المقاومة في البلدان العربية

مفيد قطيش
2008 / 7 / 22 - 11:09     

تكتسب المقاومة في لبنان والبلدان العربية أهمية خاصة في اللحظة الراهنة. ففي لبنان صحت الحكومة مؤخراً وطالبت الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل للإنسحاب من مزارع شبعا ووضعها تحت رقابة الأمم المتحدة ووضع حد لإحتجاز عدد من المقاومين اللبنانيين في السجون الاسرائيلية. من جهة أخرى بدأت محادثات غير مباشرة وبوساطة تركية بين سوريا واسرائيل. وبسبب الاعتقاد السائد في لبنان بارتباط المقاومة المسلحة في لبنان باحتلال اراضي لبنانية ووجود أسرى في سجون العدو الاسرائيلي، فإن حل هاتين المسألتين من شأنه أن يطرح التساؤل حول ضرورة استمرار المقاومة والتمسك بسلاحها.

وفي الحقيقة ينبغي الاعتراف بأن بعض القوى المقاومة قدمت الحجة لطرح هكذا تساؤلات عندما ربطت المقاومة بالاحتلال الاسرائيلي المباشر للأرض، كما وكل القوى القومية الأخرى.

وفي البلدان العربية جرى صراع طويل حول خيار المقاومة منذ كانت البلدان العربية تحت الانتداب الاجنبي مروراً بنكبة فلسطين وصولاً الى مواجهة الاعتداءات والحروب الاسرائيلية المتواصلة.

وبسبب الاخفاقات والنكسات التي تعرضت لها حركة التحرر الوطني العربية منذ عدوان حزيران 1967. ومروراً بالضربات التي انزلت بقوى الثورة الفلسطينية في بعض البلدان العربية انتزعت القوى الرجعية والبرجوازية الكولونيالية المبادرة، داعية للقبول بالحلول الأميركية للنزاع العربي – الاسرائيلي، مما سمح لبعض البلدان باجراء محادثات منفردة مع اسرائيل وتوقيع معاهدات سلام معها مثل مصر والاردن ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ ولقد استردت هذه البلدان (ما عدا منظمة التحرير) أراضيها المحتلة لكنها خسرت شعوبها وأدوارها ومستقبلها. أما الشعب الفلسطيني فلم يحصد إلا الدمار والابادة والمجازر الجماعية.

ومع ذلك فإن عدداً من قوى التحرر الوطني سار بعكس التيار وتابع النضال. فقد استمرت قوى التحرر والمقاومة في لبنان وفلسطين والعراق مقاومتها ضد الامبريالية والصهيونية محققة انتصارات مجيدة تمثلت في طرد الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 وهزيمة اسرائيل في العام 2006 وفشلها في تدمير المقاومة في غزة. أما في العراق فإن المقاومة أدخلت الاحتلال الاميركي في أزمة خانقة. ولهذا السبب فقد حدثت مجموعة من التغييرات الهامة.

1. فقدت اسرائيل وظيفتها كدركي في المنطقة يتحكم بدنيامية التطور فيها.

2. وضعت المقاومة في العراق البداية لتبديد أوهام الامبريلية الأميركية باقامة نظام عالمي وحيد القطبة.

3. تأكد أن الحلول المنفردة عاجزة عن ضمان حقوق الشعب الفلسطيني وعن حماية الثروات الطبيعية في البلدان العربية، وتأكد أن المقاومة هي السبيل الوحيد لتأمين هذه الأهداف.

لهذا السبب فان البرجوازية الكولونيالية العربية تحقد على قوى التحرر والمقاومة وتلجأ للإستعانة بالقوى الامبريالية بما فيها اسرائيل لتوجيه ضربات الى هذه القوى لتصفيتها.

وعلى العموم فإن مفهوم المقاومة ارتبط بالمقاومة المسلحة ضد التدخل الخارجي منذ نهاية القرن التاسع عشر. وقد تجلى هذا الفهم مع تشكل الاستعمار كظاهرة مرافقة للإمبريالية. في ذلك الوقت ظهرت حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، التي ناضلت من أجل إنتزاع الاستقلال السياسي وطرد المحتلين. ومع نهاية الحرب العلمية الثانية انهار النظام الاستعماري وحصلت الغالبية العظمى من البلدان المستعمرة على استقلالها السياسي، الذي كان في معظم الحالات شكلياً...

أما في المستوى الاقتصادي – الاجتماعي فقد اختارت البلدان المستقلة حديثاً بين نهجين:

1. استمرار عملية التحرر الوطني في المجالات الاقتصادية الاجتماعية والقيام باصلاحات تفاوتت من بلد لآخر وبدغم من المنظومة الاشتراكية.

2. السير بطريق التطور الرأسمالي التابع والمحافظة على البنية الاقتصادية الاجتماعية الموروثة والمتميزة بتبعيتها للامبريالية.

الى ذلك انتجت الامبريالية مجموعة من آليات الاستغلال الحديثة لتعوض إنهاء الوجود العسكري المباشر. وأمنت هذه الآليات استمرار نهب الثروات الطبيعية والسيطرة على الاسواق وأنظمة التجارة والمصارف. فكان الاستعمار الجديد الآلية المضمونة لفرض التبادل غير المتكافئ، والذي انتج معضلة المديونية وعمق تبعية بلدان العالم الثالث بالامبريالية.

بهذا المعنى يمكن القول ان الاستعمار ظاهرة دائمة في الامبريالية لا ترتبط بالاحتلال المباشر فقط، والاحتلال بحد ذاته لم يمارس من أجل الاحتلال بحد ذاته. فحين تتحقق أهداف الامبريالية بأساليب سلمية لا تحتاج للاحتلال.و ما تحتاجه الامبريالية هو تأييد تبعية العالم الثالث بالمراكز الرأسمالية عبر إعادة إنتاج علاقات الانتاج الكولونيالية في هذا البلدان وتجديد السيطرة السياسية للبرجوازية الكولونيالية فيها.

وبعد تشكل الرأسمالية المعولمة التي تجعل العالم حقلاً موحداً لإنتاج الرأسمال كعلاقة إجتماعية وللاستغلال الرأسمالي، تكتسب القوانين والظواهر والتناقضات الرأسمالية طابعاً عالمياً. وحلت النيوليبرالية كخلفية ايديولوجية وكبرنامج عمل للرأسمال المعولم محل الكنيزية. وسعت الى ازالة العوائق والعراقيل أمام حركة عوامل الانتاج والسعي من أجل تحقيق عناصر "توافق واشنطن"، من أجل مصادرة جزء من المنتوج الزائد، تعويضاً عن فعل قانون ميل معدل الربح للانخفاض، ولتوظيف هذا الاقتطاع في تحقيق خروقات تكنولوجية، على حساب حاجات مليارات البشر.

وخلافاً للمنطق، فإن إنتهاء الحرب الباردة منح نفساً جديداً للروح الاستعمارية. فبدل أن تتحرر البشرية من منطق الحرب وانتاج الاسلحة وتزايد النفقات العسكرية تشهد البشرية ميولاً معاكسة بالكامل. وقد نجحت الامبريالية الاميركية في انتاج عدو جديد هو الارهاب، لتبرير سلوكها العدواني المناقض لتطلعات البشرية، ففجرت مجموعة من الحروب هي بمجموعة حرب عالمية في عصر العولمة.

لقد تبين أن القوى الامبريالية لم تكتف بنتائج الحرب الباردة، بل هي تسعى لتصفية كل آثار المرحلة السابقة- أي نتائج التحرر الوطني. وقد أعلن الاميركيون العالم حقل مصالحهم وقرروا تفجير الحرب حيث يشاؤن وضد من يشاؤون ومتى ارادوا ذلك. أن مثل هذا الستراتيجيا تهدف الى:

- فرض القيم والمعايير الاقتصادية – الاجتماعية الاميركية.

- فرض موديل المجتمع المفتوح بما يعني فتح أبواب البلدان التابعة على مصراعيها للشركات العابرة.

- نزع سلاح الحماية الذاتية للشعوب وتسليح القوى الحليفة للإمبريالية.

- خصخصة الموارد الطبيعية كخطوة أولى لمصادرتها لاحقاً.

- تنفيذ كل هذه الخطوات سلمياً حيث يتسنى ذلك وبالقوة حيث تصطدم الامبريالية بالمقاومة الوطنية.

لذلك يمكن القول أن التحرر الوطني ما زال مهمة راهنة تواجهها شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية من أجل التخلص من التبعية بشكلها التقليدي والحديث. ولذلك فإن المقاومة تصبح اليوم الشكل الرئيسي للصراع الطبقي الذي يتخذ في بلداننا شكل النضال الوطني: فهو، من جهة، نضال ضد البرجوازية الامبريالية التي تفرض التبعية علينا وتحميها، وبهذا المعنى هو نضال من أجل القضايا القومية. ومن جهة ثانية هو نضال ضد البرجوازية الكولونيالية المحلية التي تحمي البيئة الداخلية للتبعية أي بنية علاقات الانتاج الكولونيالية، وبهذا المعنى هو نضال من أجل تحويل العلاقات الرأسمالية التابعة الى علاقات اشتراكية. باختصار، النضال التحرري الوطني اليوم هو الشكل المعاضر للتحول الاشتراكي في بلداننا.

إن الطغمة المالية المعولمة وشريكتها في العالم الثالث – البرجوازية الكولونيالية تستخدم كافة وسائل وأساليب القمع والهيمنة. وذلك عبر:

- منع القوى السياسية المعارضة من المشاركة في السلطة السياسية عبر قوانين جائرة وخاصة قوانين الانتخاب وعبر القمع السياسي المباشر للحد من النشاط السياسي للجماهير الشعبية.

- استخدام أسوأ اشكال الاستغلال للجماهير الكادحة وإصدار القوانين التي تحد من عمل النقابات ومصادرة منتوج العمل وفرض نوع من الدارونية الاجتماعية عبر جعل السوق آلية تفاعل وحيدة بين البشر.

- القيام بضغط اعلامي وثقافي عبر الاعلام والثقافة الجماهيرية.

- الاحتلال المباشر،حيث تدعو الحاجة، لمساعدة السلطات السياسية التابعة على مواجهة الحركات الشعبية.

في ظل هذه الظروف تكتسب المقاومة شرعيتها. ولا تغير من هذا الواقع شيئاً الاتهامات بالارهاب الموجهة لحركات المقاومة الوطنية. ففي الواقع هذه المقاومة هي ردة فعل شرعية على السلوك اللاانساني للرأسمال العابر وللقوى الامبريالية. وفي بلادنا تمارس هذه المقاومة من قبل قوى عديدة تضم الاسلاميين والشيوعيين والقوميين .

وتتمثل المقاومة المسلحة اليوم في البلدان العربية بالمقاومة اللبنانية والعراقية والفلسطينية. وقد حققت فصائلها نجاحات كبيرة. فقد وضعت القوى الامبريالية في وضع خرج وبددت أوهام نظرية" نهاية التاريخ" وهزمت اسرائيل في حربين. ومع ذلك فحركات المقاومة هذه تعاني من مجموعة من الصعوبات والتناقضات الجدية التي تحد من فعاليتها:

- فبعض القوى المقاومة يربط نضاله بالعمل ضد الاحتلال الاجنبي المباشر فقط. وبالتالي فهو يقتصر في هذه الحالة على النضال ضد البرجوازية الامبريالية، متجاهلاً دور البرجوازية المحلية الكولونيالية في تحفيز وتسهيل العدوان الخارجي. وعندما يجري إدراج أطراف من هذه البرجوازية في عداد القوى المواجهة لها فإنما يجري ذلك بادراج أفراد أو ممثلين لقوى محلية، دون ربط هؤلاء بالبنية الاقتصادية الاجتماعية المولدة لهذه القوى. بكلام آخر لا تربط هذه القوى المقاومة تحرير الارض بالقضاء على التبعية كخلفية للتدخل الخارجي والاحتلال، ولا تربط تحرير الارض بالتحرر الاجتماعي. ومع ذلك، فإن هذا النضال هو صراع طبقي ضد البرجوازية الامبريالية، وعت القوى المقاومة ذلك أم لا.

- ومن جراء ذلك تتحول المقاومة الى ظاهرة غير جذابة و فئوية محصورة، لأسباب تاريخية، بهذه المجموعة أو تلك وتحرمها من طابعها الوطني.

- ولذلك فإن توترات وتناقضات عديدة تبرز بين الاطراف المقاومة مما يضعفها ويحضر الظروف فيشلها.

إن تنظيم المقاومة وضمان نجاحها يتطلب الأخذ بعين الاعتبار لمجموعة من المسائل:

- ينبغي أن تشمل المقاومة كافة جوانب ومجالات النشاط الاجتماعي السياسي والاقتصادي والاعلامي. إن شمولية الهجمة الامبريالية تفترض شمولية المقاومة.

- ينبغي على المقاومة ان تنوع وسائل النضال : النضال السياسي والاقتصادي – الاجتماعي والايدولوجي والعسكري.

- لكي تنجح المقاومة لا بد أن تكون جذرية. فالانتصار على الاحتلال الاجنبي لن يكون نهائياً اذا لم يقترن بتغيير البنية الاقتصادية – الاجتماعية الداخلية التي يستند اليها التدخل الاجنبي. خلافاً لذلك يمكن للاحتلال أن يتكرر.

- وعلى المقاومة أن تكون شعبية. وهو ما يفترض اعلان مصالح أوسع الفئات الشعبية مصالح للمقاومة ذاتها، وإلا فإنها تتحول لحدث عارض ةمعزول.

- والمقاومة مدعوة لوضع التناقضات بين أطرافها في حجمها الطبيعي، خاصة عندما يجري الحديث عن التناقضات الايديولوجية. إن مواقف أطراف المقاومة تجاه بعضها البعض ينبغي أن تبنى على الممارسة لكل منها وليس على القناعات الايديولوجية.

في الوقت ذاته ينبغي على المقاومة أن تدين الارهاب بما هو ردة فعل غير عقلانية على تحديات العصر الراهن. والارهاب هو الوجه الآخر للامبريالية. اكان ذلك ارهاب دولة أو مجموعة أو فرد. ونقصد بالارهاب تلك الاعمال التي تهدف لتدمير وإبادة الاهداف المدنية والافراد التي لا علاقة لها بالعدو المستهدف. كما على المقاومة أن تدين ما يسمى بالحرب على الارهاب التي فجرتها الولايات المتحدة الاميركية، لأن مفجريها أنفسهم ارهابيون، منتجون للارهاب، لا يفرقون بين الارهاب وبين التحرر الوطني.

في ضوء هذا الفهم، فقط، للمقاومة، ولدورها، تنفك الجماهير عن مراكز القوى السياسية الرجعية التي تحلقت حولها من جراء الخداع الايديولوجي والتلاعب بوعيها. وهو ما سيساعدها على التفريق بين الصديق والعدو. وبهذا تنضم الجماهير للنضال من أجل مصالحها وهو نضال سمي افتراء حرب الآخرين على ارضنا.

في هذه الحالة فقط، تستعيد الجماهير ارادتها المصادرة وتعيد توظيفها في الدفاع عن حقوقها ومصيرها. من جهة أخرى، تكتسب، بذلك المقاومة حلفاء جدد كانوا معبئين ضدها. وفي هذه الحالة فقط لا يضيع انتصار بل تتراكم الانتصارات لتشكل في لحظة معينة نقطة انعطاف تستعيد فيها القوى السياسية الوطنية والديمقراطية المبادرة من أجل بناء وطن ما زالت تحلم ببنائه طيلة قرن من الزمن.





د. مفيد قطيش

عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني



* مداخلة ألقيت في لقاء :" الماركسية – 2008" في لندن-6/7/2008