فرضية ربط رفع الأجور بتزايد البطالة.. تخدم من؟

أحمد عوض
2023 / 2 / 13 - 22:53     


تراجع الحكومة عن تطبيق قرار رفع الحد الأدنى للأجور وفقا لمعدلات التضخم (ارتفاع الأسعار) والتفاصيل التي تبعته، يؤشر إلى أمرين أساسيين؛ يتمثل الأول في إمعان الحكومة على تطبيق سياسات اقتصادية غير اجتماعية، والآخر يتمثل في سيطرتها المطلقة على قرارات اللجنة الثلاثية لشؤون العمل المكونة من نقابات العمال وغرف الصناعة والتجارة، إلى جانب وزارة العمل.

ما إن أعلنت إدارة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي عن نيتها تطبيق القرار المتخذ سابقا بزيادة الحد الدنى للأجور بنسبة 4.2 بالمائة وفق مؤشر التضخم الذي أصدرته دائرة الإحصاءات العامة، حتى أعلن وزير الصناعة والتجارة والتموين ووزير العمل أن الحكومة “لن تزيد الحد الأدنى للأجور” رغم أنه رفع بسيط جدا. ولمنح الشرعية للقرار الذي أصدرته الحكومة مؤخرا بوقف العمل بقرار اللجنة الثلاثية لشؤون العمل المتخذ قبل ثلاث سنوات بربط مستوى الحد الأدنى للأجور بمعدلات التضخم، دعت وزارة العمل اللجنة الثلاثية للاجتماع لتمرير قرار متخذ سلفاً.

سياسات الأجور هي واحدة من أدوات السياسات الاقتصادية التي تستخدمها الحكومات عادة لإدارة الاقتصاد (أي اقتصاد)، باعتبار الأجور محدِّدا لمستويات الطلب المحلي على الاستهلاك، وهي كذلك أداة من أدوات توزيع الثروة في المجتمع، وتقليل اللامساواة الاقتصادية والتفاوت الاجتماعي.

غير أن الحكومة، وعلى لسان أعضاء فريقها الاقتصادي، تتبنى سياسة أجور قائمة على فرضية اقتصادية غير صائبة، وتعبر عن خيار سياسي واقتصادي يخدم مصالح فئة محدودة جدا من رجال الأعمال، همهم الأساسي زيادة أرباحهم على المدى القصير، ضمن أفق ضيق جدا، لا ينظر إلى مستقبل الاقتصاد، وآخر همهم مكافحة الفقر بمختلف أنواعه.

وتقوم هذه الفرضية على فكرة أن “زيادة الأجور ورفع الحد الأدنى لها سيزيدان من معدلات البطالة”، لأن من شأن ذلك “زيادة الضغوط” على القطاع الخاص، الذي سيحجم عن تشغيل المزيد من الأيدي العاملة.

هذا القول غير صحيح البتة؛ إذ إن الضغوط التي يعاني منها القطاع الخاص تعود إلى عوامل أخرى، مثل الضرائب غير المباشرة المرتفعة، من ضريبة عامة على المبيعات والضرائب المقطوعة، والرسوم الجمركية، وارتفاع تكاليف الطاقة، وغيرها من إجراءات أنهكت القطاع الخاص.

الأجور يمكن أن تشكل ضغطا على القطاع الخاص لو كانت مرتفعة، إلا أنها منخفضة جدا؛ حيث تشير أرقام دائرة الإحصاءات العامة إلى أن معدل الأجور في الأردن يبلغ 425 دينارا، وهو أقل من خط الفقر المطلق المعلن من قبل الحكومة، فيما يبلغ الحد الأدنى للأجور 260 دينارا فقط.

يضاف إلى ذلك، أن أكثر من نصف العاملين بشكل منظم في الأردن تقل أجورهم الشهرية عن 500 دينار شهريا، وفق آخر مؤشرات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، فما بالك بمستويات أجور العاملين غير المنظمين؟!.

كذلك، فإن حصة الأجور (تعويضات العاملين) من الناتج المحلي الإجمالي تظهر بوضوح أنها منخفضة مقارنة بالدول التي تتمتع اقتصاداتها بالاستقرار والمتانة. ففي الوقت الذي لا تزيد نسبة مجمل الأجور في الأردن (على تفاوتها) على 36 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، نجدها تزيد في الدول الأوروبية على 60 بالمائة، وعند بعضها تصل إلى 70 بالمائة، وتقارب في عشرات الدول الآسيوية والأفريقية الـ50 بالمائة.

العمل، وفق فرضيات تكرس التفاوت الاجتماعي واللامساواة الاقتصادية، سيعمق حالة التباطؤ الاقتصادي أكثر فأكثر، وبالتالي ستزيد من معدلات البطالة، خلافا لخطاب الفريق الاقتصادي الحكومي. ولا بد من التذكير بوجه آخر مهم للمعادلة؛ يتمثل في أن زيادة الأجور بعامة، والحد الأدنى لها بخاصة، يعد أحد أهم محركات النمو الاقتصادي وبناء اقتصاد قوي.

كذلك، فإن زيادة الحد الأدنى للأجور ستشجع الشباب والشابات على العمل بوظائف يحجمون عن العمل فيها في الوقت الراهن، بسبب ضعف شروط العمل فيها، وبخاصة انخفاض الأجور.

إن الاستمرار في استخدام مقاربة دعم النمو الاقتصادي وتعزيز قوته على حساب الأجور وتراجع الحمايات الاجتماعية التي اعتمدتها الحكومات الأردنية المتعاقبة، كلها أمور شكلت، وتشكل، خطيئة كبيرة، وآن أوان التراجع عنها. وبالقدر الذي يحتاج اقتصادنا الوطني مزيدا من الاستثمارات والصادرات، فإنه يحتاج إلى طلب استهلاكي محلي كبير للأفراد وللمؤسسات؛ أي، ببساطة: من دون قدرات شرائية محلية وازنة للمستهلكين الأفراد وعائلاتهم، لن يتحقق النمو الاقتصادي المنشود، ولن يتم بناء اقتصاد قوي مستدام.