حاجة الحركة النقابية المغربية إلى إعادة بناء ديمقراطية ونضالية


المناضل-ة
2024 / 2 / 2 - 22:15     


باتت الساحة النقابة المغربية أرخبيلا من الجزر والجُزيرات المتناثرة، يكاد بعضها يختفي من فرط التقلص، في محيط مترامي الأطراف من الشغيلة المُذرَّرين. ففي العشرين سنة الأخيرة جرت تطورات هيكلية بفعل عوامل موضوعية تخص بنية الطبقة العاملة ذاتها، وأخرى ذاتية تتعلق بالنهج المهيمن وبميزان القوى بين الخط البيروقراطي وخط النضال الطبقي، أدت مجتمعةً إلى إضعاف كمي ونوعي لا يؤهل بتاتا الطبقة العاملة لدور فعال وطليعي في النضال من أجل مغرب مغاير، المغرب المتحرر من الاستبداد والاستغلال وصنوف الاضطهاد.
فعلى الصعيد الأول، أدى هجوم رأس المال، المحلي وحليفه العالمي، على قوة العمل إلى رفع هشاشة أوضاعها، ومنها علاقة الشغل ذاتها، إلى مستويات غير مسبوقة، مع استمرار الضغط الرهيب التي تمارسه نسبة البطالة العالية. ما يلغي، أو يعقد، إمكان التنظيم لدى أقسام عريضة من الكتلة المأجورة. وحوَّل تمليكُ مؤسسات عمومية للخواص أقساما من الطبقة إلى وضع الهشاشة المميز للقطاع الخاص، بعدما كانت محمية نسبيا بظروف التشغيل في قطاعات الدولة. ومن جانبها أدت تغيرات في النسيج الاقتصادي إلى اختفاء، او تراجع، تركزات عمالية كان بعضها قلاعا للحركة النقابية. وفي الآن ذاته لم يتطور التنظيم النقابي في القطاعات العمالية الجديدة (السيارات، مراكز النداء، خدمات الحراسة، …) بنحو يعوض القوة الضائعة بفعل العوامل آنفة الذكر.
وظل القمع الممنهج للتنظيم النقابي في القطاع الخاص، بتجريم الإضراب بالفصل 288 من القانون الجنائي، واستصدار الأحكام القضائية الاستعجالية لفض معتصمات الشغيلة، وبالطرد الاتوماتيكي للمناضلين فور إعلان تأسيس النقابة، يستأصل أجنة التنظيم العمالي، بلا أدنى خطة نضال من لدن القيادات النقابية، ما جعل فروع إنتاج وعمل بكاملها صحاري نقابية.
وعلى الصعيد الثاني، النوعي، ترسخ وتعمق نهج التعاون الطبقي مع البرجوازية ودولتها، بفعل تطورين بارزين، أولها انهيار حزب الاتحاد الاشتراكي الذي كانت كوادره عمودا فقريا لنقابة ك.د.ش. ترتبت عن أزمة هذا الحزب، الناتجة عن استعماله في ترتيب انتقال الحكم (ما سمي بحكومة التناوب التوافقي)، تفجر النقابة التابعة له، وتناثر مِزَقِها المرفوق باصطفاف متقدم مع الدولة في تدبير المسألة الاجتماعية المتفاقمة. وثاني التطورين، تدبير خلافة المحجوب بن الصديق، الذي تحكم بالاتحاد المغربي للشغل مدة فاقت نصف القرن، كلها دعم سياسي للنظام، بنحو يضمن إمساك بيروقراطية مساعدة للدولة على طول الخط بزمام أمر المنظمة العمالية. وقد كان الشوط الثاني من ترتيب تلك الخلافة، بما يضمن الاستمرارية، معالجة البيروقراطية للعلاقة مع الوجود اليساري داخل هذه النقابة. تلك المعالجة المفضية إلى إحكام الإخضاع لخط القيادة المهيمن وإبطال إمكان تطور يسار مستقل عن البيروقراطية، ذائدٍ فعلا عن مصالح البروليتاريا الآنية ومسترشد بمتطلبات نضالها الاستراتيجي. فقد تم تطويق اليسار وتكييفه بنحو يجعله جسما يتحرك في الحدود المرسومة، حدود التوجه البيروقراطي، كطاقم مساعد لتنفيذ وظائف تقنية تخدم هذا التوجه. ولا شك أن جرأة التعبير عن مواقف باسم النقابة ذات صبغة سياسية مباشرة، معادية لقضية نضال الشغيلة وتحررهم، من قبيل الموقف من دستور 2011 والمساندة الانتخابية الصريحة لأحد أحزاب النظام، إنما تعبر عن درجة التحكم البيروقراطي المبطل لأن تأثير سياسي لليسار داخل هذه المنظمة.
وبموازاة توغل اليسار الاصلاحي في نهج التعاون الطبقي مع البرجوازية ودولتها، وضعف اليسار الجذري في المنظمات النقابية كافة، وباستفادة منه، تنامي في العقدين الأخيرين وجود قوى دينية رجعية بالساحة النقابية، سواء بمنظمة مركزية قائمة الذات، أو بتغلغل بمختلف المركزيات.وهذا واقع تأكد في تنسيقيات حراك التعليم، ما ينذر بإضعاف نوعي آخر للحركة النقابية بمزيد من حرفها عن الأهداف الطبقية بتعميق نهج التعاون الطبقي بيافطة دينية.
وقد توازى التدهور النقابي هذا مع اندفاع أقسام من المنظمين نقابيا إلى اعتماد أشكال تنظيم ذات غايات فئوية ضيقة وآنية، تمثلت في التنسيقيات. هذه التي ظهرت مع تعميق خط تعاون القيادات مع الدولة بقدر تصاعد الهجوم النيوليبرالي. فكان تجزيءُ المطالب وحتى تخلٍ عن الخاص منها بالعديد من الفئات، وغيابُ قوة ذات رؤية بديلة للنضال، مناهضةٍ لخط القيادات، قاعدةً لظهور تنسيقيات متنوعة، ذات بنيان هش تحكمه الرؤية المتقوقعة حول الشأن المهني الفئوي. وحتى حالات الاعتراض من داخل النقابات، في منعطفات حاسمة، لم تتبلور في حركة معارضة متماسكة بمنظور ناجز للعمل النقابي الكفاحي والديمقراطي، فتلاشت في مآزق الانتقال إلى نقابة أخرى او بالذوبان بلا أثر.
وقد جاء حراك التعليم، من مطلع أكتوبر إلى متم ديسمبر 2023، ليعمق هذا المنحى، إذ لمَّا بلغ تعاون القيادات النقابية مستوى نوعيا غير مسبوق، أحد أوجهه الأشد استفزازا التزامُ ما طلبتِ الدولة من سرية بصدد ما يُحبك من تعديات على حقوق الشغيلة، انفجر غضب الشغيلة وانتفضوا ضد تلك القيادات ببروز تنسيقيات جديدة تمكنت من تعبئة ما لم تبلغه النقابات قط في تاريخها، بنسب مشاركة في الإضراب لا نظير لها واحتجاجات في الشارع لا تُضاهى.
إن فسيفساء الضعف النقابي هذه تنذر بمزيد من تحطيم ما تبقى من مكاسب اجتماعية، عند الشغيلة ومجمل الشعب الكادح، وبرسوخ الاستبداد السياسي، وبتدحرج قطاعات عريضة من المجتمع إلى أهوال البؤس والشقاء. تتطلب النجاة من هذا المصير الكارثي حركة نقابية مناضلة وديمقراطية، ضمن ما تحتاج حركة النضال العمالي من أدوات كفاح مطلبية وسياسية. وإن العمل لبناء هكذا حركة نقابية يجد عناصره الأولى ضمن الايجابيات التي يحبل بها الوضع النقابي المتناقض القائم. فالتنسيقيات الفئوية أتاحت لطاقة النضال، المخنوقة بالهياكل النقابية غير المتجاوبة مع تطلعات الشغيلة، أن تنطلق في معارك غير مسبوقة، كان أولها تجربة تنسيقية المفروض عليهم التعاقد، ثم ما شهد حراك اكتوبر-ديسمبر 2023. طاقة النضال هذه المشتتة بحاجة إلى توحيد على أساس رؤية نقابية حقيقية تقطع مع “نقابة الشراكة الاجتماعية” التي كانت وبالا على الشغيلة. ما تتطلبه الحركة النقابية من قاعدة متينة يكمن في إعادة الوصل مع فكرة النقابة كما ظهرت تاريخيا، قبل أن يفسدها منطق التعاون الطبقي، أي كون النقابة أداة نضال العمل ضد الطبقة البرجوازية، هذه الذي تمثل الدولة معبرا عن مصلحتها الجماعية.
والوجه الآني لهذه المهمة يتمثل في تحليل الحالة النقابية ونقاش أعطابها من أجل استخلاص مقومات البناء النقابي النضالي، ومد القسم الأكثر وعيا واستعداد للنضال بتلك المقومات. ولا شك أن قسما من أنشط الحراكيين والحراكيات يتملكهم النفور ، بتباين، من النقابات القائمة بفعل أدوار قياداتها، ويتوقون إلى نقابة مغايرة وفية لقضية الدفاع عن الحقوق وصون المكاسب. لكن بساطة التجربة التنظيمية، ونقص الأساس الفكري النقابي لا يؤهل للنهوض بمهمة بناء النقابة التي يقتضيها الوضع. ما يضفي أهمية بالغة على دور النقابيين الديمقراطيين الكفاحيين الذين طالما رفعوا راية هكذا نقابة. فينفتح أوسع نقاش ولتُمد أعرض الجسور و أمتنها نحو الطلائع المتبلورة في خضم الحراك، ونحو قواعد مختلف النقابات، لتأمين تضافر مختلف الجهود لإخراج الحركة النقابية المغربية من واقعها المزري الراهن.