العصرانية الديمقراطية وقضايا تجاوز الحداثة الرأسمالية (5)


عبد الله أوجلان
2009 / 11 / 30 - 10:08     

الفصل الثاني: المصادر الأولية للمدنية
سنسعى في هذا الفصل لشرحِ وسردِ المؤثِّرات الأساسية، التي مَهَّدَت لظهورِ مدنيتنا الراهنة، بأبعادها التاريخية والجغرافية. فقد أصبحنا نعي تماماً أن السبيلَ لمعرفةِ مجتمعٍ ما مرتبطة بمعرفةِ ظروفه وشروطه التاريخية والجغرافية.
يُقَدَّر اليوم تاريخُ بِدءِ انقطاعِ الإنسان عن الثدييات البدائية حتى الثورة الزراعية بحوالي سبعة ملايين عاماً. المكان هو خط "ريف" في أفريقيا الشرقية. تتأكد صحة هذه الأطروحة حالياً، سواء عبر البقايا الأثرية، أو عبر التواجد الغزير لأنواعٍ قريبة من الإنسان في هذه المنطقة. ورغم عدمِ اليقين في معرفةِ ما إذا كان هذا الانقطاع حصل بالتَّغيار الأحيائي ، أم بالتطور التدريجي الطبيعي؛ إلا أن هذا غيرُ مهمٍّ بالنسبة لموضوعنا الحالي. ومن المزايا الإيجابية لنوعنا البشري الجديد نظامُ الحنجرة المُساعِدُ على إخراج أشكالٍ عديدة من الصوتيات، ووُسع القطر الدماغي. إنّ تواجُدَ البراري والغابات من جهة، والبحيرات المائية من جهة ثانية، يُشَكِّل عاملاً استراتيجياً في "ريف" أفريقيا الشرقية لضمانِ أمنِ هذا النوع البشري. يمكن تَصَوُّرُ مسألةِ دنوه من الإنسان المُشْعِر الحالي ارتباطاً بهربه مدةً طويلة إلى جوارِ البحيرات على وجه الخصوص، وفقدانه بالتالي لوبره الحيواني، إلى جانبِ ملاءمةِ الطقوس المناخية لأبعد الحدود. المزية الإيجابية الأخرى للـ"ريف" هي تَتَبُّعُه طريقَ الوديان والسواحل نفسها، لِيًشَكِّلَ بذلك طريقاً طبيعياً يمتد إلى سلسلة جبال طوروس. وهو الطريق نفسه الذي يشكل خط الانكسار Fay Hattı وخط الوصل والفصل بين القارتين (آسيا وأفريقيا) في الآن عينه. يُعتَقَد أن الإنسان بقي في "ريف" على شكلِ كلاناتٍ لملايين السنين. وبالمقدور القول أن الهجرات صوب أعماقِ أفريقيا كانت متواصلة، في حين، تؤكد العديد من المعطيات على أن الانتشار الأساسي نحو أرجاء المعمورة قد تَحَقَّقَ في الخط الشمالي من "ريف". ويُخَمَّن أن أنواعاً بشرية جمة انتشرت عبر نفس الطريق إلى حين ظهور الهوموسابيانس (الإنسان العاقل). ولم يُعثَر إلى الآن على تَكَوُّنِ أنواعٍ شبيهة بالإنسان في أية بقعة أخرى من العالم، حيث أن جميع الأنواع المكتشَفة ذات منشأ شرقِ أفريقي.
وقد عُثِر في المناطق الأخرى من العالم على مستحاثاتٍ جمة تعود إلى مليون سنة على الأقل، ويُجمَع على انتشارِ شتى الأنواع إلى كافة أنحاء المعمورة حتى قبل العصر الجليدي الرابع.
كل الفرضيات تشير إلى أن الأنواع البشرية كانت طيلة هذه الحقبة الطويلة على شكل كلاناتٍ مؤلَّفةٍ من عشرين إلى ثلاثين شخصاً، تقتات على جمع الثمار والصيد. ويُجمَع عموماً على الرأي القائل بتأثيرِ هذين العَمَلَين في تَشَكُّلِ الأيدي والأرجل. هذا وتَدل بقايا المستحاثات على أنهم بقوا في أمانٍ ضمن الكهوف وفي الجزر وسط البحيرات، وعلى الأكواخ الموثوقة بأوتاد منيعة. وبالمستطاع القول أن المُلكية والعائلة لم تتشكلا بعد، وأن الكلان كانت عائلة بحد ذاتها. كما يمكن التخمين أنهم كانوا يعتمدون لغةَ الإشارات (لغة البدن والصوت)، وأنهم لم يقدروا على ترميز الأصوات بعد. وهذا ما يجعلنا نعي على نحوٍ أفضل أن إضفاء الرمزية على اللغة قد تَطَلَّبَ مرحلةً عمليةً طويلةً للغاية.
البحوثُ الجاريةُ تُظهِر للوسط أنّ نوعَ الإنسان العاقل قد دنا من امتلاكِ خاصيةِ اللغة الرمزية قبل حوالي 150 – 200 ألف سنة من الآن. وتشير الأبحاثُ ذاتها إلى أنَّ التفاهمَ بالأصواتِ المكتَسِبة للقِيَم الرمزية – سَلَفِ اللغات العصرية – بدلاً من استعمالِ لغةِ الإشارة، قد انطلق لأولِ مرةٍ من خطِّ "ريف" عينه صوب الشمال، لينفتح على العالم بأسره قبل حوالي خمسين ألف سنة. وهكذا، قَدَّم التفاهمُ باللغة الرمزية فُرَصاً عظمى، حيث يمكن التخمين بأن المجموعاتِ البشريةَ المتفاهمة والمتحركة على نحوٍ أفضل هي التي حققت التفوق. وربما يكون زوالُ الأنواع الأخرى بسرعةٍ من مسرحِ التاريخ ذا علاقةٍ وثيقةٍ بهذا التطور. إنه العصرُ الجليديُّ الرابع. ويُخَمَّن أنَّ تَقاطُعََ وتَلازُمَ كِلا التطورَين قد قضى على نوع النياندرثال ، الذي كان أكثرَ انتشاراً حتى ذاك العصر. وهكذا بقي سيدُ العالم الجديد لوحده بكل هيبته وخيلائه على المسرح: إنه الهوموسابيانس، أي، الإنسان العاقل والناطق. لا نرى هنا تَمايُزَ اللغات والأعراق في البداية، ولكن، يتم التخمين بأنه تَشَكَّلَت مجموعاتٌ أكثر تعداداً، زاولَت الصيدَ بشكلٍ مخطط، واستخدمت الكهوف كمساكن ومعابد، واحتَرَفَت المرأةُ جمعَ الثمار، في حين احترفَ الرجلُ الصيد. وبعض اللقى الأثرية تُثبِتُ أنَّ التطورَ المذهلَ للنوعِ الناطق قد حصل على هذا الأساس. والرسومات المتبقية من هذا العصر قويةٌ ورائعة، حيث عُثِر عليها في المنطقة الواقعة بين فرنسا وإسبانيا، وفي بعض كهوفِ منطقةِ هكاري. كما أنَّ اعتبار كلتا المنطقتَين أُولى الساحات الأكثرِ ملاءمةً للهجرة إليها من داخلِ أفريقيا عبر شرقي البحر الأبيض المتوسط وغربيه، موضوعاً يتناغم ونظريةَ الهجرة العامة.

1- بماذا تُدِينُ البشريةُ لقوسِ جبالِ طوروس – زاغروس؟
ثمة الكثيرُ من الحُججِ والبراهين التي تحثنا على التفكير بأنَّ قوسَ جبالِ طوروس – زاغروس هو بابُ التجمع الرئيسي في الانطلاق من "ريف" أفريقيا الشرقية، ومركزُ الانتشار إلى أرجاء العالم. أولها؛ أنّ هذا القوسَ هو نهايةُ الطريق الطبيعية في "ريف"، ويتم المجيء إليه على موجاتٍ متتالية. فَمَوْضِعُ الصحراء الكبرى، والبادية العربية الواسعة وكأنه يغلق البابَ على جانبَيه الشرقي والغربي، ليحَوِّل برزخ السويس والسواحلَ الشرقيةَ للبحر الأبيض المتوسط إلى طريقٍ طبيعي للانتشار. في حين تُشَكِّلُ السواحلُ الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط الطريقَ الثانيَ الهامَّ للتوجه إلى إسبانيا وأوروبا عبر مضيقِ جبلِ طارق . ولكنها ليست معطاءةً ومثمرةً كما هي السواحلُ الشرقية، نظراً لبنيتها وشروطها الجغرافية، إضافة إلى العوائق العسيرة ومشكلة التغذية الموجودة. أما الطريقُ المثالية، فتبتدئ من السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، لتمر من القوس الذي تُشَكِّلُه سلسلةُ جبالِ طوروس – زاغروس، والذي يسمى أيضاً بالهلال الخصيب. فهي أراضي خصيبةٌ خيِّرة، لدرجةٍ من غير المحتَمَلِ البقاءُ فيها دون التحول إلى مجتمعيةٍ راقية.
من هنا نستنبط الأمرَ الثاني، ألا وهو أنَّ هذا العطاءِ النابعِ من ملاءمةِ المناخ لأجل الجماعات البشرية في هذه البقعة، واحتضانَها عدداً جَمَّاً من النباتات والفواكه على شكلِ حقولٍ طبيعية، واحتواءَها غنى وافراً من حيواناتِ الصيد، ووجودَ كهوفٍ مُثلى للحماية والأمن، وتأمينَها الغزارةَ القويةَ للأنهار والينابيع؛ كلُّ هذه المزايا كانت مناسِبةً لدرجةٍ جَعَلَتها تُمَهِّد السبيلَ لظهورِ مصطلحِ "الجنة" في ذاكرةِ البشرية لاحقاً. وبمقارنةِ هذه المزايا الإيجابيةِ الآنفةِ الذكر مع الصحارى والبوادي الواقعةِ في مناطقِ الجوار؛ يصبح تَعَشُّشُ ثنائيةِ الجنة – النار كإحدى الاصطلاحاتِ الأساسيةِ في ذاكرةِ الإنسانية أمراً مفهوماً. وانطلاقاً من هذه المزايا، يمكننا الافتراضُ بكل سهولة أنَّ هذه الساحةَ كانت الميدانَ الثانيَ الهامَّ لِتَجَمُّعِ وتكاثُفِ النوع البشري بعد "ريف" أفريقيا الشرقية. ولن نكون مبالغين بالقول أنها "العشُّ المهيَّأ لِفَقْسِ وتفريخِ" التطور الحضاري في تاريخِ البشرية. هذا ويمكن تقديسُها باعتبارها موطنَ تدوينِ، أو بالأحرى نشوءِ، القصص الملحمية والأساطير الإنسانية، لتكون الثوراتُ العظمى اللاحقة ثماراً لملاحمِ التقديس تلك.
ثالثاً؛ حَدَثَت التطوراتُ في هذه الساحة على أساسِ اللغة الرمزية قبل حوالي خمسين ألف عاماً. فالانتقالُ من التفاهم بوسيلةٍ بدائيةٍ للغاية كلغةِ الإشارة إلى التفاهم عبرَ لغةِ الرموز احتضن في طواياه طاقاتٍ كامنةً عظمى للتطور. فنشوءُ مساحةٍ لغويةٍ واسعةٍ مَنَحَ النوعَ الإنسانيَّ فرصاً كبرى لتحقيقِ المجتمعية وحمايةِ الذات وتأمينِ القوت. ولَربما كان هذا أعظمَ ثورةٍ في التاريخِ لم تُكتَشَف، ولم يُطلَقْ عليها اسمٌ بعد. لذا، قد يكون من الأنسبِ تسميةَ أولِ ثورةٍ عظمى بـ"ثورة اللغة"، لأنه ما من ثورةٍ خَدَمت المجتمعيةَ في هذه الجغرافيا بالقدر الذي فعلَته هذه الثورة. فكلُّ يومٍ يَشهَدُ صياغةَ مصطلحٍ مقدَّسٍ جديد (النباتاتُ وحيواناتُ الصيد المكتشَفَةُ حديثاً)، والانتقالَ إلى الاستقرار الأقربِ إلى نظامِ المنازل (العيشُ لأولِ مرةٍ في الأماكن الآمنة)، وعيشَ المواسمِ الأربعةِ بأفضلِ أحوالها. وكلما صيغت جميعُ هذه المراحل على نحوِ مصطلحات، كلما تَشَكَّلَت اللغةُ المشترَكةُ للجماعاتِ على نطاقٍ واسع، وبالتالي، تَشَكَّلَت "الهوياتُ" المتمايِزة فيما بينها لأولِ مرة.
كم هو مؤلمٌ أنَّ أولَ هويةٍ أثنيةٍ تشكلت في هذه الساحات تَمُرُّ اليومَ بتطهيرٍ وحشيٍّ مروِّعٍ بحق هويتها. إنّ المرحلةَ التي أسميناها بالتطورِ الاجتماعي الأعظم، تتحقق، أو بالأحرى تُنشَأ عبرَ هذه الظواهر والاصطلاحات الغنية. والتطورُ الاصطلاحيُّ يُمَهِّدُ معه الطريقَ للتطورِ الفكري. ويُفتَرَض كاحتمالٍ قوي أنَّ الأناسَ المتفاهمين بالمصطلحات، والمتماسكين عبرها، لن يَبقَوا على شكلِ مجتمعٍ كلاني ضيق، لأنهم اكتسبوا ديناميكياتٍ قصوى لأجل مجتمعيةٍ أرقى. كلي إيمانٌ بأنَّ هذا الموضوعَ هو أحدُ الميادين الأولية التي تستوجب وتستحق البحثَ، سواء على صعيد الأنثروبولوجيا، أو من ناحيةِ عصورِ ما قبلِ التاريخ. ويبدو أنَّ عالِمَ الآثارِ والمؤرخَ العظيمَ جوردون تشايلد كان مُحِقَّاً عندما تَوَصَّلَ إلى حدسٍ كهذا بتسميته كتابَهُ الأهمَّ على الإطلاق باسم "ماذا حدث في التاريخ؟"، والذي تناولَ فيه مجرياتِ الأحداث الحاصلة في هذه الجغرافيا في تلك الحقبة (يمكن قول ذلك بكلِّ سهولة بشأنِ المراحل الأولى، ولو أنه تناول مستجداتِ المراحلِ اللاحقة). هذا وعليَّ التشديد على أنه من غيرِ الممكن تحليلُ ماضي هذه المنطقة وتسليطُ الضوء عليه بالأساليب الأركولوجية فحسب. إذ لا يمكن إنجازُ تطوراتٍ هامةً بحق في تنوير تاريخ العصور الأولى، إلا بتوحيدِ معطياتِ جميعِ الضوابط العلمية، بدءاً من علم الأحياء (البيولوجيا) إلى علم فِقهِ اللغة (الفيلولوجيا)، ومن علم الجغرافيا (وبالأخص جغرافيا المناخ والزراعة) إلى علم الاجتماع، ومن علم أصل الإنسان (الأنثروبولوجيا) إلى علم اللاهوت (الثيولوجيا). وما نقوم به هنا هو مجرَّد لفتِ النظر، والدعوة لمزاولةِ الوظائف والمهام.
يمدنا علم الجيولوجيا بوثائقَ وسجلاتٍ تشير إلى بدءِ انتهاءِ الحقبة الجليدية الرابعة قبل حوالي عشرين ألف سنة. ونظراً لدعمه وتأييده بمعطياتِ العلوم الأخرى، فهو تَطَوُّرٌ أقربُ إلى الصواب، حيث بُرهِن على أنّ الأمطارَ كانت أكثر غزارةً، وأنّ الاخضرارَ كان أوفرَ في الصحراء الكبرى والبادية العربية قبل عشرةِ آلافِ سنة. وتتطابق هذه الظروفُ الملائمة مع تَطَوُّرِ ثقافةِ الرعي في نفسِ الحقبة على وجهِ التقريب. بالإضافة إلى ذلك، يتجسد التطورُ العظيمُ الآخر في بروزِ المجموعات اللغوية الساميّةِ المتفوقةِ على البنى اللغويةِ البدائيةِ المتواجدة في أفريقيا. وما الثقافةُ الساميّةُ في مضمونها سوى "ثقافةُ رعي". فعلى سبيل المثال، حَظِيَ الرعيُ حينئذ بأهميةٍ قصوى، لدرجةِ أنَّ التراكمَ الثقافي العظيمَ المتكوِّنَ بشأنِ العديد من الحيوانات، كالجَمَل، والغنم، والماعز لا يزال مستمراً إلى الآن. وتأسيساً على ذلك، نلاحظ أنّ الأثنيةَ قد تَشَكَّلَت لتكتسب هويةً متميزةً ومغايرة. وما الحفاظُ على سَرَيانِ ثقافةِ الأثنية (العشيرة) على نحوٍ وطيدٍ ومتجذر إلى الآن، سوى برهانٌ قاطع على هذا التطور. بالمستطاعِ العثور على الكثير من تأثيراتِ هذه الثقافة في العديد من ألفاظِ ومفرداتِ الحضارتَين السومرية والمصرية. وكأنَّ الثقافةَ الساميّةَ تَرَكَت بصماتِها الراسخةَ لِتَكُونَ أثراً ممهوراً على صفحاتِ التاريخ لأولِ مرة، ارتباطاً بالمناخ الذي ظل ملائماً حتى قبلَ حوالي ستةِ آلافِ عام، لتنتشر في مساحاتٍ شاسعة، بدءاً من الصحراء الكبرى إلى شرقي الجزيرة العربية، وصولاً إلى ساحاتِ الأراضي الشمالية الخصبةِ الصالحةِ للزراعة. من هنا، يُشَكِّلُ مَيدانُ الثقافةِ الساميّة مرحلةً متطورةً واستمراراً أرقى للثقافة البارزة في "ريف" أفريقيا الشرقية. وسيدعم هذا الجيلُ خاصِّيَّاتِه Özgünlük لاحقاً مع تأسيسِ الأديان التوحيدية.
لكن، من المهم التشديد على أنَّ هذه الثقافة سيتم تقييمها كأُولى القبائلِ المستولية على الحضارتَين المصرية والسومرية في التاريخ باسمِ قبائلِ الأراميت والعابيرو Apirular (أي، الأناس الوسخين والمُغْبَرِّين الآتين من الشرق والغرب)، أكثرَ من اعتبارها مُعَيِّنةً في تكوينهما. وبالمستطاع القول أنَّ الساميِّين كانوا كياناً جِدَّ هامٍّ في فجرِ التاريخ، وكأنَّ صوت أقدامهم يبعث على الارتعاش. أما أسبابُ عجزِهم عن تخطِّي الأراضي الصالحةِ للزراعة في الشمال، فربما يُعزى إلى إنجازِ تطورٍ ثقافيٍّ أكثر تفوقاً عليهم هناك. وقد يكون من الأنسب وَصْم هذه الكياناتِ، التي يمكننا اعتبارها ثقافةَ انتقالٍ متدرِّجٍ نحو الزراعة، بتسميتها بـ"ثقافةِ الحقول" على وجهِ العموم. في حينِ أنَّه من الممكن نعت أصحابِ هذا التطور الاجتماعي الحاصل – والمُسَمَّون بـ"الآريين" في التاريخ – بالحقليين أو التُّرَابِيِّين (لفظ آري، الذي يشير إلى أصحابِ أولِ هويةٍ ثقافيةٍ في هذه الأراضي، يعني في الكردية "التربة، الأرض، والحقل"). لذا، بإمكاننا اعتبار الآريين كمبدعي الزراعة، كونهم أولُ من بدأ بفتحِ الأراضي العذراء الواقعةِ شمالي الساميين للتطور الزراعي، وفي مقدمتها قوس سلسلة جبال طوروس وزاغروس كبقعة نواة.
ولطبيعةِ المناخ، وبنيةِ التربة الخصبة، والكساءِ النباتي الأخضر، والتنوعِ الحيواني دورٌ رئيسيٌّ في إنجازِ هذا التطور. فبينما انحصرت الزراعةُ في المناطقِ الساميّة ضمن عددٍ محدودٍ للغاية من الواحات، واقتصرت على زرعِ أنواعٍ قليلة من الأشجارِ كالنخيل؛ كانت أراضي القوس (وتُدعى أيضاً الهلال الخصيب) صالحةً لتكتنفها الحقولُ من كل أطرافها، ومناسِبةً لأقصى حَدٍّ لزراعةِ الكثير من الثمار والخضروات، من قَبِيلِ الزيتون، الفستقيات، البلوطِ (الصنوبريات)، العَرعَر (أنواع الفواكه)، الكروم (أنواع العنب)، والحبوب (القمحيات). علاوة على أنها كانت ساحةً تَجُولُ فيها العديد من الحيوانات المتوحشة القابلة للتدجين على شكلِ قطعانٍ كبيرة تشمل أنواعاً عديدة، وفي مقدمتها الغنم، الماعز، البقر، الخنازير، الكلاب، والقطط. بالإضافة إلى الغاباتِ الواسعةِ على مرتفعاتِ الجبال، ومرورِ الفصولِ الأربعة بأمثلِ حالاتها وأفضلها. أما الأمطار، فكأنها رَيٌّ منتظم. وحوافُّ الكثير من الأنهار والينابيع ملائمةٌ للاستقرار والاستيطان. من هنا، وفي ظلِّ كلِّ هذه الظروف المناسِبة، من الطبيعي تَرَقُّبُ ورَصْدُ "بزوغِ فجرِ التاريخ".
يشير علمُ الجيولوجيا وسجلاتُ العصور الأولى المدوَّنة إلى انحسارِ الجليد في هذه الأراضي وتَراجُعِه إلى المرتفعاتِ الجبلية العالية قبلَ خمسةَ عشرَ ألف عام. ويُعتَقَد بانتقالِ هذه المنطقة إلى العهد النيوليتي، بعد مرورها بالطور الميزوليتي القصيرِ المدى (العصر الحجري المتوسط فيما بين حوالي 15 ألف – 10 آلاف ق.م)؛ وذلك حصيلةَ كونِها من أهمِّ المناطق التي تَكاثَفَ فيها استيطانُ النوع البشري طيلةَ مئاتِ الآلاف من السنين، ومعايشتها الثورة اللغوية بكثافة، وفرضُ الثقافة الساميَّة عليها. وكهوف هكاري تَمدُّنا برؤوسِ الخيوط الدالَّة على عيشها العهدَ الميزوليتي وما قَبله بعمق. كما أنَّ الأحجارَ المنحوتة تُزوِّدنا ببراهين جمةٍ في هذا المضمار، حيث نعثر على عددٍ وفيرٍ من الأدلة المشيرة إلى أنَّ الانفجارَ الأصلي في المنطقة بدأ مع الحقبةِ النيوليتية، التي شهدتها هذه الأراضي قبل حوالي اثني عشر ألف عام من الآن. هذا العصر، الذي يمكننا تسميته بالثورة الزراعية أو الحقلية أو القروية، يُعتبَر الأرضيةَ التمهيدية، سواءً بالنسبة إلى الإنسانية، أو لتاريخِ المدنية (التاريخ المدوَّن). فهو بحدِّ ذاته عصرٌ ثقافي عملاقٌ وعظيم. لذا، من الصحيح تماماً التركيزُ العميق على هذه الثقافة، التي لم تُدرَك أهميتُها كما تستحق، ولم تَلقَ مكانتها الجديرة بها في محك التاريخ. من هنا، فإنَّ جوردون تشايلد أَقْرَبُ إلى الحقيقة والصواب عندما قال بأنّ أهميةَ العصر الثقافي في هذه الأراضي لا تقل شأناً عن ثقافةِ أوروبا الغربية المعمِّرةِ أربعةَ قرونٍ فحسب. فقد شهدت هذه المنطقةُ اكتشافاتٍ واختراعاتٍ لا عد لها ولا حصر، وعَرِفَت تطوراتٍ بمثابة ثورات بمعانيها وأهميتها، وذلك في ميادينِ الزراعة، الحِرَفِ اليدوية، المواصلاتِ، السكَنِ، الفنِّ، الإدارةِ، والدين. كما أصبح أرضيةً لاكتشافِ وتسمية واصطلاح آلافِ الظواهر الجديدة في كل ميدانٍ من تلك الميادين.
هكذا، وبعد اللغة الساميّةِ، تَكَوَّنَت "مجموعةُ اللغة الآرية" المتميزةُ بغنى زاخرٍ من المفردات يفوق النطاقَ المحدودَ للّغةِ الساميّة الرعوية، ويضاهيها بأضعافٍ مضاعفة، وكأنها اللَّبَنةُ الأساسيةُ لذاكرةِ الإنسانية التي لا تضيع. وما انتشارُ هذه المجموعة اللغويةِ بالتزامن والتوازي مع ثقافتها لِتَعُمَّ مساحاتٍ شاسعةً، بدءاً من الهند إلى السواحل الأوروبية، سوى مؤشرٌ آخرُ على قوةِ صوابِ تحليلاتنا هذه. بمعنى آخر، فموطنُ ولادةِ ونشوءِ مجموعةِ اللغةِ الآرية هو المنطقةُ النواةُ للهلالِ الخصيب، وليس – كما يُعتَقَد – بلادَ الهند وأوروبا ومناطقَ التنقل المتوسطةِ بينهما (شمالي البحر الأسود، السهوب الروسية، والهضاب الإيرانية). وتَلُوحُ صحةُ هذه الحقيقة بجلاءٍ من خلالِ التحليلِ الأتيمولوجي لهذه الكلمة (آريان Aryen)، وعبر عقدِ روابطها مع البُنى الأثنية للمفرداتِ الأساسية المستخدَمة في المجموعات اللغوية الهندوأوروبية . والأهمُّ من هذا وذاك هو أنَّ كَونَ هذه الساحةِ البذرةَ النواةَ للثقافة يُحتِّم – بطبيعة الحال – تأسيسَ البنى اللغوية والمفرداتية فيها. والبنى الأثنيةُ الثقافية التي لا تزال موجودة، بالإضافة إلى الدلائل التاريخية الأخرى، إنما تؤكد صوابَ هذه الحقيقة بما يكفي، بل ويفيض.
إذن، والحال هذه، يتميز الحزامُ اللغوي والثقافي الثاني الضخمُ والعظيم بوجوده وتاريخه وانتشاره بأهميةٍ تاريخيةٍ قصوى في سياقِ استيعابِ وإدراكِ التطور الاجتماعي ومرحلته الحضارية (ذات البنية المدينية). وبالمستطاع القول بانصهارِ جميعِ المجموعات السابقة ضمن بوتقةِ هاتَين المجموعتَين اللغويتَين والثقافيتَين الأساسيتَين، بحيث لا يسعنا سوى الحديث عن مجموعةٍ لغويةٍ ثقافيةٍ ثالثةٍ ظهرت في التخوم الجنوبية لسيبيريا (ياقوتستان وما شابه) بعد انقضاءِ ذاك العصر الجليدي. ولربما كانت الصينُ الموطنَ الأمَّ لهذه الثقافة المنتشرة نحو الجنوب قبل تسعةِ آلافِ عام. من الممكن القول أنه مِن أحشاءِ هذه الثقافة المنتشرة إلى أقاصيها الغربية الممتدة حتى الفنلنديين، تَشَكَّلَ حزام شماليٌّ ثالثٌ هو الأوسع، ليشمل الكثيرين وفي مقدمتهم الأتراك والمغول والتتار والكوريين والفييتناميين واليابانيين. هذا ونحظى الآن بإثباتاتٍ أركولوجيةٍ وأتيمولوجية وأثنولوجية أكيدة تشير إلى أنَّ جذور ثقافةِ الهنود الحمر في قارة أمريكا هي ثمرةٌ من ثمارِ الانتشار الحاصل عن طريقِ مضيقِ برينغ في المرحلة عينها. وبمستطاعنا إدراج الأسكيمو أيضاً في لائحةِ هذه المجموعة. كما أنّ العديدَ من الثقافات التي لا تزال متواجدةً في أفريقيا مشحونةٌ بتأثيراتِ المجموعة الساميّة، رغم صونها لمزاياها المعمِّرةِ مئاتِ آلافٍ من السنين. ونخص بالذكر في هذا المضمار تلك الثقافاتِ المندرجةَ في مجموعةِ اللغةِ السواحلية. هذا وبالمقدورِ العثورُ على مجموعاتِ الكلان التي لا تزال تعيش مراحلَ ما قبلِ ملايين السنين في أعماقِ الغابات وعلى ذرى الجبال وفي ثنايا الصحارى والبوادي.
بموجب هذه اللوحة، وبِرُجوعنا إلى ما قبلِ ستةِ آلافِ عام، نجد أنّ البشريةَ، وفي صدارتها جنوبي الكرةِ الأرضية ووسط قسمها الشمالي، قد كَوَّنَت ثلاثَ مجموعاتٍ لغويةٍ وثقافية أوليةٍ مُخَوَّلةٍ للانتقال إلى الحضارة. ومن الطبيعي بمكان حصولُ التنقل والترحال الكثيف فيما بين هذه الثقافات، علاوة على تَمَيُّزِها بفروقاتٍ واضحة لا نبرح نلاحظها في يومنا الراهن بتأثيرٍ من التاريخ والطبيعة الجغرافية.
الخاصيةُ الهامة بالنسبة لموضوعنا هي التشخيصُ السليم للمنبعِ الأم للحضارة الهندوأوربية لدى البحثِ في مصادرها. فَعِلمُ التاريخ يولي الأسبقية في الأهمية لتعريفاتِ الثقافة النواةِ المتأثرةِ بالزمان والمكان. وفي يومنا الحاضر نرى بوضوحٍ ساطع أنه، حتى الثقافة الرأسمالية ما هي إلا انتشار نواتي حاسم للغاية. فمفاهيمُ التاريخِ الخياليةُ والهوائيةُ، التي لا مصدر لها، تُلحِق بوعينا ضرباتٍ قاضيةً. أي أنَّ العاجزين عن البلوغِ بالوعي التاريخي إلى تفسيراتٍ وسرودٍ حياتيةٍ ملموسة، سيكونون قاصرين عن طرحِ تفسيرٍ ذي معنى بشأنِ حاضرنا أيضاً. إذ، من المحالِ فَهْمُ وعيشُ مجتمعٍ بلا تاريخ بشكلٍ مقتدر.
كنتُ قد تلقيتُ بضعةَ انتقاداتٍ حول إسقاطيتي المفرطة لحوضِ ما بين النهرين وللمدنية السومرية النابعةِ منه لدى تقييمي لمنبعِ الحضارة في مرافعتي السابقة "مرافعة الإنسان الحر". ومع أخْذِ هذه الانتقادات بعينِ الاعتبار، أُبيِّن بإلحاحٍ أنني لم أتَّبِع الاختزالية، ولكني أُولي أهميةً فائقة للمنبع العين. وإذا ما شبَّهنا مجرى التاريخ بالنهر الأم (ولا مفر من ذلك من حيث البنية الأنطولوجية الوجودية للتطور الاجتماعي)، فإني أُبيِّن هذه الأفكار على نحوِ مُسَوَّدَةِ مشروعٍ بقصدِ لفتِ الأنظار إلى مسألةِ الثقافة الأم وفروعها الجانبية. أو بالأحرى، إني ألفتُ الأنظارَ إليها مباشرة. فكيفما أنَّ المدنية المهيمنة في راهننا – أي، الحداثة الرأسمالية – تعتمد على جذورِ الحضارة الهندوأوروبية، فإنَّ الثقافةَ الهندوأوروبيةَ أيضاً تعتمدُ على منبعِ الثقافة الآرية، وعلى فرعَيه السومريِّ والمصري.
وإذا ما عَجِزْنا عن التحليلِ السليمِ لقضيةِ النهر الأم وفروعه الجانبية في الحضارة الإنسانية، فلن نقدر على إيلاءِ المعاني الصحيحة لحاضرنا. إذ، ثمةَ فروعٌ جانبيةٌ تنصب بغزارةٍ في النهر الأم، وثمة بعضُها الآخر الذي يَنْضُبُ ويَجُفُّ في منتصف الطريق. علاوة على أنّ المنبعَ المُوَلِّدَ للنهر الأم يتسم بمعاني معيِّنةٍ وحيوية. من هنا، وما دمنا نَروم لبلوغِ معانيَ قديرةٍ بشأنِ التطور الاجتماعي بأبعاده التاريخية والجغرافية، فعلينا تجربةُ متطلباتِ الأسلوب في تحليلِ قضاياه.