درويش منذ الآن غيره


اسماء اغبارية زحالقة
2007 / 8 / 20 - 07:20     

في اواسط تموز زار الشاعر الكبير محمود درويش مدينة حيفا بعد اربعين عاما من الغياب، لاحياء امسية شعرية. قدوم درويش للامسية التي نظمتها الجبهة ومجلة "مشارف" الثقافية في الظروف السياسية الراهنة، أثارت زوبعة اعلامية ونقاشا سياسيا مع الحزب المنافس التجمع. لدينا، أثارت الزيارة السؤال ماذا حدث للشعر وللشاعر في اربعين الغياب، ومن هو محمود درويش اليوم؟
اسماء اغبارية – زحالقة

كثافة روائعه الاخيرة "لماذا تركت الحصان وحيدا؟"، "كزهر اللوز او ابعد"، "في حضرة الغياب"، "جدارية"، وغيرها الكثير، توحي بان القلم الدرويشي لا يزال غزيرا، بل ويصبح اكثر جمالا ورونقا مع الايام. ولكن الهالة التي كانت حوله لم تعد نفس الهالة. شيء ما تغير. فهل هو الشعر، ام الشاعر ام شيء فينا، ام الثلاثة هذه مجتمعة؟

البعض يدعي ان درويش تخلى عن الشعر الوطني بل وعن القضية الوطنية، انه لم يعد شاعر المقاومة الذي عهدناه، ان شعره صار للنخبة. قضايا تثير اسئلة اعمق عن دور الشعر والشاعر في الحركة النضالية، علما ان درويش ليس شاعرا كبيرا فحسب بل انسانا سياسيا مجنّدًا.



شاعر المقاومة

يرى النقاد ان قصائد درويش الاولى جعلته رمزا من رموز ادب المقاومة وشاعر القصائد الملتزمة، متأثرا بانتمائه السياسي للحزب الشيوعي الاسرائيلي. اتسم ذلك الشعر بخصائص شبه ثابتة، منها التمسك بالهوية العربية والدفاع عن الارض وعن قيم الوحدة الوطنية ومواجهة الظلم، كما يقول لنا الناقد انطوان شلحت (عكا). في تلك المرحلة اتصفت قصائد درويش بقدر معين من المباشرة. بعض النقاد يرى ان هذا لم يؤثر على مستوى فنية وجمالية القصيدة، والبعض الآخر، منهم درويش نفسه في بعض القصائد، ظنّ ان نعم. حتى ان درويش لجأ الى حذف بعض النصوص من اعماله الكاملة، منها ديوانه "عصافير بلا اجنحة" (1960).

في مقابلة لملحق "الاتحاد" (13/7/2007) يقول درويش: "اعتقد ان ما سمي بشعر المقاومة، سمي بالمصادفة... شعر المقاومة احتل مكانة كبيرة في الوجدان العربي الخارج من هزيمة 67. وبالتالي احتل مكانة معنوية اعلى من مكانته الادبية... كنت اشعر ان هذه موجة عابرة. موجة انتقام الذات العربية من هزيمتها باللجوء الى اي صوت يأتي من داخل اسرائيل ليعطيها الامل بالصمود والانتصار".

يضيف درويش: "انا اقاوم هذا المفهوم لدى العرب ولدى بعض الفلسطينيين الذين يريدون منا ان نكتب ما كنا نكتبه منذ اربعين عاما... انا لا احب كثيرا ان اسمى الشاعر القومي او الوطني... نعم شعري يعبر عن القضية الفلسطينية ولكن على النقاد ان يتعاملوا مع شعري على انه شعر اولا، ثم يسمى مقاومة او غير مقاومة".



جواز السفر للعالم العربي

ولكن شاء ام ابى، كانت المقاومة جواز السفر الذي دخل به محمود درويش العالم العربي من اوسع ابوابه. ونضيف ان اهتمام العالم العربي بالادب الفلسطيني لم ينجم فقط عن الامل الذي بثه الادب الفلسطيني في الداخل، بقدر ما تفاعل مع سطوع نجم منظمة التحرير الفلسطينية وتحول القضية الفلسطينية الى مركز الصراع، بعد خيبة الامل الكبرى من جمال عبد الناصر. ولم يكن هذا المنعطف السياسي التاريخي معزولا عن قرار درويش مغادرة البلاد مطلع السبعينات، والانضمام للحركة الوطنية الفلسطينية وكان مقربا من فتح وعرفات شخصيا، وصار عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني وكتب النشيد والميثاق الوطني.

في هذه المرحلة، يقول شلحت، انصرف درويش لتطوير مشروعه الشعري متأثرا بالتجارب الشعرية العالمية. فبدأ شعره يأخذ منحى بعيدا عن المباشرة التي ميزت المرحلة الاولى، وهو امر طبيعي لان ادواته الشعرية كالاستعارات والمجازات تطورت، واصبح اكثر قدرة على كتابة القصيدة الاكثر تعقيدا.

الناقد حسين حمزة (البعنة) اشار الى "تغير الايقاع من سريع طاغٍ الى نثري، خافت لا نجده الا في العمق والبساطة، هذا ما يسمى الشعر الصافي". ويسوق نموذجا ما كان حتى عام 1986، او حتى مرحلة بيروت "مديح الظل العالي"، عندما تغلب الوطني او السياسي المضموني على القصيدة، ثم انعكاس الآية بعد ذلك التاريخ مع مجموعة "ورد اقل" التي تتميز بلغة جمالية هي الاساس.

لا شك ان تأثير درويش كان كبيرا جدا من ناحية مضمون القصيدة وفنيتها، ولا يمكن التقليل من تأثيره على المشهد الثقافي الفلسطيني، من خلال وظائفه في مركز الابحاث الفلسطيني ورئاسة تحريره لمجلتين هامتين هما "شؤون فلسطينية" و"الكرمل".



انحسار وجدارية

وعاد درويش مع من عادوا ممن اسسوا السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقات اوسلو. ولكنه لم يعد. لا رام الله البيت، لا عمان لا باريس. ولكنها مثلث منفاه الجديد. المقاومة الوطنية التي قادتها فتح هي ايضا انحسرت، فقدت شعبيتها ومصداقيتها، وتركت آثارها في كل مكان وفي نفسية شاعرها ايضا.

في مجموعات درويش الاخيرة، وخاصة منذ "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" (1995)، تحلّ التجربة الشخصية محل العامة، فيعود الى مرحلة الطفولة والشباب، ويقدم التجربة الفلسطينية العامة عبر المعايشة الذاتية. التحول المفصلي كان في مجموعة "جدارية"، حيث تطغى النبرة الذاتية والمقولات الفلسفية، كما يفسر لنا شلحت. فقد جاءت المجموعة بعد تجربة شديدة الخصوصية تعرض خلالها الشاعر لازمة صحية عنيفة. جدارية هي حوار بين الشاعر وبين الموت، فيها يطرح اسئلة الانسان الوجودية، الحياة والموت والخلود.

يدور نقاش حول هذه الكتابة الجديدة، اذ يرى البعض ان فيها إفراطا في الرمزية والذاتية وابتعادا عن الهم العام، ويرى البعض الآخر ان القضية الانسانية اوسع من القضية الوطنية وتعبر عنها. ولا يمكن ان يكون هذا الادعاء الاخير تفسيرا لان شعر درويش، حتى الملتزم والمباشر منه، كان انسانيا لانه ارتبط بنضال تحرري تقدمي، وحظي بتضامن شعوب مضطهدة اخرى وجدت نفسها في شعره الذي تُرجم للغات الارض.

قرأت في المجموعات الاخيرة "الذاتية"، وجدتها ارقى جماليةً واسلوبا وتحديا للقارئ من قصائده الجميلة السابقة، لمست بين الاسطر القضية الانسانية والوطنية احيانا، ولكن من الواضح انها ليست الموضوع الاساسي. من جهة اخرى، كنت اقل حماسة للقصائد او ما يسمى "الحالات" ذات النبرة الوطنية، مثل نص "انت منذ الآن غيرك"، والتي تبدو انفعالات عاطفية اكثر منها نصوصا متماسكة شكلا ومضمونا. ويبدو ان وضع هذه الكتابة متأثر بحقيقة انه لم تعد هناك اصلا حركة تحررية بالمعنى التقدمي الذي يتيح للشاعر التماثل معها والتعبير عنها بشكل مباشر او غير مباشر.

عندما نسأل عن مدى تأثير درويش على الثقافة الفلسطينية اليوم، يأتينا الجواب بلا نقاش: مساهمته من الناحية الادبية والحضارية ربح صاف للثقافة الفلسطينية. ولكن شيء ما ناقص هاهنا. الشعر تطور ولكن جماهيره تضاءلت. واضح ان هناك نوعا من الانحسار الثقافي وان الثقافة العربية عموما والفلسطينية خصوصا تعيش حالة انحطاط.

واين الشاعر من محيطه؟ يقول شلحت: "حقق درويش نهضته الشخصية والثقافية، واستطاع ان يهرب من حالة الانحسار وان يتحول مجازا الى احدى الجزر القليلة التي بقيت في المحيط الثقافي المتميز بالانحسار".

ونقول ان هذه جزر غريبة في محيط تبنّى ببساطة ثقافة اخرى. ليست ثقافة المقاومة الوطنية التي احتلت بالامس الجماهير الغفيرة سياسيا وثقافيا، بل ثقافة مقاومة حماس ونصر الله وال"الجزيرة". حتى جوليا بطرس صارت تغني اليوم لنصر الله. في الماضي كان الناس يقرؤون درويش اما اليوم، مع تراجع الحركة الوطنية والقومية امام المد الاسلامي وفقدان فتح والسلطة الفلسطينية شعبيتهما، صار درويش يكتب للنخبة فقط.

اقلية تفهم الشعر، وهذا باعتراف درويش نفسه في المقابلة المذكورة بالاتحاد: "نحن نقرأ لبعضنا البعض ونعتقد ان المجتمع كله معنا. الشعر دائما كان له دور ثانوي لانه دائما للساف الشديد يخص النخبة، بمعنى من هو قادر على القراءة وعنده امكانيات ثقافية لفهم الشعر".

قسم كبير من الجمهور العربي لا يقرأ، ولكن الذي كان يقرأ بدّل كتبه وغيّر. سألت احدى معارفي عن درويش، فقالت: "احب شعره، ولكن لم اقرأه من سنين. تنتظرني دستة كتب دين علي ان اكملها". الانسان العلماني مثل درويش، في محيط كهذا لم يعد مقبولا، صار مهددا، انه يمثل الغرب، والغرب كفر، فيبدو كمن تقوقع في ذاته، وراح يكتب لنفسه عن نفسه، ولاقلية معه قد تفهمه.

مجرد طرح اسئلة وجودية يبدو كفرا. هناك عمليا ثقافتان وجوديتان: وجودية درويش الذي يحاور الموت، جدارية "الانا" التي هي "جزء من الحداثة وما بعد الحداثة التي لا يمكن فيها الحديث بلغة ال"نحن"" كما يقول حمزة، وهي ثقافة غربية تماما؛ وهناك الثقافة الاستشهادية الغيبية التي تعود بنا الى ما قبل قبل الحداثة. وكلتاهما ثقافتان تعبران عن الانفرادية المفرطة، في البحث عن حل ذاتي للخلاص.

في محيط مهتم بثقافة غيبية او غير مهتم بالمرة، لا حاجة لاحد ان يفهم الشعر، لان درويش نفسه كما يبدو قد خابت آماله وتنازل عن ان تكون له وظيفة لتجنيد الجماهير. لقد تطور شعره واكتملت جماليات قصيدته لا شك في ذلك، ولكنه هو صار منذ الآن غيره، يعكس فنه التراجع السياسي العام لصالح حركات وثقافات لم تعد تتماثل معه.

ونبقى نحب درويش، لانه فينا. يبقى الحنين الى الصورة ربما، اكثر مما هو الى النص الشعري او الادبي الذي يكتبه اليوم. لان صورته التي في اذهاننا من ايام مجيدة خلت، هي صورتنا الجميلة عن انفسنا، وتبدو من على بُعد، من على خرائب نكبتنا وحروبنا الاهلية، اجمل.



أبدُ الصبّار!

محمود درويش

إلى اين تأخُذُني يا أَبي؟

إلى جِهَةِ الريحِ يا وَلَدي...



... وَهُما يَخْرجانِ مِنَ السَهْل، حَيْثُ

أَقام جنودُ بونابرتَ تلاَّ لِرَصْدِ

الظلال على سور عَكََّا القديم -



يقولُ أَبٌ لابِنِه: لا تَخَفْ. لا

تخف من أَزيز الرصاص! التصِقْ

بالتراب لتنجو! سننجو ونعلو على

جَبَلٍ في الشمال، ونرجعُ حين

يعود الجنودُ إلى أهلهم في البعيد.



ومن يسكُنُ البَيْتَ من بعدنا

يا أَبي؟

سيبقى على حاله مثلما كان

يا ولدي!



تَحَسَّسَ مفتاحَهُ مثلما يتحسَّسُ

أَعضاءه، واطمأنَّ. وقال لَهُ

وهما يعبران سياجًا من الشوكِ:

يا ابني تذكَّرْ! هنا صَلَبَ الانجليزُ

أَباك على شَوْك صُبَّارة ليلتين،

ولم يعترف أَبدًا. سوف تكبر يا

ابني، وتروي لمن يرثون بنادقهم

سيرة الدم فوق الحديد....



- لماذا تركتَ الحصان و حيدًا؟

- لكي يُؤنسَ البيتَ، يا ولدي،

فالبيوتُ تموت إذا غاب سُكَّانُها...



تفتحُ الأبديَّةُ أَبوابها، من بعيد،

لسيَّارة الليل. تعوي ذئابُ

البراري على قَمَرٍ خائفٍ. و يقولُ

أَب لابنه: كُنْ قوياً كجدِّك!

واصعَدْ معي تلَّة السنديان الأخيرةَ

يا ابني، تذكَّرْ: هنا وقع الانكشاريُّ

عن بَغْلَةِ الحرب، فاصمُدْ معي

لنعودْ.



- متى با أَبي؟

- غداً. ربما بعد يومين يا ابني!



وكان غَدٌ طائشٌ يمضغ الريح

خلفهما في ليالي الشتاء الطويلةْ.

وكان جنودُ يُهُوشُعَ بن نونَ يبنون

قَلْعَتَهُمْ من حجارة بيتهما. وهما

يلهثان على درب ( قانا ): هنا

مرَّ سيَّدُنا ذاتَ يومٍ. هنا

جَعَل الماءَ خمراً. وقال كلاماً

كثيراً عن الحبَ، يا ابني تذكّر

غداً. وتذكّرْ قلاعاَ صليبيَّةً

قَضَمَتْها حشائش نيسان بعد

رحيل الجنود....



من ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدًا؟"

إصدار: رياض الريس للكتب والنشر - لندن 1995.