هل يستطيع دعاة الثقافة هزيمة الاصولية الاسلامية ..؟؟


ابراهيم علاء الدين
2009 / 9 / 5 - 01:08     

من نافل القول انني استهدف من خلال سلسلة المقالات المتتالية التي انشرها في الحوار المتمدن اثبات المنهج المادي في تفسير تطور الحضارة الانسانية والبرهنة على صحة المقولة "الاقتصاد هو المحرك الرئيسي للتاريخ" أي البنية التحتية "الانتاج المادي" واحاول بكل تواضع ان ابرهن على عدم صوابية المنهج العقلي "المثالي" الذي يعتقد بان الافكار "الانتاج الفكري" هي التي تصنع التاريخ.
وقد عرضت في المقالات السابقة عددا من التصورات او النماذج والرؤى والافكار لكلا المنهجين، كما عرضت وجهة نظر الاسلام الاصولي - جماعة اهل السنة والجماعة التي تعتبر ابن تيمية شيخها ومعلمها وملهمها ومنها تفرعت كافة جماعات التطرف والارهاب وما زالت تفرخ جماعات جديدة، وبينت ان هذه الجماعة لا تعترف بمفهوم البنية التحتية والفوقية الذي جماعات انصار الدولة المدنية (يسار ليبراليون علمانيون) وان البنية التحتية بالنسبة للاسلام الاصولي هي (اركان الاسلام الخمسة) وان البنى الفوقية هي المنظومة الاخلاقية التي تحدد سلوكيات المسلم.
وبالتالي فانني استثني تيارات الاسلام السياسي من هذا الحوار باعتبارهم خارج عملية الحوار حول كيفية تحقيق التطور الحضاري في بلادنا، وان الحوار معهم يتم باعتبارهم عقبة وحجر عثرة وقوى معطلة لمسيرة التطور والنمو والنماء التي ندعو الى تحقيقها.
وانما استهدف من هذا الحوار انصار "الدولة المدنية" ممن يعتقدون باولوية الانتاج الفكري في بناء الحضارة ، الذين ينتمون لفلسفة المنهج العقلي .. ممن يقدمون الوعي والثقافة على انتاج الخيرات المادية .. وأن الـفـكـر هو السابق في الوجود على المادة، وبالتالي يعتبروا بان المعرفة الناتجة عن الافكار هي التي تتقدم كل شيء.

ويتصور انصار تقديم الفكر على المادة من انصار المنهج العقلي ان المعركة المطلوب خوضها في سياق جهودهم لتطوير بلادهم هي ضد الافكار والثقافات السائدة في مجتمعاتهم ويعتبروا ان الانتصار في هذه المعركة ممكن وانهم يستطيعوا ان ينحوا الافكار السائدة ومن بينها العقائد الدينية ومنظومة القيم والاعراف والتقاليد جانبا حتى يتمكنوا من بناء البنية التحتية (الاقتصاد) وما يحتاج اليه من مقومات لبناء الحضارة.
وقد اشرنا في مقال سابق كيف يلتقي انصار هذا المنهج مع اصحاب المعتقدات الدينية والتي يقوم اساسها على ان مصدر المعرفة امر محسوم نهائيا ولا جدال فيه وهو الله باعتباره الخالق لكل شيء والمقرر لكل ما تم بعد قصة الخلق من تطورات انسانية وطبيعية وانها تحققت بارادة الله وبموجب سنن مقررة سلفا.

ورغم اعتقاد انصار اولوية الفكر على المادة من المعاصرين ورغم ان القاعدة الفكرية التي ينطلقوا منها تلتقي مع انصار المعتقدات الدينية الا ان جهدهم الرئيسي لا يستهدف افكر النقيض لاعتقادهم وهو المنهج المادي الذي يقوم على الاعتقاد بان المادة هي اقدم من الفكر في الوجود وان المعرفة تصدر عن المادة وليس العكس، مع ضرورة التاكيد هنا على استحالة الفصل بين البنية التحتية (الانتاج المادي) والبنية الفوقية (الانتاج الفكري) حتى لا يتهمنا البعض ب (الفصل الميكانيكي) فانني اؤكد على الترابط الجدلي والعلاقة الديالكتيكية بين البنيتين.
بل ان الجهد الرئيسي في صراعهم الفكري يتركز على نقد الافكار والعقائد الدينية بهدف عزلها ان امكن او الغائها وهذه غاية المنى باعتبارها قاعدة كل المفاسد والامراض وسبب كافة اشكال التخلف والتردي والهوان. ويتمثل نجاحهم وفوزهم الكبير عندما يتمكنوا من فرض معتقدات جديدة وقيم جديدة ومفاهيم جديدة تتحرك بموجبها (كقواعد وقوانين) المجتمعات البشرية.

اذن فان قضية انصار المنهج العقلي هي استبدال منظومة فكرية بمنظومة فكرية اخرى يكون للعقل الدور الحاسم في تحديد الخير والشر والصح والخطأ .. وذلك تمهيدا لاقامة بنية تحتية على غرار البنية التحتية في الدول المتقدمة صناعيا (امريكا اليابان اوروبا) .
وقد وجد انصار هذا المنهج في كافة العصور الاسلامية وظهرت الكثير من الفرق التي وضعت بصماتها في التاريخ .
وترجع جذور المنهج الفكري لهذه الفرق الاسلامية من الفلسفة المادية وان لم يصرحوا بذلك او لم يقروا بذلك ، وسبقوا ماركس وانجلز في اعتماد المنهج المادي الجدلي فاستندوا الى منهج الفلاسفة وطريقتهم في الاستدلال والاقرار بالواقع، كما نهجوا منهج القدرية الارسطو ية ، وشاع هذا المنهج في اوساط علماء الكلام المسلمين ، وهو المنهج الذي اتبعته الصوفية التي قالت بنفي الصفات "العليا" عن الله .
كما ظهرت في اوساط بعض فرق الشيعة الاثنا عشرية، الذين عظموا التجربة والاستدلال على النقل عن السلف "الصالح".
ويلتقي اصحاب هذا المنهج الذي رافق معظم العصور الاسلامية وقال به عدد كبير من اشهر علماء المسلمين مثل ابن سيناء وابن رشد مع علماء الاجتماع في عصر النهضة في اوروبا، الذين انطلقوا من فكر ارسطوا والفلسفة اليونانية عموما، واخضعوا كل شيء للمنهج التجريبي.
فجماعة القدرية الشهيرة في تاريخ علم الكلام اعتقدت بمذهب "الاختيار" في مواجهة مذهب "الجبر"

ورأى اصحاب النظرة العقلية "تعظيم العقل" .. ان الدين غير العلم حيث ان مصدر العلم من الواقع، فيما مصدر الدين من الغيب.
وان "العقل هو الذي يشهد بالصدق والقبول لآيات القرآن والسنة، وبهذا جعلوا العقل حَكَماً على الدين، كما يقول محمد إقبال: "ومما لا شك فيه أن للفلسفة الحق في الحكم على الدين"(16). ويقول أصحاب النزعة المادية: إن آيات الكتاب لا تؤدي دوراً، وإنَّ الواقع أو التاريخ وآيات الآفاق والأنفس هي التي تشهد لآيات الله بالصحة والثبات والقبول". (عادل التل – نقد اراء جودت سعيد).
وينطلق مثقفون معاصرون في نقد الفكر الديني دون ان يتخلوا عن القاعدة المشتركة بينهما (اولوية الانتاج الفكري على المادي) من اعتبارهم ان النصوص الشرعية ظنية الدلالة ولا تصلح لقيام الحجة والبرهان على الواقع، وهم في ذلك اما ملحدون او اتباع دين اخر غير الاسلام، او من مسلمين مستنيرين لهم وجهة نظر اخرى غير وجهة نظر (اهل السنة والجماعة – اتباع السلف الصالح – الذين يصفهم القرآنيون باتباع الاسلام الارضي).
ويقول جودت سعيد احد دعاة تحديث وتطوير المفاهيم الدينية الاسلامية إن آيات الآفاق والأنفس لها حق معرفة الحق وكشفه، وهذا الحق كشيء مستنبط من الكتاب لا يؤدي دوراً كبيراً مثل قوله تعالى: ((قُلْ سِيرُوا فِـي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ)) [ العنكبوت 20].
ويضيف جودت سعيد "كما بسط العلم سلطانه على الفلك والكيمياء والطب فسيبسط سلطانه أيضاً على الدين".
ويعتقد المعتزلة بان للانسان مشيئته المطلقة وان لا مشيئة لله عليه ووضعوا العقل هو الذي يحكم على ايات الله واوامره . في رفض تام لمذهب الجبرية الذي يقول بتحكم سنن الله بالوجود كله بما فيه سلوك البشر.

وفي العالم المعاصر هناك عدة مناهج تتصارع في الساحة الثقافية في الدول العربية ابرزها ثلاثة هي:
اولا : منهج التفكير الاصولي المستمد من منهج "شيخ الاسلام ابن تيمية" ويمثل هذا المنهج حركات الاسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الاخوان المسلمين وجماعات السلف بتعدد اتجاهاتها وما انبثق من هاتان الجماعتان من فرق وجماعات متطرفة وارهابية، وايضا جماعات الشيعة التي تعتمد ايضا منهج السلف الصالح من ذرية علي بن ابي طالب.
وتعتمد هذه الفرق والجماعات على النصوص الشرعية المستمدة من القران والسنة النبوية او بعض السنة النبوية ، وتقدم هذه الجماعات النصوص الرعية على كل ما عداها من مصادر المعرفة ولا وزن عندها للعقل الا بقدر تسليمه بما جاء في مصادر الشريعة.

ثانيا : منهج التفكير الفلسفي العقلي الذي يعتبر كما سبق واشرنا ان العقل وحده القادر على تفسير كل شيء في الوجود وهو مصدر المعرفة وان لا سلطة عليه من أي جهة كانت بما فيها سلطة الله ، بل انها تخضع كلام الله واوامرة وتعاليمه الى العقل ليقول رأيه فيها. (المعتزلة نموذجا التي قالت بتقديم العقل على النقل، وهناك جماعات معاصرة كثيرة تدعو لتقديم العقل على النقل)

ثالثا : مـنـهـج التفكير المادي الذي يعتبر ان الحقيقة مستقلة عن وعي الانسان، وان المعرفة هي نتاج للحقيقة الموضوعية أي للوجود المادي الذي هو الحقيقة الوحيدة. ويدعو الى اعتماد قوانين الطبيعة وعلوم الاجتماع في تفسير المسيرة التاريخية للكون والبشر.

وفي ضوء هذا الصراع الفكري بين هذه المناهج وفي ظل تقوقع المنهج المادي وانحساره وضعف انصاره افرادا ومؤسسات ، ونظرا لتشرذم وتشتت اصحاب المنهج العقلي وأولوية الفكر على الانتاج، فان التيار السلفي الاصولي هو الذي يصول ويجول في بلاد العرب يسيطر على عقول المسلمين ويعتبر نفسه هو الممثل الشرعي والوحيد للمسلمين حتى الذين لا يربطهم بالعبادات والواجبات الدينية سوى العرف والعادة.

ولذلك فانني على يقين بان الصراع الفكري دون ان يترافق مع بنية تحتية متنامية وتمتلك مقومات التطور باستمرار فان هذا الصراع سيكون عبثيا وسوف تكون نتائجه في صالح القوى الماضوية انصار الشريعة واتباع السلف الصالح.

واذا قال محمد اركون "نحتاج إلى مائة مؤسسة وثلاثين سنة للتمكن من زحزحة المسلمين عن التمسك بحرفية النصوص..". فانني اقول اننا بحاجة الى الف مؤسسة والف سنة ولن نستطيع زحزحة المسلمين عن التمسك بحرفية النصوص من خلال السجالات الفكرية، بينما قد لانحتاج الا لبضعة سنين اذا انطلقنا من برامج عملية حقيقية للارتقاء بالنية التحيتية في بلادنا .. فكلما تقدمنا خطوة في هذا الميدان كلما تزعزع وليس تزحزح فقط تمسك المسلمين بنصوص الشريعة.
فهل يمكننا ان نحدد خطوتنا الصحيحة ..؟؟

وللحديث بقية

ابراهيم علاء الدين
[email protected]