توقف الحركة الإضرابية بالتعليم فرصة لتحديد الآفاق


المناضل-ة
2024 / 1 / 25 - 10:18     


توقف حراك شغيلة التعليم بعد ثلاثة أشهر من كفاحات ضارية لم يسبقها نظير بالقطاع ، وحتى في الساحة النقابية برمتها وعبر تاريخها. تحقق ما تحقق من مكاسب جزئية لكنها ما كانت بحسبان الدولة نفسها قبل اكتوبر 2023 لما اندفعت، بمساعدة قيادات لم يبق من صفتها النقابية غير الاسم، في تدمير مكاسب الشغيلة وتشديد استغلالهم.
أول ما يستوجب الوضعُ حاليا رسمُ صورة اجمالية للحراك، بتحليل خصائصه، ومكامن قوته ومواطن ضعفه، ليكون هذا كله نبراس القادم من كفاحات، سنكون حتما مطالبين بها بحكم العدة التي تهيؤها الدولة على صعيد الحريات النقابية (مشروعا قانون الاضراب وقانون النقابات)، وعلى صعيد الحقوق المهنية (النظام الأساسي)، ثم فيما يخص المكاسب التاريخية وبمقدمها الحق في التقاعد.
لا شك ان الوحدة الميدانية التي حققها الشغيلة، نساء ورجالا، بالإضرابات وبالمسيرات، محلية ووطنية، هي أهم مكاسب الحراك. لكنها وحدة ناقصة، بفعل العجز عن توحيد قمم الحراك في هيئة قيادية واحدة تضفي الوحدة على برامج النضال، وعلى الموقف من مستجدات الساحة، ومن التفاوض، وعلى القرار بوقف الحراك بإرادة الشغيلة الجماعية عندما تتضح ضرورة ذلك الوقف.
شابت الحراك نواقص جلية لا تخطئها العين على صعيد ممارسة الديمقراطية، إذ كان المنحى تراجعيا منذ الجموع العامة الأولى إلى تلاشي الجموع في العديد من مواقع العمل، وخفت النقاش بالاستعاضة عنه باستبيانات تستمزج آراء فردية ليست ثمرة نقاش جماعي حقيقي يتجاوز المؤسسة. وبرزت ظواهر سلبية تم السكوت عنها في حينها إلى أن أطلق توقف الحراك الألسن، منها ميول انفراد بالقرار واقصاء ممنهج لمدافعين عن الديمقراطية و حتى تلاعب بمعلومات نسب المشاركة في الإضراب، وسوى ذلك من الخطايا التي اعتقد مرتكبوها، ضلالا، أنها تنفع تقدم الحراك (ومتى نفع الكذب حركة النضال؟). وقد أدى الحراك ثمن ذلك غاليا في الكيفية غير المنظمة والمرتبكة التي جرى بها وقف برامج النضال والعودة إلى العمل.
أظهر الحراك قصور الشكل التنظيمي المرن الذي مثلته التنسيقيات، إذ كان الوجه الآخر لتلك المرونة نقصاً في وحدة النقاش و القرار، واكثر من هذا غيابَ رؤية اجمالية للمعركة، رؤية مُلمة بمقاصد الدولة، أي بسياستها الإجمالية إزاء شغيلة الوظيفة العمومية، وإزاء الطبقة العاملة برمتها. فهذه الرؤية المنعدمة هي الأساس الذي كان من شأنه أن يمد حراك شغيلة التعليم بمنظور كفاحي يتجاوز القطاع، ويلتمس تضامن وتعاون شغيلة الوظيفة العمومية وأجراء الدولة إجمالا في مواجهة خطط تدمير الأوضاع المهنية والمكاسب التاريخية.
هذه النقيصة الجوهرية عادية بفعل طبيعة الحراك، أي كونه ردا عفويا على هجوم الدولة وعلى تخاذل قيادات نقابية، بل تعاونها مع الخصم. فالسواد الأعظم من جماهير الحراك شغيلة لا سابق عهد لهم بالتنظيم وبالنضال، فأين لهم أن يحوزوا منظورا شموليا لسياسة الدولة و بالتالي لسبل مواجهتها.
واليوم وقد بدأت تتسع دائرة النقاش حول النقابة التي يحتاجها الشغيلة، بعد طيهم صفحة النقابات التي تخلت عن مهمتها، لا بد من استحضار الخلاصات الأساسية لتجربة تلك النقابات.
لقد استقل الشغيلة بأداة نضالهم، المتمثلة في التنسيقيات، بعد معاينة عدم استقلال القيادات النقابية عن الدولة، لا بل احتواء هذه لتلك بإشراكها في شحن المدافع بالقذائف المستهدفة لحقوق الشغيلة، وبمقدمتها تلك القذيفة من العيار الثقيل، التي سماها الشغيلة عن حق نظام المآسي. لذا، فإن حجر ناصية أي نقابة وفية لعلة الوجود، علة الدفاع عن مصالح الشغيلة، هي الاستقلال عن الدولة، أي هجر منطق كون النقابة شريكا للدولة، والانكباب على صون مكاسب الشغيلة وانتزاع حقوقهم المهضومة.
إن منطق الشراكة الاجتماعية ناسفٌ لأي عمل نقابي حقيقي، وكل من يحمل رايتها إنما يجر الشغيلة إلى هزائم تلو الأخرى. فمنطقها هو الذي جر علينا مصيبة ما يسمى «الميثاق الوطني للتربية و التكوين»، هذه القنبلة النيوليبرالية الناسفة للمدرسة العمومية ولحقوق شغيلتها. وهو الذي أتى على حقوقنا في التقاعد بـ «الإصلاح» المدمر (رفع سن التقاعد والزيادة في الاقتطاع وخفض المعاش بتغيير طريقة حسابه). وهو الذي فتح علينا باب جهنم بقبول القيادات التفاوض فيما ليس مطلقا موضوع تفاوض، أي الحق في الإضراب، وهلمجرا .
الاستقلال عن الدولة يستتبع الاستقلال عن الأحزاب، فلكل حزب، تقدميا كان او رجعيا، برنامجه وسياسته اللذان قد يلتقيا مع مصالح الشغيلة او يناقضانها، لكنه في جميع الأحوال يجب أن يقنع بهما من يشاء، لا أن يستعمل النقابة دراعا واداة لبلوغ مآرب خاصة. فإخضاع النقابة لخط حزبي يفرغها من محتواها النضالي ليحولها إلى مجرد قناة تمرير لسياسة لم يرسمها الشغيلة أنفسهم. والخضوع لسياسة حزب ما يجر إلى ضرب الديمقراطية داخل النقابة وافقادها قرارها الذاتي بسبب السعي الى جعلها تابعة لقرار حزبي. وقد ذاقت الحركة النقابية المغربية الثمار المرة لإلحاق النقابة بهذا الحزب أو ذلك.
وقد كان حراك شغيلة التعليم انتزاعا جماعيا لحق اتخاذ القرار من يد قيادات منفصلة عن الشغيلة، وممارسة هذا الحق بديمقراطية، اي بقرار جماعي عبر آلية متفق عليها جماعيا. فكان الحراك بذلك انتصارا لمبدأ الديمقراطية العمالية. لكن ضعف التجربة حال دون تجسيد كامل لذلك المبدأ. ما يقتضي بعد كل تجربة الحراك تدقيق آليات ممارسة الديمقراطية المفترض أن تحكم أي نقابة حقيقية. فليس ترصيع قوانين النقابة وأدبياتها بالجمل الرنانة عن الديمقراطية، دون تحديد آليات مفصلة لتفعيلها، سوى خداع انطلى مرارا على الشغيلة، وقد أن أوان طي هذه الصفحة أيضا ضمن طي تجربة النقابات المفلسة.
فلا ديمقراطية فعلية دون نقاش حقيقي، يضع المعلومة بيد الجميع، ويتيح التعبير عن الرأي بحرية، وبالأخص رأي الأقلية المخالف، فهو الذي عادة ما يتعرض للخنق. ولا حرية للرأي المخالف إلا بتمكين أصحابه من تنسيق موقفهم، والتعبير الجماعي عنه بوجه رأي الأغلبية، والتقدم بناء عليه بأرضيتهم إلى هيئات النقابة، ومن ثمة مرشحيهم لأجهزة القرار والمسؤولية. وهذه الطريقة في النقاش وحرية التعبير تستوجب أداة هي الإعلام الداخلي الملتزم بحرية الرأي والاعتراض.
وإذ عانت الحركة النقابية طويلا من تسلط قيادات معمرة مددا طويلة في الأجهزة، فلا ترياق لذلك غير إتاحة إمكان الإقالة من المسؤولية حتى قبل انقضاء مدة الانتداب، وإخضاع جميع من تحمل مسؤولية للرقابة والمحاسبة بتقارير دورية.
ثم هل من ديمقراطية في تسيير أداة النضال مع استمرار إقصاء النساء بنفس الآليات التي تقصيهم داخل المجتمع؟ فالمسبقات الذكورية والنظرة الدونية إلى النساء، وحتى السلوكات القائمة على الميز الجندري، كلها تتسرب إلى منظمات النضال وتعيث فيها ضررا بحقوق النساء. ولا رفع لهذا الضرر سوى باعتماد سياسة واعية لإزالة الحواجز والعقبات بوجه ارتقاء النساء إلى منزلة مساوية للرجال. ولا قائمة تقوم لهذه النوايا الطيبة إلا بتدقيق آليات عملية تنص عليها قوانين النقابة.
لقد رسبت الحركة النقابية في قطاع التعليم ( كما في قطاعات أخرى) في امتحان مواجهة سياسة قضم المكاسب، واتخذت موقف المرافق والداعم لتلك السياسة، مثلما فشلت كل جهود النقابيين الكفاحيين لإعادة بناء الحركة النقابية على أسس الديموقراطية والكفاح من داخل الأدوات القائمة، فيما اختارت الشغيلة النضال خارج هاته الأدوات وفي مواجهتها. إن هاتين الخلاصتين تستوجبان إطلاق نقاش استراتيجي جديد في صفوف الشغيلة المنظمة في النقابات وخارجها، يروم تقديم إجابات عن سؤال مستقبل النضال في القطاع.
لقد راكم الشغيلة الشباب خبرات ثمينة في سنوات المخاض العشر السابقة، كما راكموا أدوات نضال عدة، لعل أهمها تنسيقية التعاقد، التي تصدت في شروط صعبة لأحد أهم الغارات على الوظيفة العمومية. إن هاته الخبرات النضالية والتنظيمية اذا ما انضافت للخبرات العامة التي راكمها ثلة من النقابيين الديمقراطيين والكفاحيين، وانصهرت عبر نقاش عميق داخل قاعدة الحراك من شأنه أن يكون رافعة لإحداث تحول استراتيجي في الحركة النقابية، على طريق إنهاء عهد الحجر و الوصاية البيروقراطيين، عهد جعل النقابة أداة مكملة لأجهزة الدولة في تمرير سياسات لا ترى في الشغيلة غير قوة عمل يدوية وذهنية لاعتصار اقصى مردودية، و»موارد بشرية» للضبط والتطويع، وحتى القمع عند الاقتضاء.