المقاومة في منظور اليسارالماركسي


حميد كشكولي
2009 / 2 / 14 - 09:39     

باتت " المقاومة" منذ فترة وبالتحديد منذ احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ، حديث القوى الشعبوية، واليسار القومي الذي تأسلم أغلبه أخيرا ، و الأنتي امبريالي، ذا الشجون. وقد أثار العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة القضايا الخلافية وفي مقدمتها " المقاومة" و موقف كل التيارات يمينا ويسارا منها. كما كان من المفيد أيضا إثارة أسئلة عقدية عن اليسار واليمين . فلم يعد كل تيار محسوب على اليسار، أو ادعى يسارية ما تيارا تقدميا تصب سياسته في نهر الشيوعية والاشتراكية العمالية الدافق. فالمقاومة مقولة قومية و مسألة جوهرية بالنسبة للقوميين المتياسرين لها موقعها عندهم في منطقة نفوذ المبادئ ، و يحظى بدعمهم غير المشروط، إلى حد التقديس ، وتكفير من يشكك بصحتها ، أو بالتردد من قبولها وتعريفها وفق منظرهم . و ليس مهما عند القوميين ومن يقف في دائرتهم يمينا ويسارا ، من ، أو أية قوة رجعية ، أو غارقة في الرجعية والإجرام ، أو حسب تعبيرهم " وطنية وديمقراطية"، أو يسارية يقود هذه المقاومة ،وليس مهما أيضا في رأيهم أن تكون القوى المقاومة رجعية حتى النخاع و مدى ظلاميتها و مواقفها الإجرامية من المرأة والعمال والاشتراكية ومصالح الكادحين. . إن " حركة المقاومة" موضع دفاع القوى القومية والوطنية الشوفينية حتى لو قادتها أشد القوى رجعية . لقد شهدنا هذه الظاهرة حين احتلت الامبريالية أفغانستان ، و العراق كيف حسب بعض اليسار القومي الصداميين و مقتدى الصدر وجيش المهدي و الطالبان و آخرين جزء من القوى المؤتلفة في " حركة المقاومة" ضد " الإمبريالية" . وحتى حين يقوم الإسلاميون بفرز مائدتهم عن مائدة " حلفائهم" من اليسار القومي و الستالينيين و اليسار السوفييتي والماويين و الديمقراطيين الجدد ، أو حين يعلنون رسميا بأن حركتهم : "حركة المقاومة الإسلامية" يبقى ثمة بعض يقولون: حسنا، طالما اليسار غائب ،و ليس لهم حضور، فمن الطبيعي أن يصبح حسن نصر الله ومقتدى الصدر وهنية " قادة المقاومة!!!
ويقرّون ، أقصد أدعياء اليسارية هؤلاء، سواء بصراحة أو من قبيل التمويه والتضليل، بأن قوى المقاومة وقادتها " بالتأكيد أنهم رجعيون" ؟؟ لكنهم يستمرون يأخذون بالدفاع رسميا ومن حيث المبدأ عن هذه القوى باعتبارها حليفة في مواجهة " العدو المشترك" ، أو على الأقل يتخذون مواقف ايجابية غير انتقادية منها ، أو يؤجلون البحث في الخلافات إلى المستقبل.


إن مقولة المقاومة أو ” حركة المقاومة" مصطلح قومي، له سابقة تاريخية تعود إلى فترة الحركات المكافحة للاستعمار والمطالبة بالاستقلال، و عمليات تشكيل الدولة- الأمة.. وقد لا تنطبق اليوم الجبهات و الحركات الانتي فاشية التي شغلت جانبا مهما من تاريخ أوروبا ، غالبا ما مع هذه المقولة التي تماهت تدريجيا في تقاليد الاشتراكية القومية والشعبية العالم ثالثية ، والميليشياتية ، و التي بنت ولا تزال مواقفها من المجتمع و الصراع الطبقي و القضايا الاجتماعية وفق رؤية سياسية قومية صريحة.
أي أن المقاومة في المنظور القومي وفوق الطبقي تعني وحدة صفوف الطبقات المتناقضة لمقاربة قضايا المجتمع، مثل المشاكل القومية والتنمية و العلاقات الدولية وغيرها.
وهذه المواقف تتناقض تماما مع مواقف اليسار العمالي الماركسي.

كما تتفاوت مواقف أطياف اليسار القومي من مقولة " حركة المقاومة" لكن يبقى موقفها جميعا واحد موحدا في الفرضيات السياسية و النظرية..
وإن لليسار العمالي و الاشتراكي الطبقي رأي مخالف لفرضيات اليسار القومي الذي يبدي التعاطف "الشرعي" مع الشعب المضطهد ويوحد تعاطفه هذا مع الحركة القومية القائمة باسم ذاك الشعب، وبذلك يرى "حركة المقاومة" مقولة بنيوية ويعتبرها مبدأ أساسيا من مبادئه. ويمكن أن تكون لهذا يردد: القومي مشكلة إيديولوجية مع حركة معينة _ مثلا حماس أو الجهاد وحزب الله _ ورغم ذلك يعترف رسميا بحركة المقاومة التي يقودها حسب تعبيره ” للأسف" حماس، أو حزب الله، أو مقتدى الصدر.و لسان حاله لا يفك يردد: في كل الأحوال، أنها مقاومة !!!
واليوم أمست المجتمعات بفضل المعتقدات الما بعد حداثية المنحطة ، مجتمعات متعددة القوميات والاثنيات والملل ، وأصبحت " الطائفة و القومية" مبدأ للديمقراطية ، و بهذا جعل أهل اللبرالية البرو غربية من الحركات والفعاليات القومية والطائفية جزء من الجناح اليساري للمجتمع ، و جزء من " حلفاء الطبقة العاملة". و ثمة مقاربة أخرى أكثر "يسارية" وهي أنها تعترف رسميا ب" حركة المقاومة" في حال قادتها قوة ثورية، أو على الأقل قوة وطنية وقومية ، لأنه " أي اليسار القومي" وضع حل المسألة الوطنية و القضايا القومية على رأس جدول أولوياته السياسية ، في إطار أهدافه الديمقراطية، ووفقا لمنهجية هذا اليسار يتم تحويل مهمات حل هذه القضايا إلى البرجوازية.
وثمة موقف يساري متطرف وغير سياسي ومرتبك يفرط من كل القضية القومية والوطنية، يؤدي إلى طردها نهائيا من جدول أعماله بحجة خلافه الشامل مع كل القوى الرجعية المنخرطة في " حركة المقاومة".
أي أن هذا اليسار المتطرف يتخلى عن قضايا تتطلب حلولا فورية و مواقف حاسمة باعتبارها مسائل سياسية ملحة، فيضحي بها في سبيل "نقائه الإيديولوجي والنظري"؟؟؟؟
فمثل هذه الآراء تنبثق أصلا من منطلقات فكرية وسياسية ونظرية تقليدية شعبوية حاضرة في مواقف الحركة القومية والإسلامية المعادية للامبريالية دائما وبدرجات متفاوتة.
لا تدخل مصطلحات " حركة المقاومة" واشتقاقاتها القومية في قاموس اليسار الماركسي العمالي. ولا ثمة من مبررات تستسيغ للشيوعيين واليسار الماركسي العمالي مقاربة القضايا الوطنية من قبيل التحرر من الاحتلال و مشاكل الإرهاب والأمن وبناء دولة القانون في ضوء المقولات والمعادلات التقليدية القومية.
وإن كانت لا تزال ثمة مشكلة عالقة في عالم الرأسمالية ، و مستقلا ، بغض النظر عن جذورها التاريخية ، وسواء كانت قضية قومية أو مطالب أخرى أو قوانين دينية وغيرها، لا بد للرأسمالية اليوم من إعادة إنتاجها و توظيفها لأجل مصالح فئة ما تابعة لها ، لهذا يجب حل هذه المعضلات في ضوء برنامج شيوعي في سبيل تحرر المجتمع و إزالة أي نوع من الظلم والاستغلال و التمييز .ويعتبر هذا ركنا من أركان نضال الطبقة العاملة لتحرر المجتمع في ضوء أممية الطبقة العاملة ورؤيتها الماركسية . إنه كفاح لأجل اتحاد صف الطبقة العاملة في المستوى الوطني والإقليمي والعالمي ، إذ أن الشيوعية لها تكتيك وإستراتيجية واضحة لحل الظلم القومي و أية معضلة قومية ، يختلفان عن تكتيك وستراتيجية القوى القومية والبرجوازية بمختلف مذاهبها من اليمين واليسار.
الآفاق والمواقف السياسية والاجتماعية للطبقتين المتصارعتين، المستغِلة والمستغَلة في كل ركن من العالم الرأسمالي تقذف بحركاتها السياسية وأحزابها وقواها إلى السطح. فللقوميين والشيوعيين كحركات سياسية ، برامجهم السياسية لمعالجة أية مسألة واقعية وسياسية و موضوعية ، مثل قضايا الاستقلال و التحرر والمشاكل القومية ومصير الشعوب. ولو أن أية حركة قومية، واليوم إسلامية أيضا، تكمن أسطورتها في الاحتفاظ " بحركة المقاومة" و إضفاء الشرعية السياسية عليها، فأن الشيوعية لا ترى على الإطلاق أية ضرورة لتضفي صفات خاصة و" يسارية" وتحررية على " حركة المقاومة". فكما كتب عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي عن ثورة العشرين العراقية بأن مفاهيم التحرر والاستقلال والحرية غريبة عن الثوار ، ولم تدخل بعد أذهانهم ، فقوى الإسلام السياسي والعشائرية أهل الغيرة ليست حركاتهم سوى لجل أهداف غير متمدنة ، بعيدة عن فكر التحرر والاستقلال والرفاه و تنمية المجتمع .
فمواجهة الاحتلال و الظلم القومي لا تعني أبدا الاعتراف السياسي بالحركات القومية رسميا والانحلال فيها. وإن مقاومة الشيوعيين تجري في سعيهم في تحويل الشيوعية واليسار الماركسي والاشتراكي العمالي إلى قوة فعالة ببرامج ورؤى واضحة لحل أية قضية ، أينما كانت لأسباب واضحة منها أن الشيوعية والاشتراكية العمالية تتميز بسمات المساواتية الشيوعية وأن سياستها مبنية على الرفع الفوري لأي ظلم وتمييز وإجحاف، سواء قوميا أو اجتماعيا، وبسبب كون المشاكل القومية والوطنية تبعث على التفرقة والكراهية بين الجماهير وتخلق شروخ في صفوف الطبقة العاملة وطنيا وإقليميا وعالميا.
...
إن أممية الطبقة العاملة والسياسة الشيوعية وإستراتيجيتها، توجب رؤية المشكلة، ومنها قضية التحرر من الاحتلال، رؤية سياسية، و البحث عن طريق حل سياسي، وإن مسير العمل على معالجة المسائل، يسهم في توضيح الرؤية في درب النضال الطبقي.

إن السياسة التي تتجاهل تبعات الخلاف السياسية والاجتماعية مع القوى الرجعية ، وتضيعها في ما يسمى" بالكفاح ضد العدو المشترك" هذه السياسة التي تقبل بالنزعات القومية و الطائفية ، و تتعاطى مع التيارات الرجعية بحجة وجود الظلم والاضطهاد، إنما هي سياسة تعبر عن فكر فلول اليسار القومي ، والقومية المتياسرة ، ولا علاقة لها بشيوعية الطبقة العاملة والماركسية والاشتراكية الطبقية.
و لا تتهاون الشيوعية الطبقية ، شيوعية ماركس ولينين ، ولا تساوم مع القوى الرجعية ، ولا تستهدي بمنهج اليسار القومي و المعادي للامبريالية ، في مواجهتها الإرهاب ، والاحتلال و الظلم القومي والوطني.
2009-02-13