أعداء الشيوعية يكرهون ستالين


فؤاد النمري
2008 / 10 / 19 - 09:40     

عندما سحب خروشتشوف من جيبه تقريره المعد سريّاً وتلاه على الهيئة العامة لمؤتمر الحزب العام العشرين في شباط 1956 يهاجم ستالين الذي كان بالرغم من كل شيء آخر الرمز الأول لنجاح الثورة الإشتراكية بالرغم من مجابهتها لأهوال وأخطار لا نظير لها في التاريخ، ليس أعظمها الهجوم النازي على الدولة السوفياتية المسالمة دون أدنى مبرر، يتهمه بممارسة طقوس عبادة الذات وتسلطه الفردي، كان محمد سعيد مضيه ما زال شيوعياً مبتدءاً لم تزعجه قط ممارسة ستالين لطقوس عبادة الذات أو سلطته الفردية ؛ ولا بدّ من أنه كان يقرأ جريدة الحزب " المقاومة الشعبية " التي لا تذكر اسم ستالين إلا مقروناً بصفة " العظيم " دون أن يزعجه ذلك ودون أن يحتج على ثقافة التعظيم الفردي مثلما احتججت أنا في أحد اجتماعات منظمتي الحزبية ربما في العام 54 أو 55 باعتبار أن ثقافة التعظيم الفردي ليست ثقافة شيوعية، احتججت آنذاك دون أن أعلم أي شيء عن سر عظمة ستالين الذي هو ليس قيادته الفذة للحزب وتحقيق نجاحات وانتصارات تتجاوز حدود العظمة إلى حدود الدهشة، بل سرها الحقيقي هو التربية البولشفية في إنكار الذات التي مارسها ستالين بصرامة فائقة مذ كان عمره أربع عشرة سنة فقط، وأحد دلائلها العابرة هو عندما رفع رجال الدولة والحزب أثناء احتفالهم بالانتصار على النازية في نهاية آب 1945 رفعوا يشربون "نخب ستالين العظيم صاحب الإنتصار الأعظم"، كما هتفوا، لكن ستالين لم يرفع كأسه، وللمرة الثانية لم يرفعها بذات الهتاف، وكان فجّاً مع المحتفلين فقال .. " أيها الرفاق أريد أن أصحح لكم، صاحب النصر العظيم ليس ستالين بل هو الشعب الروسي العظيم " ، ولم يقل الشعوب السوفياتية وستالين نفسه ليس من القومية الروسية . إن أي دراسة دقيقة للسيرة الذاتية لشخصية ستالين لا بدّ أن تجد أن هذه الشخصية الاستثنائية جداً في التاريخ كانت قد اتخذت لنفسها معياراً دقيقاً وصارما وهو أن التواضع وإنكار الذات هو القيمة العظمى لدى الشيوعي الحقيقي . أمام هذه الحقيقة التي لا تغيب لحظة من تاريخ حياة ستالين من المدهش حقاً، بل من الغباء المطلق أن يشرع أحد الأغبياء بالهجوم على ستالين من باب عبادة الذات !!

قلت أن ممارسة ستالين لطقوس عبادة الذات لم تكن تزعج الشاب اليافع محمد سعيد مضيه ولا تضايقه سلطاته الفردية بشيء ، لكنه مع ذلك ارتكب خطيئة عظمى وأيد هجوم خروشتشوف مستنكراً تاريخ ستالين رغم جهله المطبق به . الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن اقتراف تلك الخطيئة لم يكن بمبادرة ذاتية من الشاب محمد سعيد مضيه الذي كان قد اتخذ قراراً نهائياً بأن يكرس كل حياته لخدمة قضية الإشتراكية بل كان تقليداً لآخرين غشوه فقالوا له أن خروشتشوفهم جاء لينصر الشيوعية ـ وكانت منتصرة على مستوى العالم كله وليست بحاجة لغبي ينصرها من مثل خروشتشوف . صدقهم المسكين مضيه لأنه لم يكن على وعي كافٍ بالماركسية-اللينينية وخاصة أن قضيته الأولى والأخيرة كانت الشيوعية . إلى هذا الحد ليس لنا أن ندينه ولا لأنه زعّق عالياً في نصرة خروشتشوف ومهاجمة ستالين، إنما ندينه اليوم لأن فقاعة خروشتشوف انفجرت وأطلقت غازات فاسدة وسامة، اليوم وبعد أن انهار المشروع اللينيني العظيم بقيادة من هم مثل محمد سعيد مضيه وآخرهم غورباتشوف الذي قامت لجنة موسعة في موسكو في العام 1985 لتعمّد غورباتشوف إبناً بالمعمودية لخروشتشوف وقد زعق عالياً خلفه السيد مضيه، ومع ذلك ما زال يزعق منتصراً لمعلمه خروشتشوف ولطعوناته في التجربة الاشتراكية السوفييتية محذراً من تكرارها بقصد أو بدونه وهذا ما يستدعي الشجب والإستنكار وكشف الأستار عن تلك المقاصد الدنيئة من الطعن بشخصية ستالين . التحريفيون من جنود البورجوازية الوضيعة بالتعاون الوثيق مع ذئاب الرأسمالية المسعورة استطاعوا أن يجعلوا من شخصية ستالين قضية محورية في مسألة التقدم نحو الاشتراكية .

إزّاء الانتصار العالمي الذي حققته البورجوازية الوضيعة في الإتحاد السوفياتي أولاً ثم في باقي العالم ليس لنا إلا أن نقبل بالبحث في أحقية الاشتراكية عن طريق مقاربة هذه المسألة المعلولة وهي أن الإشتراكية السوفياتية هي من صنع ستالين ـ لم يعرف العالم اشتراكية أخرى غير الاشتراكية السوفياتية . ولاستدعاء مقاربة هذه المسألة المعلولة لا بد للسيد محمد سعيد مضيه من تعليل الوقائع التالية دون أن يدين معلمه وعرّابه خروشتشوف .

1. إدانة ستالين في المؤتمر العشرين انبثقت من تقرير سرّي تلاه خروشتشوف على هيئة المؤتمر دون أن يناقشه المكتب السياسي كما تقتضي الأصول في الإجراءات المرعية في الحزب ! لماذا ؟ هل يجوز تقرير قضية خطيرة كهذه بصورة فردية وشجب القرارات الفردية بمثل هذه الوقاحة . إتخاذ قرار فردي يشجب القرارات الفردية !!
2. في حزيران يونيوه 1957 قرر المكتب السياسي سحب الثقة من خروشتشوف لكن خروشتشوف لم يستقل من منصب الأمين العام للحزب ومن رئاسة مجلس الوزراء بمقتضى القانون . بل قام خروشتشوف الديموقراطي جداً والذي لا يعبد ذاته بانقلاب عسكري وألغى قرار أعلى سلطة في الدولة وهي المكتب السياسي للحزب طالما اللجنة المركزية ليست منعقدة .
3. طلب خروشتشوف من المارشال جوكوف، وكان وزيراً للدفاع ومرشحاً لعضوية المكتب السياسي، مساعدته في التنكر لقرار البريزيديوم، وهو له القرار الأخير في الدولة، فأمر المارشال جوكوف الوحدات العسكرية في أنحاء الاتحاد جلب أعضاء اللجنة المركزية إلى موسكو على الطائرات الحربية السريعة خلال 24 ساعة فاجتمعت اللجنة المركزية دون أن يدعوها المكتب السياسي وهذا مخالف لأصول العمل بنظام الحزب .
4. قررت اللجنة المركزية في اجتماعها غير الشرعي طرد جميع البلاشفة من المكتب السياسي وعددهم يساوي نصف عدد أعضاء البريزيديوم وهم : مالينكوف، مولوتوف، كاغانوفتش، شبيلوف، بولغانين وفورشيلوف ، وتم طردهم من الحزب بعد فترة قصيرة . طرد هؤلاء بحجة التآمر على إقصاء خروشتشوف ! لكن تآمر خروشتشوف على طردهم ليس تآمراً ! هل هناك من مبرر لإقصاء جميع البلاشفة من الحزب فيكون الحزب بالتالي بلا بلاشفة ؟
5. جزاء لجوكوف قام خروتشوف حالاً بعد الإنقلاب بترقيته إلى عضو كامل العضوية في المكتب السياسي ثم بعد أربعة شهور فقط قام بطرده من جميع وظائفه في الحزب والدولة بحجة ميوله البونابرتيه ـ خشي أن يقوم بانقلاب مماثل عليه !
6. بعظمة لسانه وبالتنكر لماركس ولينين أعلن خروشتشوف إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا وحلول ما يسمى " دولة الشعب كله " محلها . هل يجوز عبور الاشتراكية بدون دكتاتورية البروليتاريا ؟
7. بعظمة لسانه أعلن خروشتشوف أمام الهيئة العامة للحزب تعطيل سياسة الصراع الطبقي ! هل هناك تطور من أي نوع بدون صراع طبقي أو تناقض الأضداد ؟ وسخر بوقاحة الغبي لماذا نتصارع لمصلحة الأعداء ؟!
8. طالب خروشتشوف بالفصل التام بين الثورة الإشتراكية وثورة التحرر الوطني. هل يجوز ذلك ؟
9. طالب خروشتشوف بالإعتماد المالي على الذات بالنسبة لمختلف مؤسسات الإنتاج . أثمة اشتراكية بمثل هذا الاستقلال ؟
10. زراعة القمح في شمال قازاخستان قريباً من الدائرة القطبية كان أهم مشاريع خروشتشوف الإنمائية . جرى تقطيع ملايين الأشجار وحرقها لتدفئة الزرع حماية من الصقيع في فصل الربيع في ملايين الهكتارات !! هل هذا مشروع لعاقل ؟

لئن فسر السيد مضيه كل هذه الوقائع تفسيراً يحمي معلمه خروشتشوف من الإدانة، بل ومن التجريم، عندئذٍ سأرفع الراية البيضاء معلنا التسليم لفيالق التحريفيين بقيادة محمد سعيد مضيه، أما إن ردّ بعدم علمه بالعديد منها فيتوجب عليه أن يصمت عندئذٍ خجلاً فكيف له أن يعلم أن ستالين كان بيروقراطياً يمارس عبادة الذات وقد رحل ستالين قبل أن يعتنق محمد سعيد الشيوعية بينما لا يعلم شيئاً عن هذه الوقائع ؟! أنا أراهن على أن السيد محمد سعيد مضيه سيرد .. " لا أعلم " إذ لو علم لما كتب مثل هذه الكتابة التي رددت أكاذيب زمرة تروتسكي وأضاليل أعداء الشيوعية . ولعله يدعي استنكار خروشتشوف كما استنكار ستالين لكن مثل هذا الإدعاء كاذب ويمتنع عليه وهو الذي كان زعيقه بتأييد خروشتشوف يصمّ الأذان دون إنقطاع ؛ ظل يزعق حتى بعد أن سقطت الخرشفة في بلادها .

خطيئة محمد سعيد مضيه أنه ليس ماركسياً . هو نصير فعال ومفيد لجهة ما ذات نفوذ لكن ليس ماركسياً ذا مبادئ . صفق بحماس لستالين في الخمسينيات وانقلب يشتم ستالين ويصفق لخروشتشوف في الستينيات وانقلب ينكر خروشتشوف ويؤيد البورجوازي الوضيع الإنقلابي بريجينيف في السبعينيات وانقلب يستنكر بريجينيف ويصرخ بقوة في تأييد غورباتشوف ولا بدّ أنه انقلب على غورباتشوف ولم يكن بوسعه مناصرة يلتسن . تصالح مع جميع هؤلاء إلا مع ستالين فهو الإشتراكي الوحيد بينهم جميعاً وها هو اليوم ينقب كل كتب المخابرات الغربية الحقيرة الصفراء ليدين كل التجربة الإشتراكية السوفياتية مختبئاً وراء لينين بادعاء أن الإشتراكية كانت فقط أيام لينين وجرى اغتيالها بعد رحيله مباشرة . هناك غرباء كثيرون على الماركسية-اللينينية يدّعون نفاقاً ولغايات مريضة أن السياسة الإقتصادية الجديدة (NEP) التي بدأ تطبيقها لينين في العام 1921 كانت هي علاقات الإنتاج الكفيلة بتطوير الإشتراكية خلال جيل كامل برأي محمد سعيد مضيه . مثل هؤلاء القوم ليسوا غرباء على الماركسية فقط بل هم كذبة وأفاقون لا يخجلون من الفضيحة . لنعد إلى خطاب لينين يشرح سياسة النيب لدوائر التثقيف السياسي في مؤتمرها العام في أكتوبر 1921 إذ يقول .. " إذا ما تفحص الشيوعيون بدقة مسألة السياسة الإقتصادية الجديدة (NEP)فلن يدخل عقولهم أي شك في أن هزيمة على الجبهة الإقتصادية قد لحقت بنا " . ويقول أيضاً .. " السياسة الإقتصادية الجديدة تعني استبدال الضريبة بالطعام وهو ما يعني العودة إلى الرأسمالية لحدود ليست قليلة ـ إننا لا نعلم مدى الحدود " و " تاجير المشاريع للقطاع الرأسمالي الخاص يعني بعث الرأسمالية من جديد " . ثم أشار لينين إلى الخطورة الكامنة في (النيب) التي تقوم على استحضار نمط الإنتاج البورجوازي الرأسمالي في المجتمع السوفياتي والمنافسة معه وهو الأكثر تقدماً في التقنية وكفاءة الإنتاج، وتصل هذه الخطورة إلى حد انهيار الثورة وهزيمة البروليتاريا عقب كل النجاحات الحربية التي حققتها ضد الأعداء . بعد كل هذا الوضوح في الحرب الإقتصادية بين الرأسماليين والبروليتاريا تحت مظلة النيب يطلع علينا سعيد مضيه ليزيح الغشاوة التي ضللت أبصار العمال والجماهير الكادحة كما يدعي لنفسه ويؤكد أن من ارتد على اللينينية هو ستالين بمغامرته في إلغاء سياسة النيب واستخدام القمع لتطبيق السياسة الاقتصادية المعاكسة، التي هي الاشتراكية كما يقول لينين وغير الاشتراكية كما يقول مضيه !! ولنا أن نصدّق مضيه ونكذب لينين !!

ليس من شك في أن محمد سعيد مضيه وبعد أن قضى عمره مصطفاً بين صفوف الحزب الشيوعي تبيّن أخيراً أنه عدو للإشتراكية، الإشتراكية السوفياتية بالحد الأدنى، فهل لدى مضيه اشتراكية أخرى غير الإشتراكية السوفياتية ؟ لا عجب في ذلك، فبعض الشيوعيين سابقاً يعلنون بلا حياء أو خجل أنهم سيتجاوزون كارل ماركس إلى إيديولوجيا جديدة تمكنهم من هزيمة الولايات المتحدة الأميركية . يبدو جليّاً أن أمثال هؤلاء المهوسيين بالعبث بالتاريخ قد أخذهم بعيداً مثال بن لادن الذي بالإسلام سيهزم الولايات المتحدة . هؤلاء المخلوقات الخرافية قرروا أن يعكسوا التاريخ ماشياً على رأسه فيبنوا إيديولوجيا قبل واقعها . العيب ليس في أعداء الشيوعية من مثل سعيد مضيه، العيب في الشيوعيين الحقيقيين الذين لم يطردوا أعداء الشيوعية من صفوفهم . ولا يستهجننّ أحد ذلك فقد طالب لينين في خطابه المشار إليه أعلاه بطرد مائتي ألف عضو من الحزب الشيوعي السوفياتي لأنهم يعيقون العمل الشيوعي في الصراع الطبقي . مثل هؤلاء تماماً هو سعيد مضيه الذي ينكر الصراع الطبقي في الإتحاد السوفياتي ويدعي بأن ستالين كان قد إدّعى باشتداد الصراع الطبقي كلما تقدم البناء الإشتراكي وذلك من أجل أن يبرر قمعه الدموي لمعارضيه . كل من ينكر الصراع الطبقي في مرحلة الإشتراكية إنما هو عدو للشيوعية حيث أنه لن يتم الإنتقال من الإشتراكية إلى الشيوعية إلا من خلال تسعير الصراع الطبقي وإلغاء طبقة الفلاحين من جهة وطبقة الانتلجنسيا من جهة أخرى خلال مرحلة الإشتراكية . لمضيه سبيل واحد ليبرهن أنه ليس عدواً للشيوعية وهو أن يبرهن بالوقائع أن الطبقة الحاكمة في روسيا اليوم هي طبقة البروليتاريا، وإلاّ فمن هي تلك الطبقة الأخرى الحاكمة اليوم التي هزمت البروليتاريا واغتصبت سلطتها ؟؟ هل تم استيرادها من خارج روسيا واستلمت السلطة "خاطرشان " بتعبير العامة ودون صراع ؟؟