ثورتها العلمية. ولكن، مِن المهم رؤية العلم ضمن عُرىً وثيقةٍ مع كلٍّ من الدين، الفلسفة، الآدابِ، الفن، والحقوق. في حين أنّ التمييزَ بين العلمِ والفلسفة أمرٌ عصيب، حيث يُمكِنُ اعتبارهما يُشَكِّلان الجانبَين النظري والعملي في تناولِ الحادث نفسه.
وبِشَكلٍ كلي، يُمكن التعبير عن الروابطِ بين المجتمعِ المديني وتصنيفاتِ المعاني تلك على شكلِ ثنائيةِ المعنى – السلطة. هذه التصنيفاتُ الكبرى بين المعاني وتعابيرِها العمليةِ الناجمةِ عن ممارسةِ المجتمع البشري العمليةِ وعن ذهنيته التي مهدت الطريق لها، تتعرضُ للنهبِ والسلب والتحريف على يدِ الشريحة الدولتية في المجتمع المديني. فأولُ ما انشغلَت به الشريحةُ المتدولةُ وأَحكَمَت قبضتَها عليه هو ترتيبُها لها، لتجعلَها مصدراً لبراديغمائيتها الاجتماعية وقوتِها العملية. أي أنّ كلَّ مرحلةٍ من مراحل المدنية تُرتَّب وتُنظَّم بناءً على براديغما أساسيةٍ جديدة (وجهةِ نظرٍ جذريةٍ ونظامٍ جذريٍّ للعالم). وبينما تَكُونُ هذه الترتيباتُ وضعيةً (ظواهرَ مَرئِيّةً) لأقصى حدٍّ بالنسبةِ إلى هذه الشريحة، فهي بالنسبة للرعايا الموجَّهين تعني الحدَّ الأعظمَ من التعتيم والتعميةِ والتقييد. لقد كانت الشرعيةُ التي تُؤَمِّنُها البراديغمائياتُ الجديدةُ محوراً أساسياً على الدوام للإداراتِ نسبةً إلى تلك الإدارات الطاغية علناً. فقد وَضَعَت الإداراتُ كلَّ ثِقَلِها وانهمكَت أساساً في كيفيةِ تقديمِ مصالحها على أنها مصالحُ المجتمع برمته، بل وقَدَرُهُ المحتوم. وبقدرِ ما تنجحُ في ذلك، تَكُونُ قد أطَالَت عمرَ المجتمعات التي تُعتَبَر حضارة. وبشكلٍ أساسي، فكلُّ مدنيةٍ تفتقد شرعيتَها (قوتَها على الإقناع)، لا خلاصَ لها من الانهيار، حتى ولو كانت من أعظمِ مدنياتِ العالم في يومٍ ما. وعلى سبيل المثال، فالأسبابُ الأصليةُ لانهيارِ المدنية الرومانية متعلقةٌ بإلحاقِ الضربةِ القاضية بها على يدِ المسيحية داخلياً، وهجرةِ الأقوامِ خارجياً، لِتَخسَرَ بذلك قدْرَها ووزنَها وجاذبيتَها. فعندما تَتَّحِدُ الجماعاتُ البشريةُ على شكلِ تجمعاتٍ دينيةٍ وأخرى قومية، تَخسَرُ القوةُ الرومانية المذهلةُ شرعيتَها، وتتبعثر.
وبمعنى من المعاني، فإنّ البحثَ بشكلٍ منفصلٍ في هذه المؤسسات الاجتماعية، التي يمكننا تعريفها بالتصنيفاتِ الميتافيزيقية، يؤدي إلى تحريفِ المعاني وتشويهها. لا ريب في استحالةِ الانفصالِ التلقائي لهذه الوقائع الميتافيزيقية – التي لطالما انتقدها الماديون على نحوٍ فظٍّ وصارم – إلى حَسَنَةٍ وسَيِّئةٍ. في حين أنّ التقييماتِ الأسلوبيةَ التي تتناولها على نحوِ ميتافيزيقياتٍ حَسَنةٍ أو سيئةٍ بِعقدِ الترابطِ الوثيق فيما بينها ومع المجتمع، فهي الأفضل والأثمن؛ نظراً لأنّ ذهنيةَ الإنسانِ ومجتمعَه لا يمكنهما العيشُ بلا ميتافيزيقيا.
إنّ الحضاراتِ الكبرى حضاراتٌ دينيةٌ على العموم. وحينما يَفقُدُ الدينُ ماهيتَه في تأمينِ الشرعية (وهذا يكون على يدِ الفلسفة أو العلم أو الدينِ الجديد)، تكون نهايةُ هذه الحضاراتِ قد حانَت بالأغلب. كلُّ هذه الحقائقِ تُشيرُ إلى مدى الأهميةِ الحياتية للتصنيفات الكبرى للمعاني (الدين، الفلسفة، الفن، الحقوق، العلم، والأخلاق) بالنسبة إلى المجتمع المديني (الطبقي، والدولتي). وبينما تَكُونُ مَهَمَّةُ السوسيولوجيا البنيوية تسليطَ الضوء على هذه التصنيفات في المجتمع المديني، تقوم سوسيولوجيا الحرية بشرحِ كيفيةِ الالتحام مع الحياة الاجتماعية الحرة والديمقراطيةِ على أساسِ انتقادها لهذه التصنيفات. سنُسهِبُ في تقييمِ هذا الموضوع في الفصل المعني.
و- يُعتبَرُ تاريخُ التفسيرِ الاقتصادي من أكثرِ المواضيعِ قابليةً للتحريف والتشابكِ والتشويش في المجتمعِ المديني. ومن حِكَمِ المدنية الرأسمالية أنْ تَجعلَ من الاقتصادِ موضوعَ بحثٍ نظريٍّ وعملي. فهي تَبحثُ في "ماديةِ" الواقعِ الاجتماعي. أما المدنيةُ الرأسمالية، التي تُضفِي السماتِ التاريخيةَ على ذاتها بتقييمِ نفسها كمدنية مادية (التفسيرُ المُحِقُّ والسليمُ لـ فرناند بروديل)، فبمقدورنا تسمية نظامها بالنظامِ الاقتصادي. فمثلما أنه ما مِن حرجٍ أو مانعٍ جدي من تسميةِ كافةِ نظمِ الحضارةِ المدينية السابقة لها بـ"النظم الميتافيزيقية"، فسيكون نعتُ الرأسمالية بـ"النظامِ المادي" منيراً للعقول.
فبينما يُولي المجتمعُ النيوليتي (بما فيه تجمعاتُ النوعِ الإنساني الأول) وكافةُ المجتمعاتِ المدينية (السابقةِ للرأسمالية) قِيمةً قصوى للقدسية والمعنى والعَظَمَةِ الخلابة وللميتافيزيقيا ككل، ولا تَقبَلُ بتقييمِ الحياة على منوالٍ آخر؛ فالتطورُ الجديرُ بِلَفتِ الأنظارِ إليه هو تقديمُ المدنيةِ الرأسمالية نفسَها وكأنها نظامُ "الآلهةِ غيرِ المقَنَّعة والملوكِ العراة". فالتوغلُ في أعماقِ المعاني يستلزمُ شروحاً متقدمةً واسعةَ النطاق. إذن، فالمدنيةُ الرأسماليةُ مجتمعٌ يتميزُ بقدرةٍ قصوى في التحريف والتضليل والصهر.
حسبَ قناعتي الشخصية، فَكَونُ الرأسماليةِ شكلَ المجتمع الذي يصلُ فيه النهبُ واللصوصية أبعادَهما القصوى ضمنَ نطاقِ الفعاليات التي تُنَظِّمُها باسمِ "الاقتصاد"، إنما يُشَكِّلُ جوهرَها بذاته. وكلمةُ "اقتصاد" يونانيةُ الأصل، وتعني "قانونَ العائلة". أي أنها تعني قواعدَ ارتزاقِ العائلة ومعيشتِها المادية، وضوابطَها مع الجوار، وأدواتِ ذلك ومستنداتِه الأخرى. وبالمستطاعِ تعميم هذا المصطلح في المجتمع المديني، لِيُفيِدَ بـ"قواعدِ المعيشة" للجماعاتِ الصغيرة. وهو الواقعُ الاجتماعي الأقلُّ تَدَوُّلاً وخَصخَصةً، ويُشَكِّلُ النسيج الأساسَ لجماعيةِ المجتمع، حيث من المحال مجردَ التفكيرِ بِخَصخَصتِهِ أو تدويلِهِ، والذي يعني تماماً تدميرَ النسيجِ الاجتماعي الأساسي، وحرمانَ المجتمع من أهمِّ ضوابطهِ الحيوية والهامةِ في الحياة. ولهذا السببِ لم يجرؤْ أو يُفكر أيُّ مجتمعٍ بِجعلِ الخصخصةِ والتدويلِ في الميدان الاقتصادي خاصيةً أوليةً، بالقدرِ الذي قامَت به الرأسمالية. لا ريبَ في أنّ المجتمعَ المديني، وكيفما دَوَّلَ جميعَ الميادين الاجتماعية، فقد حَوَّلَ الاقتصادَ أيضاً، والذي هو نسيجُه الرئيسي، إلى موضوعٍ للمُلكيةِ الخاصة ولِمُلكيةِ الدولة في آنٍ معاً. ولكن، ما مِن مجتمعٍ أَعلنَ علناً ورسمياً عن مُلكيته الخاصةِ ومُلكيةِ الدولة كنظامٍ قائمٍ بالدرجةِ التي فعلَتها الرأسمالية.
إنّ النقطةَ الجِدَّ هامةٍ هي تقييمُ خصخصةِ وتدويلِ الاقتصادِ كأداةِ نهبٍ وسلبٍ بشكلٍ مبكرٍ. وقد أفادَ كارل ماركس بهذا الموضوعِ بتعبيرٍ أكثرَ "علميةً"، حين قال بوجودِ سرقةِ القيمةِ الزائدة الكامنة في قيمةِ الكدح (وذلك على شكلِ ربح). يستلزمُ الأمرُ تفسيراً أكثرَ عمقاً. فحسبَ رأيي، وعدا أنْ يَكُونَ فائضُ القيمةِ وفائضُ الإنتاجِ السابقُ لها أداةَ نهبٍ ولصوصية، فما دامَ الاقتصادُ موضوعاً للمُلكيةِ الخاصةِ ومُلكيةِ الدولة، فيُمكِنُ تقييمه كأداةٍ أوليةٍ في النهبِ واللصوصية. وباعتبارِ أنّ الاقتصادَ يُشَكِّلُ النسيجَ الأساسيَّ للمجتمع، فجميعُ أشكالِ التَّمَلُّكِ فيه، بما فيها الخاصةُ والدولتية، أمرٌ غيرُ أخلاقي، ويَندَرِجُ في لائحةِ النهب والسلب. فكيفما أنّ خَصخَصةَ أو تدويلَ قلبِ الإنسانِ أو أيِّ عضوٍ آخر فيه أمرٌ بلا معنى أو ممنوعٌ وخطير، فالأمرُ عينُه يَسري على الاقتصادِ أيضاً. آمُلُ أنْ أتناولَ هذا الموضوعَ بتوغلٍ أعمقَ وأشملَ في فصلِ الرأسمالية.
نلاحظُ أنّ التبضعَ تَطَوَّرَ كظاهرةٍ هامةٍ للغاية في المجتمع المديني. أي أنه ثمة أواصرُ منيعةٌ ومتراصةٌ بين التبضعِ والمجتمع المديني (ذي المُلكيةِ الخاصة، الطبقيِّ، والدولتي)، حيث تَأتي البضاعةُ والتَبَضُّعُ في صدارةِ الفئاتِ البارزةِ في المجتمعِ والتحضر. إذن، والحالُ هذه، مِن المهمِّ للغاية تعريفُ السلعة. وبأبسطِ الأشكالِ يمكننا القولُ بأنّ اكتسابَ أيِّ شيءٍ Nesne صفةَ قيمة المقايضة (البيع والشراء، القيمة التجارية)، عدا عن كونِه شيئاً Nesne استهلاكياً لتلبيةِ احتياجاتِ الإنسان (عدا ما فيه من فائدةٍ أو تلبيتِه حاجةً ما)، فهذا يعني أنه قد تَبَضَّع. بَقِيَ المجتمعُ غريباً عن قيمةِ المقايضة مدةً طويلةً من الزمن، بل واعتَبَرَ مجردَ التفكيرِ بذلك عيباً مشيناً. حيث يُعطي ما يراه شيئاً Nesne ثميناً كهديةٍ للجماعاتِ أو الأفرادِ العزيزين عليه. أما بروزُ "التبادلِ" بدلاً عن العطايا والهدايا، فهو بُدعةٌ أو حيلةٌ من حِيَلِ المدنية بِكُلِّ معنى الكلمة. فالتبادلُ في المجتمعاتِ التي تسبق المدنية، أو الباقيةِ خارجَ دائرتِها، أمرٌ مشين، بل ويجب تَجَنُّبُهُ قدرَ المستطاع، إلا في حال الضرورة القصوى. فالمجتمعُ يدرك بتجاربِهِ الغائرةِ أنّ أيَّ إخراجٍ لأيِّ شيءٍ Nesne استهلاكيٍّ خارجَ إطارِ المؤسسة الاقتصادية – التي هي نسيجُه الأولي – أو جعلِه موضوعَ تبادل؛ قد يَجلُبُ له كافةَ ضروبِ الويلاتِ والكوارث. ولذلك، فهو حساسٌ جداً تجاه مسألةِ التبادل.
وبِتَصييرِ السلعةِ قيمةً تبادليةً، غَدَت التجارةُ والتُّجَّارُ فئةً مدينيةً جِدَّ هامة. باقتضاب، أقولُ أني لا أُفَسِّرُ السلعةَ على غرارِ ما فَعَلَ كارل ماركس. أي أنني أرى ادعاءَه بإمكانيةِ قياسِ القيمةِ التبادلية للسلعةِ عبر كدحِ العامل، بدايةً لسياقٍِ اصطلاحيٍّ أَسفَرَ عن مخاطرَ ومهالكَ هامة. وإذا ما وَضَعنا نصبَ العين انهيارَ المجتمع، الذي تَكادُ لم تَبقَ فيه قيمةٌ إلا وتَبَضَّعَت، نَكُون قد أوضحنا مَرامَ قولِنا على نحوٍ أفضل. فَقَبُولُ تَبَضُّعِ المجتمعِ على الصعيدِ الذهني يعني تماماً التخليَ عن كينونةِ الإنسانِ كإنسان. وهذا بدورِهِ ما يعني تَعَدِّي حدودَ البربرية. وإذا ما أَرَدنا التشبيه، فيُمكِنُ القولُ أنه يعني أن لوحةَ عرضِ الحيوانِ المُقَطَّعِ إرباً إرباً في المذابح للبيعِ تُنقَلُ إلى المجتمعِ الإنساني برمته. إذ تتأتى الرذالةُ الاجتماعيةُ مِن الربا، والربا من التجارة، والتجارةُ من السلعة. كما ثمةَ أواصرُ وطيدةٌ بين التجارةِ ودمارِ البيئة الأيكولوجية. فالاقتصادُ الخارجُ عن كونه نسيجاً اجتماعياً بدايةٌ للانقطاعِ الجذري عن الطبيعة. ذلك أنه يَتُمُّ إخضاعَ وحدةِ القيمِ المادية والقيمِ الحية لتمييزٍ جذري هنا. وهذا ما يعني لِحَدٍّ ما زرعَ بذورِ الميتافيزيقيا السيئة، حيث مَهَّدَ الطريق لظهورِ الثنائية التي عَكَّرَت صفوَ الذهنِ بالأرجح طيلةَ التاريخ الفكري، عبرَ تجريدِ المادةِ من الروح، وتجريدِ الروحِ من المادة. وهكذا، فإنّ التمييزاتِ والجدالاتِ الزائفةَ على غرارِ المادياتية والمعنوياتية قد قَضَت على الحياةِ الأيكولوجية والحرةِ على مَرِّ التاريخِ الحضاري بأكمله. أما الروحانيةُ غيرُ المعلومةِ الملامح، والمناديةُ بمفهومِ المادةِ الميتةِ والكونِ الميت، فكأنها تَحتَلُّ عقلَ الإنسان وتستولي عليه وتستعمِره.
أَوَدُّ التعبيرَ عن شكوكي بخصوصِ نقطةٍ أخرى. إذ أني مرتابٌ من مدى إمكانيةِ قياسِ القِيَمِ الاجتماعية (بما فيها السلع والبضائع). فاعتبارُ المادةِ المصنوعة – التي هي ليست نتاجَ كدحٍ حيٍّ فحسب، بل حصيلةُ أعدادٍ لا حصرَ لها من الكدح – بأنها محصلةُ قيمةِ كدحِ شخصٍ ما، هو بِحَدِّ ذاته سلوكٌ خاطئٌ يَفتَحُ الطريقَ أمامَ نهبِ القِيَمِ وسلبِها. والسببُ واضحٌ تماماً. إذ، كيف سيُقاسُ ثمنُ العددِ اللامتناهي من الجهودِ والكدح؟ والأنكى من ذلك، كيف سيُقاسُ كدحُ العائلة والأم المنجبةِ لهذا الكادحِ والمُنشِئةِ إياه؟ هذا الكدحُ لا يُمكِنُ تقديرُه بأيِّ قياس. كيف سيُقاسُ حَقُّ المجتمع برمته، والذي تَحَقَّقَ وصُنِعَ فيه ذاك الشيءُ Nesne المسمى بالقيمة؟ وهكذا يمكننا الإطالة أكثر. إذن، فالمصطلحاتُ من قَبِيلِ قيمةِ المقايضة، فائضِ القيمةِ، الكدحِ – القيمة، الربا، الربحِ، والسمسرةِ، متقاطعةٌ مع النهبَ والسلب (رسمياً وعن طريقِ قوة الدولة). لذا، من الأفضلِ والأَولى إيجادُ معاييرَ أخرى للتبادل، أو تطويرُ أشكالٍ جديدةٍ من نموذجِ العطايا. أودُّ التطرقَ لهذه الخاصياتِ لاحقاً في فصلِ الحداثةِ والحياة الحرة.
لقد كانت التجارةُ المهنةَ الأكثرَ ازدراءً حتى في الثقافةِ اليونانية، لأن اليونانيين كانوا منتبهين للروابطِ فيما بين التجارةِ والنهب. وفي المجتمع الروماني أيضاً لم يَكُن التاجرُ يَتَمَيَّزُ بمكانةٍ مُشرِّفة. أما البضاعة، فكانت سائرةً على أشياءٍ Nesne جِدِّ محدودة. إذ كانوا يَتَوَخَّون الحرصَ الفائقَ على الدوام في الإبقاءِ على مستوى التبضعِ ضمن حدودٍ ضيقةٍ في المجتمع. إني أتكلمُ عن أخلاقِ المجتمع النيوليتي. وحتى لو وُجِدَ الوسطُ المناسبُ في بعضِ البقع فيما قَبلَ سيادةِ نفوذِ الرأسماليةِ كنظام، فكان لا يُعطى فرصةَ التطورِ والرواج حتى في المجتمعات المدينية، حيث تُبقِيه على الهامش باستمرار. أما انتعاشُه في الأرضيةِ الملائمة في القرنِ السادس عشر فيما يسمى اليوم هولندا وإنكلترا، فيُعزى لأسبابٍ وظروفٍ خاصةٍ استثنائية. ولَربما كان ثمةَ حاجةٌ للنظامِ الرأسمالي كي تُصبِحَ تلك البلدانُ فعلاً هولندا وإنكلترا. وهذا ما حصل. فَخِلالَ أربعةِ قرونٍ فقط تَعَرَّضَ العالمُ بأسره لانتشارِ هذا النظام فيه. سنفسرُ هذه المرحلةَ من المدنية كنوعٍ من الحداثة في فصلٍ منفصلٍ بذاته.
إنّ الغرضَ مِن هذا التعريفِ التمهيدي الموجزِ بالخطوط العريضة بشأنِ المدنية هو تثبيتُ معارفِنا ومعلوماتِنا التاريخيةِ والسوسيولوجية على أسسٍ رصينةٍ سليمة. فإفهامُ واستيعابُ المواضيعِ العويصةِ، التي لم يَنفُذ منها أكثرُ الفلاسفة والمؤرخين حذقاً وتمرساً على طول أعمارهم، أمرٌ يستلزمُ موهبةً وكفاءةً استثنائية. نحن لا ندَّعي ذلك أيضاً، ولكنّ تَمَتُّعَنا بالقدرةِ على الشرح والتفسير، وتَمَيُّزَنا بِعِلمِ المعاني على الصعيدَين التاريخي والسوسيولوجي كضرورةٍ من ضروراتِ تقديرنا للحياةِ الحرة، يُعتَبَرُ شرطاً أولياً لأجلِ كلِّ مَن حَمَلَ على كاهله واجباتٍ اجتماعيةٍ جدية.
فمآسي "الاشتراكيةِ المشيدة" المعَمِّرةِ قرناً ونصفَ القرن، وعشراتِ الثوراتِ الوطنية التحررية، وَوَصفاتُ الحركاتِ الاجتماعية الديمقراطية؛ وانصهارُها جميعُها في خضمِّ الحساباتِ الجليدية لرأسمالِ التمويلِ العالمي؛ يَفرُضُ علينا تحقيقَ التكامل بين قُدرتنا على التفسيرِ المُحكَمِ والضليعِ بشأنِ المدنية عموماً والمدنيةِ الرأسمالية خصيصاً، وبين سوسيولوجيا الحرية المعنيةِ بالحياة الحرة؛ كي لا نَنخَدِعَ أو نَخدَعَ الغيرَ في دعاوى وقضايا الحريةِ العظمى.