حراك شغيلة التعليم: الوحدة والديمقراطية


المناضل-ة
2023 / 12 / 12 - 21:52     


بتنفيذه خطوته النضالية الأخيرة، المتمثلة في مسيرات الأقطاب، يوم 6 ديسمبر الجاري، ووضعه برنامجاً نضاليا لأسبوع 11 إلى 16 ديسمبر 2023، أبان حراك شغيلة التعليم تعاظم إصراره على مواصلة الكفاح لتحقيق مطالبه، وفي القلب منها الحفاظ على الوظيفة العمومية في التعليم.
وكأي حركة نضالية مستديمة، لا غنى لحراك التعليم لمواصلة السير قُدماً، بوجه تعنت الدولة ومراهنتها على إنهاكه، من حشد قوى إضافية كمية ونوعية. وطالما لم تنضم أقسامٌ أخرى من الوظيفة العمومية والجماعات الترابية معنيةٌ بمشاكل مماثلة لما يعانيه قطاع التعليم، يبقى مصدرُ القوة الآني هو تعزيزُ القوى الذاتية.
شرطُ هذا التعزيز الأولُ هو تبديد كل ما من شأنه إحباطُ الهمم الناتج عن الشعور بتضارب التوجهات، وتباين التقديرات حول الخطوات النضالية: مدتها، توقيت ومكان خوضها، أو هذا أو ذاك من تفاصيلها.
ولا شك أن ما قد تثير تنازع الميولات هذا هو كون حراك التعليم ثلاثي الرؤوس: التنسيق الوطني لقطاع التعليم،والتنسيقية الموحِّدة لهيئة التدريس وأطر الدعم، والتنسيقية الوطنية لأساتذة التعليم الثانوي التأهيلي. ورغم أن القاعدة العريضة من الشغيلة تنبذ كل تشتيت لقواها يضر بقوة الفعل النضالي، لا تزال ثمة خلافات بين الهياكل المسيرة تؤدي إلى شق صفوفها،آخرها ما جرى بمراكش يوم 6 ديسمبر 2023، حيث تَمّ تنظيم مسيرتين، كل واحدة في اتجاه كأن ثمة هدفين لا هدف واحد.
هل تباين الآراء بشأن تفاصيل العمل غيرُ قابل للتجاوز بتغليب منطق الوحدة الذي تمليه ضرورات مواجهة خصم شديد البأس وعظيم مهارة المناورة؟
ألا يستشعر مشتِّتو الصف قدر ما يتحملون من مسؤولية تاريخية أمام زهاء 300 ألف من الشغلية، وأمام ملايين كادحي المغرب وكادحاته المتطلعين بفخر وحماس إلى حراك التعليم العظيم؟
الدولة مدركة، كما ينبغي لها، بصفتها ممثلا جماعيا للبرجوازية، لما يحبلُ به نجاح حراك شغيلة التعليم من إمكان استنهاض أقسام أخرى من الطبقة العاملة، من الوظيفة العمومية وصولا إلى أجراء القطاع الخاص وأجيراته، وحتى جماهير مقهورة غير أجيرة ولا تقل تضررا بغلاء المعيشة الفاحش وأهوال هشاشة التشغيل والبطالة ونسف الخدمات العمومية، لذلك تراها، أي الدولة البرجوازية، تناور وتماطل وتؤخر لحظة التنازل قدر ما استطاعت. وهي تراهن، ولا شك، على تشتُّت صف الشغيلة، لا بل ستعمل ما بوسعها لتشتيته باللعب على الفئوية، وعلى إذكاء الأنانية، مستعملة في ذلك أدواتها من القيادات “النقابية” الأكثر امتثالية.
لابد، والحالة هاته، من نبذ كلي ونهائي لأي تصرف خارج منطق الوحدة لبلوغ الحراك أهدافه، ولمواجهة الآتي من تعديات أنذرتنا بها الدولة منذ زمن بعيد، وختمت عليها القيادات الأكثر امتثالية، في اتفاق 30 أبريل 2022، بخاتم التضحية بمصالح طبقتنا. ينتظرنا مشروع قانون الإضراب الرامي إلى نزع هذا السلاح من أيدينا بمبرر تقنينه، ولنا ان نتصور الحالة التي سنكون عليها في مواجهة نظام المآسي بدون هذا السلاح. وينتظرنا عدوان غاشم آخر على مكاسب التقاعد بمبرر “إصلاح” ذقنا مرارة ثمارها بما حصل قبل سنوات من رفع لسن التقاعد، وخفض للمعاش بتغيير طريقة حسابه، وزيادة نسبة الاقتطاع من الأجر، وينتظرنا إلغاء ما تبقى من مكاسب صندوق دعم المواد الأساسية، وبمقدمته غاز المطبخ، وهلما جرا.
إن توطيد الوحدة النضالية التي خلقها حراكنا الجاري يقتضي إدانة كل فعل ينال من الوحدة، أيًّا تكن مبرراته، كما يستلزم صون وحدتنا وتعزيز الديمقراطية في التسيير، وحتى تجسيدها مستقبلا في منظمة موحدة وحيدة لكافة شغيلة قطاع التربية والتعليم والرياضة، بلا تمييز فئوي، لإعادة بعث النضال النقابي الحقيقي الذي جسدناه في الحراك. فليست النقابة غير فكرة توحيد الأجراء/ات بوجه رب العمل الذي يستغل ويقهر. وإن كانت قياداتٌ قد باعت روحها وباتت أداة بيد الدولة تمرر بها هجماتها، فإن فكرة النقابة وجوهرها هو ما تقوم به اليوم التنسيقية الموحدة وتنسيقية التأهيلي والتنسيق الوطني، أي الذود عن مصالح من يعيشون بكدحكم البدني والذهني، ونحن شغيلة التعليم جزء لا يتجزأ منهم.
النقابة، تاريخيا وعبر أقطار العالم، هي اتحاد الشغيلة للدفاع عن مصالحهم، وماذا يكون حراكنا اليوم غير عمل نقابي حقيقي وأصيل يتعين أن نجسده غدا في اتحاد وطني لشغيلة التعليم، اتحاد يتجاوز نواقص التجارب السابقة وعيوبها، وعلى رأسها البيروقراطية التي تعني، من ضمن ما تعنيه، إعدام حرية التعبير والديمقراطية الداخلية، والاستئثار بالقرار. لنا أن نستفيد من تجارب الماضي لنقيم بناءنا على أسس صلبة: أسس الديمقراطية أولا والديمقراطية أخيرا.