هيكلة شركات وزارة الصناعة


صوت الانتفاضة
2023 / 4 / 17 - 16:07     

ملتون فريدمان في كتابه "الرأسمالية والحرية" يقول:
(لأن صناعة الربح هي جوهر الديمقراطية، فإن أية حكومة تتبنى سياسات معارضة للسوق هي معادية للديمقراطية، مهما كان حجم الدعم الشعبي الذي يمكن أن تتمتع به. بناء على ذلك، من الأفضل أن يقتصر دور الحكومات على وظيفة حماية الملكية الخاصة وفرض العقود، وحصر الجدل السياسي في مسائل ثانوية. أما المسائل الحقيقية كإنتاج الثروة وتوزيعها والتنظيم الاجتماعي فينبغي أن تحددها قوى السوق).

بتاريخ 5-4-2023، وزير الصناعة يجتمع مع "مستشاريه"، ل "دراسة هيكلة الشركات العامة"، ويبدأ بشركتي "المنتوجات الغذائية والنسيج والجلود" وهما من اكبر الشركات في الوزارة، ويشكلن 25% من اجمالي عمال الوزارة، شركة المنتوجات الغذائية، هي ناتج دمج مجموعة شركات منها "الشركة العامة لصناعة الزيوت النباتية، والشركة العامة لمنتوجات الالبان، والشركة العامة لصناعة السكر، والشركة العامة للتبوغ والسكائر"؛ اما شركة النسيج والغزل فهي ناتج دمج كل من " الشركة العامة للصناعات القطنية، والشركة العامة للسجاد اليدوي، والشركة العامة للصناعات النسيجية، والشركة العامة للصناعات الجلدية، والشركة العامة لصناعة الالبسة الجاهزة، والشركة العامة للصناعات الصوفية، وشركة واسط العامة للصناعات النسيجية"؛ وحتى يخفف الوزير ومستشاريه من صدمة الخبر على عمال هذه الشركات، ويمتص غضبهم يقول:

"طمأنـة المُوظفين في الشركتين المذكورتين بعدم المساس بعملهم ومُستقبلهم الوظيفي وعقد ندوات خاصة لشرح وتوضيح كُلّ ما يتعلق بموضوع إعادة الهيكلـة"؛ مع ان النقطة الثانية من البرنامج الحكومي واللجان المشكلة تصرح وبشكل علني الهدف الحقيقي لهذه الهيكلة فتقول: "تحديـد العقارات من الأراضي والأبنية التابعة لهذهِ الشركات من حيث كونها مُخصصة أو ملك صرف من أجل إتخاذ القرارات المُناسبة حول كيفية التصرُف فيها والإستفادة منهـا".

خصخصة كل شيء، بيع كل الأملاك والأصول لمستثمرين وأصحاب شركات، أي ان الدولة تتخلى تماما عن جميع وظائفها، يبقى عليها شيء واحد تفعله: "تنشئ الهيكليات والوظائف العسكرية والدفاعية والشرطية والقانونية اللازمة لتأمين الحقوق الملكية الخاصة، وأن تضمن -بالقوة إن لزم الأمر- عمل الأسواق بالشكل الصحيح الملائم" ديفيد هارفي؛ وهذا هو العمل الفعلي للدولة الحالية في عراق ما بعد 2003، خاضعة تماما لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين.

انهار النظام الصحي والتعليمي والخدمي بشكل تام، وقبلهما او بموازاتهما انهارت الصناعة والزراعة، صار اقتصاد البلد ريعي بالكامل، يصدر النفط ليعيش، أي انخفاض في تصدير النفط او هبوط أسعاره تلجأ هذه السلطة "الكمبرودارية" الى الاستدانة من الشركات ومن الدول ومن الصندوقين، ولبيع المزيد من الشركات والأصول وخصخصتها.

امام هذا الواقع المؤلم للطبقة العاملة في العراق، وامام هذه الهجمة الشرسة من قبل سلطة الإسلام السياسي-خادمة ووكيلة الرأسمال العالمي- لا نرى فعالية حقيقية للنقابات العمالية-بعضهم اكتفى ببيانات خجولة واخرين باجتماعات روتينية والباقين لاذوا بالصمت-، وهي ممارسات لا ترقى لمستوى تحركات السلطة وهجمتها، مع ان روزا لكسمبورغ تؤكد في كتابها "الاضراب الجماهيري والحزب والنقابات" على ان "النقابات لا تستطيع، ككل منظمات البروليتاريا النضالية، أن تحافظ على نفسها دوما بغير النضال"، لكننا هنا امام سكونيه مريبة للنقابات.

ان خالد بتال النجم، وزير الصناعة، ليس الا دمية واداة بيد سلطة الإسلاميين، ينفذون به برامجهم لنهب ما تبقى من شركات، وهؤلاء الإسلاميين هم أيضا دمى وأدوات بيد صندوق النقد والبنك الدوليين، ينفذون بهم برامج انهيار البلد، وعلامات هذا الانهيار تزداد وضوحا يوما بعد آخر، فنسب البطالة والفقر تقفز بشكل مخيف كل عام، وهذه السلطة تريد اقناع الناس ان يتكيفوا على هذا الواقع.

صدق ميلتون فريدمان، منظر الليبرالية الجديدة، فجوهر الديموقراطية اليوم هو صناعة الربح، وأي معارضة لاقتصاد السوق هو معاداة للديموقراطية؛ يتحدثون بها بدون وخزة ضمير، منطق التوحش بكل ما للكلمة من معنى، تحويل العلاقات الإنسانية الى علاقات منافسة، باعتبارهم مجموعة من الرابحين والخاسرين، لهاث دائم وراء الحياة ومتطلباتها، هذا المنطق هو الذي تبلوره اليوم سياسات سلطة الإسلام السياسي والقومي.

لقد بيع كل شيء، مستشفيات، مصارف، مدارس، مصانع، جامعات، كهرباء، ماء، خدمات، صرنا تحت معادلة "تملك المال تستطيع ان تعيش، لا تملك تموت"، استبدلوا مصطلح "المصلحة العامة" ب "المسؤولية الفردية"، ويحاولوا ان يقنعوا الناس بأن الخصخصة هي الحل الأمثل لمشاكل المجتمع، تحت يافطة "الكفاءة للشركات الخاصة"، فهم قذر، ينبع من مصالح طبقية قذرة.

"ليس للعمال ما يخسروه سوى قيودهم"، فحركتهم الاحتجاجية هي الكفيلة بكبح وإيقاف هذه الهجمة الشرسة، وهم وحدهم القادرون على افشال هذه السياسات العدوانية، والتي تستهدفهم بشكل اولي واساسي.
#طارق_فتحي