هل ينتهي التاريخ بصدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ؟


فلاح أمين الرهيمي
2008 / 1 / 26 - 11:35     

تزامن مع إنهيار المعسكر الاشتراكي صدور كتب عديدة ولكن كان أهمها كتابين الأول كتاب ( نهاية التاريخ والإنسان الأخير) للكاتب الاميريكي ( فرانسيس فوكاياما ) والكتاب الثاني ( صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ) للكاتب الأميركي ( صموئيل هنتفوتون ) . كلا الكتابين يهللان ويطبلان فرحا وسرورا بإنهيار وسقوط جدار برلين ، فالكتاب الأول يشير إلى حسم الصراع بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي ( الليبرالي ) لصالح الأخير مما يترك له الانفراد بالساحة الدولية إلى نهاية التاريخ .

أما الكاتب ( صمؤيل هنتنفتون) مؤلف كتاب (صدامات الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ) لم يذهب كما ذهب فوكاياما وإنما جعل المرحلة القادمة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي تشتد فيها الصدامات بين الحضارات المختلفة في العالم وهي التي ستنهي التاريخ وعلى ضوءه وخصائصه سينشأ ويتكون النظام العالمي الجديد . يقول هنتنفتون : فرضيتي هي أن العالم الجديد لن يكون للصراعات والنزاعات في الأساس جذور أيديولوجية أو اقتصادية وإنما ستكون انقسامات بشرية كبرى ومصادر الصراعات الرئيسية حضارية وثقافية وستستمر الدول القائمة على الأسس القومية والدينية تلعب الدور الأول في الشؤون العالمية ولكن هذه الصراعات والنزاعات في السياسة العالمية ستدخل في حلبتها أممآ وجماعات تنتمي إلى حضارات وثقافات مختلفة وسيهيمن هذا الصراع والنزاع على الساحة الدولية وسيجعل من الحقبة القادمة من التاريخ صدام الحضارات والثقافات الذي يعتبر الخطر الأكثر تهديداً للسلام العالمي وسوف تتساند في هذا الصدام أوربا واميريكا معا وسيكون الصراع الأكبر والأخطر بين حضارات العالم وسيشمل كل انجازاتها في الدين والأدب والفن والفلسفة والعلم والتكنولوجيا والأخلاق والتراحم . كان المعسكر الاشتراكي قبل إنهياره يعتبر الستار الحديدي الذي يفصل بين الشعوب المسيحية في الغرب وبين الشعوب الإسلامية في الشرق كما أن المعسكر الاشتراكي بفلسفته وأفكاره كان الخصم للثقافة الرأسمالية والثقافة الإسلامية وبزوال المعسكر الاشتراكي أصبحت الساحة مفتوحة أمام الخصمين الغربي المسيحي والإسلامي الشرقي .
في الحرب الباردة كان الصراع والخلاف بين النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي وبعد إنهيار المعسكر الاشتراكي سرعان ماتبدد من الأوهام بإقامة السلام والاستقرار في العالم وأن وجود نموذج عالم واحد منسجم ومتفاهم بعيداً جداً ومنفصل عن الواقع حيث حدثت بعد خمس سنوات من سقوط جدار برلين (المذبحة الجماعية) وتضاعفت الصراعات العرقية و(التطهير العرقي ) وانهار النظام والقانون وبرزت على الساحة الدولية أشكال جديدة من التحالفات والصراعات بين الدول وانبعاث حركات جديدة وأتساع الاصولية الدينية وانتهت ( دبلوماسية الابتسامات وسياسة العيون في علاقات روسيا مع الغرب وعجز الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية عن كبح الصراعات المحلية الدموية في أفريقيا وأوربا واسيا وأزداد الخوف من نهوض وانبعاث صين جديدة وانقسام العالم على أساس الشرق والغرب والشمال والجنوب وهذا التميز والتقسيم أنعكس بمعنى ما في نهاية الحرب الباردة من خلال الباحثين والمفكرين الأمريكيين الذين قسموا العالم إلى ( مناطق سلام ) وتضم الغرب واليابان وتمثل نسبة 15 % من سكان العالم والأخرى هي ( المناطق المضطربة ) وتشمل 85 % هم باقي سكان العالم . أن تقسيم العالم بهذه الصورة من جزأين قد تكون أكثر مطابقة مع الواقع ويمثل التقسيم الأكثر شيوعا مابين الدول الغنية ( الحديثة والمتقدمة ) والدول الفقيرة ( التقليدية المتخلفة والنامية ) ويرتبط أيضا بذلك التقسيم تاريخيا وهو التقسيم الثقافي والحضاري بين الشرق المتأخر والغرب المتقدم ويعبر هذا التقسيم على الفروقات الاقتصادية والأكثر من ذلك على الفروقات في الفلسفة والقيم والثقافة وأسلوب المعيشة .
أن الصراع بين الدول الغنية والدول الفقيرة غير وارد الآن لآن الدول الفقيرة تنقصها الوحدة السياسية والقوة الاقتصادية والمقدرة الثورية والعسكرية لكي تستطيع أن تتحدى الدول الغنية .
يقول احد المنظرين في الإستراتيجية الأمريكية الجديدة (مايكل ليدن)بان تدمير البناء هو صفتنا المركزية وان الوقت قد حان لكي تصدر الثورة الاجتماعية ونخلق الخلفية النظرية اللاستراتيجية (اللااستقرار البناء) إلى محاولة ترتيب أفكار ومعتقدات المحافظين الجدد (فوكا ياما)(نهاية التاريخ والإنسان الأخير) وهنتجتون (نظرية صدام الحضارات) وآبائهم الفكريين وعلى رأسهم (ليو شتراوس)المدافع عن الفلسفة الكلاسيكية ومنطلقاتها الأخلاقية والداعي إلى الدفاع عن مصالحها بالقوة مع أفكار أخرى لعل أهمها مقولة (فجوة الاستقرار)عند صموئيل هنتجتون تولد إحباطا ونقمة في أوساط المجتمع مما يعمل على زعزعة الاستقرار السياسي فالإحباط الاجتماعي يولد المزيد من اللااستقرار إذا ما انعدمت الحرية الاجتماعية والاقتصادية وافتقدت مؤسسات النظام القدرة والقابلية على التكيف الايجابي لان الإحباط ومشاعر الاحتقان التي تزيد هذه الفجوة تتمخض عنها مطالب ليست سهلة للوهلة الأولى وأحيانا غير متوقعة تفرض على مؤسسات النظام التكيف من خلال توسيع المشاركة السياسية واستيعاب هذه المطالب
أما إذا كانت هذه المؤسسات محكومة بالنظرة الأحادية فانه سيكون من الصعب الاستجابة لهذه المطالب إلا بالمزيد من الفوضى التي ستعمل في نهاية الأمر على استبدال قواعد اللعبة واللاعبين .
يقول مهندس ومنظر السياسة الأميركية ووزير خارجيتها الأسبق ( هنري كيسنجر ) بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة : أن النظام العالمي الجديد في القرن الواحد والعشرين سيضم على الأقل ستة قوى رئيسية هي ( الولايات المتحدة الأميركية وأوربا والصين واليابان وروسيا وربما الهند بالإضافة إلى عدد كبير من الدول المتوسطة أو صغيرة الحجم والقوى الرئيسية الستة عند ( كيسنجر) تنتمي إلى خمس حضارات متباينة جداً بالإضافة إلى ذلك هناك دول أسلامية مهمة يجعلها موقعها الاستراتيجي وتعدادها الضخم ومواردها البترولية مؤثرة في الشؤون العالمية . في هذا العالم الجديد لن تكون الصراعات المهمة والملحة والخطيرة بين الطبقات الاجتماعية أو بين الغني والفقير أو بين آي جماعات أخرى محدده أقتصادياً أن الصراعات ستكون بين شعوب تنتمي إلى كيانات ثقافية يحمل معه أمكانية التصعيد فتهب دول أخرى وجماعات من تلك الحضارات وتتجمع لدعم دول قربى.
في الصراعات اليوغسلافية قدمت روسيا مساعدات ودعم دبلوماسي للصرب وقدمت السعودية وتركيا وإيران وليبيا معونات وأسلحة للبوسنيين لا لأسباب أيديولوجية أو سياسية أو مصلحة اقتصادية وإنما بسبب القربى الثقافية .
أن أخطر الصراعات الثقافية هي تلك التي على طول خطوط التقسيم الحضاري في عالم مابعد انهيار النظام الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة أن الشعوب التي تفصل بينها الإيديولوجيات تجمع بينها الثقافة وتقرب بينها كما فعلت الألمانيتان والكوريتان وهونك كونغ والصين .
التجمعات التي أتحدت عن طريق الإيديولوجيات أو الظروف التاريخية كما حدث في الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا والبوسنة ولكنها منقسمة من حيث الحضارات وتتعرض الآن لتوتر شديد وصراعات ونزاعات بسبب اختلاف الدين والقومية والثقافة فيما بينها كما هو الحال في جمهوريا الاتحاد السوفيتي السابق ونيجريا والسودان والهند وسيرلانكا وباكستان .

وكان المعسكر الاشتراكي الستار الحديدي الذي يمثل خط التقسيم الرئيسي في أوربا ويعتبر هذا الخط الذي تم تحريكه وإلغاءه وهو الآن يعتبر الخط الفاصل بين الشعوب المسيحية الغربية من ناحية وبين الشعوب الإسلامية والأرثوذوكسية ومن ناحية أخرى تعتبر العلاقات الاجتماعية والعادات وكل النظرات الشاملة للحياة تختلف تماما بين حضارة وأخرى وتبرز ألان بشكل قوي أعادة أحياء الدين في معظم أنحاء العالم مما يجعل الفروق الثقافية بين الحضارات أكثر قوة وفعالية وتأثيرا .
المجتمعات الكونفوشية والإسلامية تحاول أن توسع قوتها الاقتصادية والعسكرية من أجل أن تتوازن ضد الغرب وهكذا يصبح ويكون تفاعل قوة وثقافة الغرب مع قوة وثقافة الحضارات غير الغربية محورا مركزيا للسياسة في العالم ما بعد الحرب الباردة .
والخلاصة أن عالم مابعد الحرب الباردة هو عالم مكون من سبع أو ثمان حضارات ، العوامل الثقافية المشتركة والاختلافات هي التي تشكل المصالح والخصومات والصراع والنزاع وتقارب الدول .

أن أهم دول العالم جاءت من حضارات مختلفة والصراعات الأكثر ترجيحا أن تمتد إلى حروب أوسع

هي الصراعات القائمة بين جماعات ودول من حضارات مختلفة .