مأزق النضال العمالي والشعبي


المناضل-ة
2023 / 6 / 21 - 17:07     


الافتتاحية

لا يرقى شكُّ، لدى المنشغل-ة بحالة حركة النضال العمالي والشعبي بالمغرب، إلى أننا نجتاز طورا صعبا بنحو خاص. سمتُه الرئيسة المميزةُ انسدادُ أفق هذه الحركة، وعجزُها التام عن التصدي لتصاعد الهجوم البرجوازي على حقوق الشغيلة، في أماكن العمل وفي كافة مناحي الحياة الاجتماعية.
فالسياسات النيوليبرالية تجرف ما تبقى من مكاسب، وتُمهِّد سبيل اكتساح رأس المال ومنطق الربح لكل شيء. وقد كانت المسيرة العمالية المقموعة، التي نظمتها نقابة الكونفدرالية.د.ش يوم 4 يونيو 2023، لحظة تلخص حالة الضعف الشديد، والتشتت والتيه السياسي المميزة للقسم المنظم من الطبقة العاملة، وكذا انقطاع صلته بالقطاعات الشعبية العريضة التي لا يقل تضررها من السياسات السارية عما يكابده الشغيلة.
وإن كان بيان القيادة الكونفدرالية بُعيدَ المسيرة المقموعة، قد سار على المألوف في الحركة النقابية المغربية برمتها من بيانات الانتصارات الدائمة، حيث وصف المشاركة بــ”التجاوب الجماهيري والنجاح الكبير”، فلن يسع كل مشارك صادق إلا إن يُقر بالمبالغة المفرطة في تقدير حجم المحتشدين- ات، لاسيما بالنظر إلى الطابع الوطني للمسيرة، وإلى قدوم المشاركين- ات من مختلف أرجاء البلد، وبالنظر إلى حجم الدار البيضاء، أكبر تجمع سكاني عمالي وشعبي، وحتى بالمقارنة مع مسيرات سابقة نظمتها الكونفدرالية.
لم تكن المسيرة المقموعة أكثر من تعبئة وطنية محدودة لقوى مكون نقابي واحد، حرَّك جهازه وقسما من قاعدته، وتغاضت عن مبادرته النضالية سائرُ القوى النقابية، دون الحديث عن انعدام مشاركة شعبية، لا ريب أنه ناتج عن ضيق نطاق التعبئة، وربما حتى عن نية البقاء ضمن حدود استعراض رمزي.
فأول القوى النقابية حجما، الاتحاد المغربي للشغل، تصرفت قيادته تصرفَ غير المعني بأي وجه، فلا هو ساند مبادرة الكونفدرالية ولا دعا إلى خطوة نضالية أخرى. سائرا في ذلك على نهج مواكبة هجوم البرجوازية ودولتها، بمساندة صريحة لرئيس حكومة الواجهة بوقاحة لم تشهدها أسوا أيام المحجوب بن الصديق. فمن الدعوة غير المُقَنَّعة إلى التصويت لحزب أخنوش، إلى المساندة الصريحة للضربة المتمثلة في إحداث شركات توزيع الماء والكهرباء الجهوية، مرورا بالمشاركة في اتفاق الاستسلام التام الموقع في 30 أبريل 2022، وكذا الاتفاق الموقع في قطاع التعليم في يناير 2023.
لكن يبقى الفرق بين سياستي قيادتي الك.د.ش و الا.م.ش غير جوهري من زاوية مصالح الشغيلة. فهما سياسيا ملتزمتان بسلم اجتماعي من جانب واحد مع البرجوازية ودولتها، لا تحجب حقيقتَه مناوشاتٌ هامشية بين فينة وأخرى.
ليس لدى القيادتين خط نضال بوجه شراسة التعديات على الشغيلة وعامة المقهورين- ات، بل سياسة مصاحبة لها في ظل انكماش تنظيمي وتشظي فئوي بعد هزائم نوعية متتالية. فحتى الك.د.ش، بدعوتها إلى إضراب عام في الوظيفية العمومية يوم 18 أبريل، لا تهتدي بخطة نضال تروم استنهاض قوى الشغيلة، بدءا بتضامن فعال مع النضالات الجارية، وسعي للتعاون مع سائر الاتحادات النقابية، ومع حركة المدرسين- ات المفروض عليهم- هن التعاقد، ومع جامعة التعليم (التوجه الديمقراطي)، وبتجاوب مع صبوات النضال الشعبي (أبرز امثلتها في الآونة الأخيرة حراك مدينة أزمور).
لا بل حتى دعوة الإضراب في الوظيفة العمومية تلك إنما كانت للمطالبة بتطبيق اتفاق 30 أبريل 2022 الكارثي.
مجمل القول إن هزيمتنا عميقة، ومنظمات النضال القائمة فعلا بعيدة عن متطلبات اللحظة في الدفاع عما تبقى من مكاسب طفيفة، وعن القدرة الشرائية المدمرة بموجة الغلاء المستديمة، فضلا عن التصدي لإعدام حريات التعبير والتنظيم.
وإن كانت سياسة القيادات النقابية تُيَسِّر تمرير الدولة البرجوازية لخططها المعادية للشغيلة وعامة المقهورين- ات، مُفْقِدةً بذلك الاعتبار للنضال العمالي، فإنها تصب الماء في طاحونة القوى الرجعية الدينية التي انتعشت تاريخيا على حساب تراجع صدقية اليسار سياسيا ونقابيا.
لقد زجت القياداتُ الحركةَ النقابيةَ في مأزق بات معه التماس “الحوار الاجتماعي” و”مأسسته” نهجا بديلا عن النضال، وعن السعي لبناء ميزان قوى كفيل بالدفاع عن مصلحة الطبقة العاملة، والسير نحو تغيير اجمالي لأوضاع الاستبداد والاستغلال. وقد استفادت تلك القيادات المتعاونة مع البرجوازية ودولتها من انعدام معارضة مهيكلة ووازنة في المنظمات النقابية تطرح خطا بديلا للنهج الرسمي تلف حوله القاعدة العمالية المستاءة من نتائج سياسة “الحوار الاجتماعي”. وهذا ناتج عن قصور معظم اليسار المنتسب إلى الطبقة العاملة، لا بل مسايرته للقيادات لتأمين مواقع في الجهاز لا تعبر عن أي تأثير فعلي على صعيد القاعدة. وقد تجلت بوضوح، ما بعده وضوح، كارثية نهج اليسار في المنظمات النقابية.
لا مخرج من المأزق الراهن سوى بالعمل وفق منظور عمالي طبقي، ساعٍ إلى جعل النقابة أداة نضال، بوجه خط “الحوار الاجتماعي”، وإلى بناء ميزان قوى عمالي وشعبي وفق متطلبات صد العدوان والتقدم على طريق تغيير عميق وشامل.
قوى هذا العمل المطلوب متوافرة في مختلف النقابات، غير راضية على سياسة القيادات، بعضها منزو حول مصلحة قطاعية أو فئوية، وفق منظور للنقابة كمقدم خدمات، وبعض آخر مستبطن للإخفاق، وشبه يائس.
لا خيار غير الاستناد على نتائج الاستبداد والقهر الرأسمالي المدمرة لاستثارة صعود عمالي جديد عبر تطوير مقدرات الشغيلة الفردية والجماعية من أجل جعلها قوة اجتماعية متماسكة، وخلاقة، قادرة على خوض نضال ليس ضد المشغل وحسب، بل حتى ضد سلطة البرجوازية برمتها، ضد الرأسمالية.
وهذا التطوير غير ممكن سوى عبر النضالات والتجربة وتقييمها واستخلاص دروسها. وإن في استنهاض الحركة العمالية، ذات المقدرة على وقف آلة الأرباح وإدارتها، فرصة فتح آفاق أمام حركة النضال الاجتماعي التي دامت عقودا، عبارة عن حراكات محلية بنفس إصلاحي، وانتهت دون أن يبقى منها غير الدروس.
وفي القلب من هذا كله مسعى تحول الطبقة العاملة إلى فاعل سياسي، حامل لمشروع التغيير الشامل والعميق، مشروع إطاحة الرأسمالية، وإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع على أسس تلبية حاجات الجماهير في صيانة تامة للمحيط البيئي. لا مستقبل آمن، وحياة لائقة لشعب المغرب سوى بالبديل الاشتراكي البيئي، المتاح على نطاق إقليمي واسع.