الدلالة التاريخية لاتفاق الاستسلام الاجتماعي ليوم 30 أبريل 2022 ومهام المناضلين/ات العماليين/ات


المناضل-ة
2023 / 2 / 16 - 17:49     


سيدخل اتفاق 30 أبريل 2022، بين ارباب العمل ودولتهم من جهة والقيادات النقابية من جهة أخرى، تاريخ الحركة العمالية بالمغرب عنوانا لإحدى أكبر الهزائم بدون معركة. ولا شك أنه تتويج لمسار طويل من الانحدار شهدته تلك الحركة بموازاة هجوم برجوازي متصاعد سايرته القيادات النقابية طيلة عقود بمنطق “الشراكة الاجتماعية”.

وإذا تمكنت البرجوازية ودولتها من إحراز النصر في كل الغارات المتضمنة في ذلك الاتفاق، فتكون هزيمتنا تاريخية بمعنى الكلمة التام. فما يسعى اليه العدو الطبقي نوعي، فيه إجهاز على حق الإضراب، وتعميم لإضفاء الهشاشة على علاقات الشغل، ونيل إضافي من مكاسب التقاعد، وتضييق أشد على الحرية النقابية.

إنها تحديات غير مسبوقة تستدعي حشدا استثنائيا لقوى الطبقة العاملة، وتوجها لبناء جبهة نضال عمالي-شعبي.

سياق الاتفاق الاجتماعي ليوم 30 أبريل 2022
أ- تسريع أوراش التراكم الرأسمالي بتشديد استغلال الطبقة العاملة

حكومة الواجهة الجديدة
جاء اتفاق 30 ابريل2022 بعد سبعة أشهر من تنصيب حكومة الواجهة الجديدة برئاسة عزيز اخنوش. حكومة واجهة كانت إعلانا على مواصلة السياسة النيوليبرالية الشرسة بعد ترتيب آلية التدبير السياسي بالتخلص من حزب العدالة والتنمية “الإسلامي”. فليس ما يسمى “نموذجا تنمويا جديدا” غير توضيب لنفس السياسة البرجوازية/الامبريالية المطبقة منذ عقود، قوامها خدمة الرأسمال الاستعماري الجديد، عبر آلية الديون، وتأمين شروط مثلى لاستثماراته، في تعاون وثيق مع الشرائح العليا من البرجوازية المحلية الملتفة حول الملكية. وإن كان مجمل القيادات النقابية قد واكب هذه السياسة المعادية للطبقة العاملة وعموم المقهورين/ات، فقد تجرأت إحداهن بالمجاهرة بمساندة حزب ما يسمى بالأحرار انتخابيا، ثم بالتصفيق له بعد فوزه برئاسة الحكومة، وما هذا سوى أمارة انعدام معارضة نقابية يحسب لها حساب.

وعبر هذه الواجهة الجديدة، تقوم الدولة بتسريع أوراش التراكم الرأسمالي في جميع قطاعات النشاط الاقتصادي من فلاحة وسياحة وبحر ومناجم وصناعة وطاقة، والقطاع المالي، والخدمات. ومنحت أولوية لمشاريع البنية التحتية من طرق ونقل طرقي وسككي وبحري وجوي. وتؤهل قطاعي التعليم والصحة لتوسيع خصخصتهما وتقليص الخدمة العمومية. وعلاوة على توفير العقار والماء والطاقة ومناطق حرة، تسخر المالية العمومية لتمويل شروط تحقيق الأرباح الخاصة عبر إعانات وتحفيزات ضريبية. وتتوافق الدولة مع البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية لربط هذه الأوراش بمتطلبات الرأسمال العالمي عبر التصدير واتفاقيات ما يسمى بالتبادل الحر التي تسمح بدخول السلع (في غالبيتها مدعمة) والرساميل الأجنبية (مضاربة في غالبيتها) التي تدمر نسيج الإنتاج المحلي وتقوم بترحيل الأرباح التي تحققها الشركات متعددة الجنسيات. وتشكل الديون آلية رئيسية لترحيل الثروات ولضمان هيمنة مؤسسات الرأسمال العالمي وتكريس التبعية الاقتصادية والسياسية.

تشكل الطبقة العاملة المعادلة الرئيسية في جميع هذه الأوراش الرأسمالية التي لا يمكن أن تُنجَز دون تشديد استغلال اليد العاملة. يتعلق الأمر بصراع بين طبقة الرأسماليين والطبقة العاملة وصغار المنتجين- ات من أجل توزيع القيمة المنتَجة.

تضمن الدولة بوصفها الأداة الجماعية للرأسمال ضُعف الأجور المباشرة (تحديد الحد الأدنى للأجر المباشر في مستوى متدن وعدم ربطه بارتفاع الأسعار) وغير المباشرة (ضعف التغطية الصحية وتقليص معاشات التقاعد). وسنت مدونة شغل ترتكز على المرونة، والعمل المؤقت، والسمسرة في التشغيل، ونزع أي سلطة ردعية لجهاز رقابة الشغل، وتسهيل مسطرة الطرد، إلخ. وأبقت على الفصل 288 من القانون الجنائي ضد الإضرابات العمالية. وتسخر المحاكم وقوات القمع للتدخل المباشر لفض الاحتجاجات العمالية. وتشن هجوما أيديولوجيا دائما لزرع التقسيم بين مختلف شرائح الطبقة العاملة.

ب-ضعف تنظيم الطبقة العاملة ونضالاتها

اتسمت العقد الأخير، الذي يفصلنا عن دينامية 2011 النضالية، بتدهور نضالية الطبقة العاملة، ورسوخ ضعفها التنظيمي. فعلى هذا الصعيد أتت عقود تعميم هشاشة الشغل باستشراء شركات الوساطة في التشغيل، وشتى صنوف العمل الهش، أكلها للبرجوازية بتأمين يد عاملة معدومة إمكانية التنظيم، فضلا طبعا على تأثير مستوى البطالة الجماهيرية المرتفع، وكذا الخوف من البطالة، على استعداد الشغيلة للتنظيم والنضال. هذا ما يضع قسما كبيرا من الطبقة العاملة المحروم من استقرار الشغل خارج حلبة الصراع المباشر مع البرجوازية، بل يغدو أداة ضغط على المستقرين في العمل. كما انكمش نطاق نضال قسم الشغيلة المنظم في القطاع الخاص إلى مناوشات آخر خطوط الدفاع [اعتصامات مطرودين، معارك دفاع عن الحق النقابي…]، فيما تخاض كبريات معارك اجراء الدولة من أجل ضمان استقرار الشغل (حركة المفروض عليهم التعاقد في التعليم…)، مع استمرار فسيفساء الفئوية ضيقة الأفق.

وقد شكلت سنوات جائحة كوفيد-19 فرصة للبرجوازية والدولة لمزيد من فرض فرط الاستغلال وتطويع الأجراء والتضييق على الحريات

وفوق هذا وذاك تظل كفاحات الشغيلة مؤطرة بالخط السياسي للبيروقراطيات النقابية القائم على التعاون مع الدولة البرجوازية لتمرير خططها، مع سعي للضغط من اجل مصاحبة “اجتماعية” لتلك الخطط، ضغطا محسوبا يتحاشى الاخلال بـ”الاستقرار الاجتماعي”. وقد جر نهج البيروقراطية ذاك هزائم عديدة على الطبقة العاملة افقدتها مكاسب تاريخية (اقتطاع أجور المضربين من اجراء الدولة، الاضرار بمتقاعدي الوظيفة العمومية، مزيد من تفكيك نظام دعم المواد الأساسية، واشاعت المزيد من احباط همتها النضالية.

ضمن لوحة نضالية اجمالية غير مشرقة، وفي سياق غير ملائم بتاتا، هرعت القيادات النقابية إلى طاولة “الحوار” لتقايض مكاسب تاريخية جرت صيانتها نسبيا بكفاحات عقود من الزمن بفتات زيادة في الاجر وترقيعات غير ذات شأن.

2- الاتفاق الاجتماعي ليوم 30 أبريل 2022: استسلام تاريخي وفتات للتغطية

الاستسلام التاريخي
تمثلت الهزيمة بلا معركة في توقيع القيادات النقابية على قبول تمرير ما تريد رأس المال ودولته في مسائل جوهرية في علاقته بقوة العمل: حق الإضراب، والحرية النقابية، واستقرار علاقة الشغل، والتقاعد. هذا وفق جدول زمني مضبوط.

= حق الإضراب:

امتناع الأجير عن أداء عمل في شروط غير لائقة له حق أساسي، ظل في المغرب موضوع صراع، حيث لم تتمكن الدولة من الغائه كليا، كما لم يتح مستوى كفاية شغيلة المغرب ضمان ممارسته التامة. حملت قوانين البلد تضييقات صريحة، ابرزها مرسوم فبراير 1955 الخاص بالموظفين، والفصل 288 من القانون الجنائي حول “عرقلة حرية العمل، و ظهير 1938 حول التسخير. وفي الواقع تصدت له الدولة بالقمع، بدءا من نشر قوات التدخل السريع ضد الإضرابات، وصولا إلى اطلاق النار في الشوارع (1981، 1990…)، مرورا بالغارات على معتصمات العمال و العاملات وسجن النقابيين، وحتى اغتيالهم.

ظلت مع تلك فقرة بالدساتير تنص على إصدار قانون تنظيمي للإضراب حبرا على ورق طيلة 60 سنة، تخللتها محاولات لإخراج ذلك القانون التنظيمي. وقد اتسم موقف القيادات النقابية، حتى الجذرية المزعومة، بالقبول المبدئي لتقنين حق الإضراب، وإعلان التحفظ من أشكال معينة من ذلك التقنين. لكن على الصعيد العملي، استنكفت تلك القيادات على التصدي للحملة البرجوازية المغرضة ضد حق الاضراب، وعن التشهير بمضامين مشاريع قانون الاضراب المتتالية منذ أكثر من عقدين.

وبتوقيع استسلام 30 ابريل 2022، تكون تلك القيادات قد مهدت طريق شن رأس المال غارته النهائية على حق الإضراب، الذي هذا طبعا ما لم ينهض المارد العمالي دفاعا عن أحد أسلحته الرئيسة.

= الحرية النقابية وتدجين النقابات:

مشروع قانون النقابات تضييق لشروط تأسيس النقابة سيمكن الدولة من تكريس وتعميق عرقلتها لتنظيم الاجراء لأنفسهم. وفضلا عن ذلك، هذا المشروع قائم على تصور الدولة لدور النقابة كآلية مساعدة في ضبط الوضع الاجتماعي، وليس لفهم الشغيلة لها كأداة مقاومة للاستغلال. غايته تكريس الدمج المتنامي للنقابة لتؤدي أدوار حفظ “السلم الاجتماعي”، أي مسايرة هجمات رأس المال والتحكم في نضالية الشغيلة. وإن كانت البيروقراطية النقابية تبدي تحفظا على مشروع القانون فبسبب تنصيصه على اجراءات تسيير تنظيمي ومالي تغل ظاهريا يدها، لكن الحقيقة انها لن تعدم سبل الالتفاف عليها.

وإن لم تستعجل الدولة إصدار هذا القانون (صدرت منه أربعة مشاريع بين 2009 و2020) قدر ما تتلهف إلى نظيره الخاص بالإضراب، إذ حددت له أجل سنتين [ربع المدة لقانون الإضراب]، فلأنها مطمئنة إلى كون دور النقابة المتوخى كشريك في تدبير المسألة العمالية أمر حاصل.

= تفكيك قانون الشغل:

يمثل ضرب استقرار علاقة الشغل أحد الأهداف الرئيسة لأرباب العمل، بدأ بتعميم في الواقع لعقود العمل المؤقت، ثم

بدأت الغارات الأولى على تشريعات الشغل بتوصية من المؤسسات المالية للإمبريالية، مع تطبيق برامج ما يسمى “التقويم الهيكلي، واتخذت شكلها المكتمل بإصدار مدونة الشغل في 2003.

ليست غاية مرونة الشغل ضمان استخراج أقصى فائض قيمة وحسب، بل حتى اضعاف مقدرة الشغيلة على الفعل الجماعي.

وقد سبق ان تعالى صوت منظمة أرباب العمل مطالبا بمزيد من المرونة لتكريسه قانونا بعد فرضه واقعا. وقد دل الموقف العملي للقيادات النقابية من مرامي الدولة على هذا الصعيد على مرونة كبيرة في التنازل ابرز صورها موقفها العملي من فرض التعاقد على اجراء التعليم الجدد.

ستؤدي تعديلات قانون الشغل التي تتوخاها البرجوازية إلى تكثيف الاستغلال بإضفاء الهشاشة على علاقة الشغل، ومزيد من إضعاف مقدرة الأجراء النضالية، ونسف مكاسب في مجال ظروف العمل ظلت في الغالب حبرا على ورق، مثل مصلحة طب الشغل في كل مقاولة تشغل بالأقل 50 أجيرا،

التقاعد: الهجوم على حقوق المتقاعدين خطة اجمالية تسير فيها الدولة بتدرج وتعاون مع صندوق النقد الدولي، بغاية إصلاح شامل لأنظمة التقاعد وتطبيق ما جرى تنفيذه في الصندوق الوطني للتقاعد الخاص بالموظفين/ات على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الخاص بأجراء/ات القطاع الخاص، والمتمثل في 1) رفع سن التقاعد، و2) الزيادة في الاقتطاع، و3) خفض معاش التقاعد. هذا الهجوم تضمنه اتفاق 26 أبريل 2011، وطبق فعلا.

ب- فتات للتغطية

الزيادة في الحد الأدنى للأجر في القطاع الخاص في الصناعة والخدمات بنسبة 10% مقسمة على سنتين: 5% في شتنبر 2022 و5% في شتنبر 2023، وفي الفلاحة بنسبة 10% في شتنبر 2022 و5% في شتنبر 2023. هكذا ابتداء من شتنبر 2022، سيبلغ الحد الأدنى للأجر الشهري الخام في 2.970 درهم في قطاع الصناعة، و2.193 درهم في قطاع الفلاحة. وفي القطاع العمومي، سيصبح الحد الأدنى للأجر 3.500 درهم في الشهر.

من الواضح جدا أن هذه الزيادة هزيلة أمام موجة غلاء أسعار المواد الأساسية والخدمات التي بدأت مع جائحة كوفيد وارتفعت بشكل حاد منذ اندلاع الحرب على أوكرانيا في فبراير 2022. وكانت النقابات قد قدرت منذ سنوات تكاليف معيشة متوسطة في المدينة بحوالي 5.000 درهم في الشهر. والأهم أن هذه الزيادات ظرفية وهشة في غياب ربطها بمستوى غلاء العيش، أي تطبيق السلم المتحرك للأجور والأسعار.

التوحيد التدريجي في أفق 2028 للحد الأدنى القانوني للأجر بين قطاعات الصناعة والتجارة والمهن الحرة والقطاع الفلاحي. سبق أن جرى التنصيص على هذا التوحيد في اتفاق 26 أبريل 2011 على مدى ثلاث سنوات، بضغط من التعبئة الشعبية الكبيرة التي بدأت في فبراير 2011. هذه الأخيرة تراجعت، ولم يتحقق هذا الوعد، ومن المرجح ألا يتحقق من جديد في غياب نضالات وازنة.
رفع التعويضات العائلية من 36 درهما إلى 100 درهم بالنسبة للطفل الرابع والخامس والسادس. هذه الزيادة لذر الرماد على العيون، حيث أن غالبية الأسر العمالية تقلص من عدد أفرادها، وبلغ متوسط عدد أفراد الأسرة في المغرب 4 في المدن، و5 في القرى في سنة 2019 (تقرير الأمم المتحدة).
تخفيض شرط الاستفادة من معاش الشيخوخة من 3240 يوما، وتمكين المؤمن له البالغ حد السن القانوني للتقاعد المتوفر على أقل من 1320 يوما من الاشتراك من استرجاع الاشتراكات الأجرية واشتراكات المشغل. كرست الدولة ما هو موجود في الواقع لصالح الرأسماليين الذين يتفننون في عدم التصريح بكامل أيام عمل الأجراء/ات، مع ضعف أو غياب مراقبة مفتشي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وحكمت بمعاش هزيل على العمال/ات.
الأثر المرتقب على الحركة العمالية
. تعميق إدماج النقابات العمالية

تسعى الدولة لاحتواء النقابات وتشتيتها والحيلولة دون مقاومتها ووحدتها. فعمق أزمة الاقتصاد المغربي التابع بمختلف أبعادها (الأزمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية والمالية والغذائية) يفرض تفادي خطر تنظيم صفوف الطبقة العاملة وتحفيز نضالاتها. ومن هنا ضرورة توسيع إدماج المنظمات النقابية كـ “شريك اجتماعي” في أوراش الرأسمال التي ستتحمل الطبقة العاملة تكاليفها من خلال تقليص دخلها ورفع عبئها الضريبي وزيادة مديونتها الخاصة واحتداد فقرها. تريد الدولة أن يقتصر دور النقابات على إضفاء الشرعية على سياساتها لصالح الرأسمال، وتنزع عنها أي قدرة للدفاع عن حقوق الطبقة العاملة ومكاسبها.

هذا ما نجده فيما يسمى بالنموذج التنموي الجديد (أبريل 2021) الذي أكد على ضرورة “تعبئة النقابات في إطار مهمة الوساطة التي تقوم بها، وتعزيز مشروعيتها لتكون شريكا ذا مصداقية بالنسبة للدولة، سواء على الصعيد الوطني أو الصعيد الترابي”.

سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن أصدر تقريرا حول ما سماه “جيل جديد من الحوار الاجتماعي بالمغرب” (نونبر 2020) يوصي فيه بـ “مأسسة منظومات متكاملة للحوار الاجتماعي، وتعزيز الحوار الاجتماعي باعتباره أداة للديموقراطية التشاركية، والنهوض بثقافة الحوار الاجتماعي”.

لذا حرصت الدولة على تقنين هذه الأسس في وثيقة “الميثاق الوطني لمأسسة الحوار الاجتماعي” ليوم 30 أبريل 2022 التي وقعت عليها النقابات الرئيسية الثلاث: الاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب.

تظن الدولة أنها حققت غايتها من خلال هذا الاتفاق الاجتماعي، أي ضمان “السلم الاجتماعي” ومأسسته في وقت احتدت فيه أزمة اقتصادها التابع في سياق عالمي مطبوع باستمرار مفاعيل أزمة كورونا وبنتائج حرب روسيا على أوكرانيا خصوصا غلاء أسعار المواد الطاقية والغذائية. وساعدها في ذلك ضعف النضالات العمالية وغياب معارك قطاعية قوية وتعمق انبطاح القيادات النقابية.

إن توقيع قيادات النقابات الثلاث الرئيسية بالمغرب على اتفاق 30 أبريل 2022 هو استمرار لنهجها المعهود في التشبث بـ “الحوار الاجتماعي” و”الشراكة الاجتماعية” ومساعدة الدولة في تمرير تعدياتها على الطبقة العاملة. وليس مفهوم “الحوار الاجتماعي” في حد ذاته سوى جزءا من المنظور الأيديولوجي للدولة البورجوازية حول المفهوم الجديد للنقابة للحيلولة دون تنظيم الطبقة العاملة ضد عدوها الطبقي، أي الرأسماليين. وحاولت الدولة استغلال انبطاح القيادات النقابية للهجوم على التنظيم النقابي كأداة ضرورية للعاملات والعمال من أجل تحسين أوضاع شغلهم وشروط حياتهم، وحتى إظهار النقابات كأدوات فاسدة بهدف زرع اليأس والإحباط في صفوف الطبقة العاملة وتفكيك صفوفها المنظمة.

ويكمن الوجه الآخر لانبطاح القيادات النقابية في خوفها الشديد من القواعد العمالية ومبادراتها النضالية والتنظيمية. فكان جليا أنها لو قامت بتعبئة لقلصت كثيرا تعديات الدولة ووسعت تنازلات هذه الأخيرة في اتفاق 30 أبريل. ورأينا كيف حرصت على عدم ربط الطبقة العاملة بالتعبئات الشعبية الرئيسية كحركة 20 فبراير 2011، وحراكي الريف وجرادة، والحركة الاحتجاجية ضد غلاء الأسعار، إلخ. لذا فهي تكتفي بمطالب ضيقة للطبقة العاملة، وتحول دون اشتغال الأجهزة بشكل ديمقراطي في سير النقابة وفي المعارك، وأيضا دون توسع فضاءات ديمقراطية أخرى تسمح بإشراك القواعد العمالية في النقاش والقرار. إنها شريحة بيروقراطية تكرس الأيديولوجية البورجوازية في صفوف العاملات والعمال. وتعمل على محاربة أي مبادرة عمالية تأتي من الأسفل، وتحاول استبعاد أي مناضل- ة عمالي- ة كفاحي- ة يسعى فعلا إلى الرقي بمستوى الوعي النقابي والسياسي للشغيلة ويعمل على توفير شروط استنهاض مقاومة فعلية من القواعد.

ما العمل؟
تجتاز الحركة النقابية المغربية أزمة بعمق لم يسبقه نظير. ولا شك ان انشقاق ك.د.ش في مطلع سنوات 2000، ومؤتمر الاتحاد المغربي للشغل في 2010، وإجهاض تجربة التوجه الديمقراطي إ.م.ش، عناوين رئيسة في تلك الأزمة. إنها اليوم غير مؤهلة بتاتا لأداء حد أدنى من وظيفتها، متمثلة في صون ما تبقى من مكاسب تاريخية.

تستشعر القواعد النقابية هذه الأزمة، بمعاينة ضعف التنظيم، وتوالي ضربات العدو بلا رد فعال، لكن انعدام تقاليد التكوين والنقاش يبطل إمكان استجلاء جماعي لمخارج من الأزمة. المناضلون/ات الواعون لهذه الأزمة مشتتون بين مختلف النقابات بدون تعاون، ولا حتى تواصل.

هذا ما يجعل إطلاق نقاش حول الازمة والحل أولى مهام الساعة على جانب مواصلة الجهود اليومية لتوسيع التنظيم، و التضامن مع شغيلة المنشآت والقطاعات التي تخوض نضالا مطلبيا او دفاعا عن الحق النقابي.

يستدعي الظرف التاريخي ميزان قوى نضاليا نوعيا لصد التعديات غير المسبوقة التي ستكرسها الدولة على شكل قوانين. شروط خلق ميزان القوى هذا كامنة في القواعد العمالية المنظمة في النقابات، وهي لا تتعدى نصف مليون بالأرقام المتفائلة، وبالأساس تلك الموجودة خارج النقابات والتي تبلغ في هذه الحالة 5 ملايين أجير. فشرائح الطبقة العاملة الموجودة في قطاعات الإنتاج الرئيسية وفي القطاعات العمومية، والتي تتعزز بقطاعات جديدة وبأجيال جديدة من الشباب المتمدرس والنساء المتعلمات، تشكل خزانا هائلا لمراكمة عمل نقابي كفاحي.

ثم هناك الشرائح التي لا تستطيع بيع قوة عملها، أي العاطلين عن العمل سواء العضليين أو الذهنيين الذي يحتجون في الشوارع من أجل الحق في الشغل.

سيدفع تدني ظروف الشغل والدخل وضغط البطالة وتوسع الهشاشة وعدم استقرار الشغل بجميع هذه الشرائح العمالية إلى التعبئة والنضال من خارج النقابات، كما هو الشأن بالنسبة لتنسيقية الأساتذة المفروض عليهم التعاقد، ولكن أيضا للبحث عن الانخراط في النقابات كأداة نضال ضرورية بغض النظر عن قيادتها.

لا مناص إذن من البدء من البداية، أي العمل على تنظيم صفوف الطبقة العاملة في مؤسسات القطاع العمومي وفي وحدات الإنتاج بالقطاع الخاص وبناء تجارب تنظيم قوية وديمقراطية. إن جهود المناضلات والمناضلين الكفاحيين- ات المتفرقة داخل المنظمات النقابية المتعددة تحتاج إلى تنسيق عمالي يرتكز على تعبئة القواعد وتوسيع معاركها وتدعيم تضامنها وتطوير تسييرها الديمقراطي. ولا بد من العمل على خلق جسور مع معارك المعطلين/ات، وعلى تحفيز نضالات من أجل تحسين أوضاع العيش في أحياء التركزات العمالية. وهنا يكمن أساس خلق ميزان قوى عمالي يكون في مستوى ضد التعديات البورجوازية على الطبقة العاملة.

يمكن لهذا التنسيق العمالي من الأسفل أن يشتغل على مطالب موحدة كبرى منها في المقام الأول الدفاع عن القدرة الشرائية للطبقة العاملة من خلال مطلب السلم المتحرك للأجور، وكذا التصدي لإصلاح أنظمة التقاعد، وتفكيك الوظيفة العمومية (التعليم والصحة)، والدفاع عن الحرية النقابية.