حراكنا في منعطف: ما العمل؟


المناضل-ة
2023 / 12 / 24 - 09:26     


اليوم، بعد زهاء ثلاثة أشهر من الكفاح من أجل مطالب شغيلة التعليم، ضِمْن وحدةٍ جسَّدتها القواعد برغم تعدُّد أقطاب القيادة، لا بدَّ من تسجيل ما يلي:

جَسَّد الحراكُ وحدةً نضالية لشغيلة التعليم، وبمستويات مشاركة عالية جدا، ونسائية بارزة، وبأشكال كفاح ونقاش غير مسبوقة في تاريخ الحركة العمالية المغربية
كَسَبَ الحراكُ تأييداً شعبيا جماهيريا، رغم كل مساعي الدولة لتأليب آباء التلاميذ وأولياهم عليه، ورغم كل حملة التضليل الرسمية.
تَمَكَّن الحراكُ من إرباك خطة الدولة في تمرير نظام أساسي مدمر، ما سيجعلها تحسبُ ألف حساب فصاعداً عند العزم على الاعتداء على حقوقنا.
فَرضَ الحراكُ على الدولة تنازلاتٍ من خلال ما جاء في محضر 10 ديسمبر، لم تكن تخطرُ لها على بال لولا الحراك، وإن لم ترقَ إلى تلبية مطالبنا. لكنها كانت جزءاً من خطة مناورات كبرى أُعدت لهزم نضالات الشغيلة.
تلك المناورات التي استمرت منذئذ، غايتها توسيع الشروخ بين مكونات الحراك الفئوية والتنظيمية، التي تجسدت ميدانيا في تباين بعض الخطوات النضالية، وعجز عن التجسيد الكامل لوحدة الحراك على مستوى قاعدته النشطة وقيادته.

يقف الحراك اليوم في منعطف حاسم بفعل ما يلي:

العجز، طيلة هذه المدة، عن توحيد قيادة الحراك توحيدا تاما، عجز يتحمل الجميع مسؤوليته، ما أدى إلى استمرار تباين برامج النضال، وما له من أثر محبط على قاعدة الشغيلة. توحيد لو تم لما وصلنا إلى الحالة الراهنة.
انفراد طرف من الحراك ( الجامعة الوطنية للتعليم-التوجه الديمقراطي) بمفاوضة الدولة، ما يعني تحييد الأطراف الأخرى(التنسيقية الموحدة والثانوي التأهيلي وتنسيقية التعاقد المفروض… إلخ) مع أنها تمثل نسبة كبيرة من قاعدة الحراك، لا بل حتى الأقرب اليها في التنسيق الوطني.. ولا شك أن عدم تفاهم الجامعة على خطوتها تلك مع شركائها في النضال تصرفٌ غير ديمقراطيٍّ بتاتا، لا بل بلغ حد استخفاف لم يتكلَّف حتى الاستشارة غير المُلزِمة.وهذا التسرع إلى التفاوض بانفراد شقٌّ للصف كان تفاديه ممكنا.
ظهور أماراتٌ لا تخطئها العين من واقعنا اليومي دالة على أن حراكنا تجاوز ذروته، ودخل في طور من انخفاض اندفاعه، بفعل تعب يُعبر عنه قسم من الشغيلة بينما يُضمره قسم آخر. لا بل حتى الأعداد الغفيرة التي شاركت في احتجاجات يوم الخميس 21 ديسمبر 2023 كانت دون المألوف من زخم عارم، شهدناه في 7 نوفمبر في مسيرة بالرباط. وعلى غرار كل إضراب مستديم، من المتوقع أن يبلغ حراكنا أوجّاً ثم يبدأ يخبو. وقد ساعد على ذلك بقاؤه وحيدا معزولا في ساحة النضال العمالي، رغم أن قطاعات عديدة تواجه نفس الظلم الذي انتفض ضده شغيلة التعليم (شغيلة قطاعي الجماعات المحلية والصحة).
وهذا الميل إلى انحدار، وهذه العزلة التي تنقص ولاشك من نَفَس الحراك، يضعانه أمام خيار تنظيم طور النهاية بأكبر ما يمكن من مكاسب، وأقل ما يمكن من خسائر، لصون وحدته ومعنوياته للقادم من معارك.

لا يكفي في هذه اللحظة تأكيد وجوب الوحدة، ولا أي التماس مبررات لتفادي الجواب على سؤال ما العمل؟ بل المطلوب التعامل بعقلانية ومسؤولية نضاليتين مع واقع قائم عناصره الرئيسية: عجز عن توحيد القيادة، ودخول الجامعة الوطنية إلى التفاوض وتباطؤ الحراك.

أول ما يجب تفاديه هو انهيار الحراك، أي تجنب العودة إلى العمل بشكل متناتر بتساقط تدريجي لأقسام منه في أجواء خيبة وانحطاط معنويات، شهدنا لها مثيلا في أبريل 2019 مع الإضراب الممتد لشغيلة التعاقد المفروض. ما يستوجب حسن اختيار لحظة العودة إلى الأقسام، بشكل موحد تُقررُه الجموعُ العامة في المؤسسات، يحافظ على تماسك الشغيلة بما يقيها أضرار فتنة داخلية مدمرة لمقدراتها الكفاحية التي ستحتاجها للتصدي للقادم الوشيك من هجمات الدولة.
وثاني ما يجب تفاديه هو ترك الجامعة الوطنية تفاوض حول مطالب الشغيلة في غيبة الشغيلة. ذاك التفاوض إن بقي بعيدا عن رقابة الشغيلة سيكون وبالا على الحراك، وعلى الجامعة نفسها كأداة كفاح، والواجب إخضاعها لضغط قاعدة الشغيلة قاطبة، ولرقابة صارمة منها، ومطالبتها بشفافية التفاوض (عرض مجرياته ببلاغات منتظمة)، وحفزها على رفض أي تسريع للتفاوض يضر بمصلحة الشغيلة، من قبيل طبخ نظام أساسي جديد في وقت قياسي يجعله استنساخا لنظام المآسي وليس نسخا له، وهذا ما يتطلب التأكيد على دمج المفروض عليهم التعاقد في الوظيفة العمومية وبقاء الجميع فيها. وفوق هذا وذاك يجب أن تكون نتائج التفاوض النهائية موضوع نقاش واستفتاء في قاعدة الشغيلة، ينتج عنه قرار الأغلبية الملزم للجميع.
يجب العمل لجعل التفاوض يتيح انتصارا جزئيا، فالحراك لم يفلح بعد ثلاثة أشهر من فرض استسلام تام للدولة بقبولها المطالب كلها، لكنه أجبرها إجبارا على تنازلات، عبارة عن مكاسب مررتها الدولة عبر الرباعي “النقابي” الذي لم يطلبها أصلا ولا بذل جهدا من أجلها، إنها مكاسب الحراك، يجب العمل لتكبيرها في التفاوض الجاري. يتعين على أقطاب الحراك المقصية عرض مواقفها من مواضيع التفاوض على الجامعة الوطنية – ت.د سعيا لانتزاع أكبر ما يمكن من مكاسب.
إن تحقيق انتصار جزئي بهذا النحو المنظم، سيصون معنويات الشغيلة من التدمير الذي قد ينتج عن انهيار تدريجي للحراك، وسيصون القدرة على استئناف الكفاح عند الحاجة، من أجل تجسيد كامل للمنتزع من مكاسب بوجه الدولة التي ستسعى لإفراغها من محتواها، ولرد ما تحضره من ضربات بمقدمتها مشروع قانون الإضراب والنيل من جديد من مكاسب التقاعد.
لنجعل من أيام المفاوضة فرصا لتقوية تنظيماتنا عبر :
تعميق النقاش داخل المدارس عبر جموع عامة تشمل كل شغيلة القطاع بتعدد انتماءاتها إلى النقابات أو التنسيقيات وغير المنتمين منهم ومنهن، لنقاش مسار التفاوض المعلَن، ووضع المفاوضين تحت الرقابة المباشرة للقاعدة، وفي نفس الوقت نقاش آفاق استئناف النضال في حالة لم يسفر التفاوض عن الاستجابة لمطالب الشغيلة.
تعميق التنسيق بين الإطارات المناضلة، وبالدرجة الأولى المكونات الكبرى للمعركة (التنسيقية الموحدة، تنسيقية الثانوي التأهيلي، تنسيقية التعاقد المفروض وباقي مكونات التنسيق الوطني لقطاع التعليم)، على أن يكون ذلك تعبيرا عن النقاشات التي تجري داخل الجموع العامة في المدارس.
– تقوية هذا التنسيق الوطني بتنزيله محليا وإقليميا وجهويا وتعضيده بدعوة المكاتب النقابية الكفاحية بالانضمام إلى هذا التنسيق، وتعبئة أقسام أخرى من الشغيلة ينالها ما ينال شغيلة قطاع التعليم من هجمات (الجماعات المحلية والصحة).
يملي علينا النظر إلى المستقبل تغليب مصلحة الشغيلة، وعدم الانسياق مع الانفعال غير العقلاني ردا على ما قد يكون ارتكب من أخطاء من هذا الطرف او ذاك، وامتلاك جرأة الاعتراف بها، وبمقدمتها عدم التفاهم المسبق على التفاوض، فإن كان الحرصُ على تحقيق مكاسب دافعَ الذهاب الى التفاوض، فيجب أن يقترن بحرص أكبر على وحدة صف الشغيلة. وبالتالي يجب السعي الحثيث لاستعادة وحدة حراك الشغيلة أيّاً كان تعثرها الآني، فما ينتظرنا من معارك أعظم مما خُضنا بفعل عيار ترسانة الدولة المهيأة ضدنا.

ولنستعدَّ لقادم الكفاحات عبر تقديم ما انتزعناه من تنازلات دليلا على جدوى النضال، كي نعبئ أقساما وقطاعات أخرى نالها ما نالنا من هجوم وزحف على المكاسب.

تيار المناضل-ة

23 ديسمبر 2023