عاملات وعمال النظافة والحراسة: لا منقذ من القهر والاستغلال سوى النضال النقابي


المناضل-ة
2023 / 1 / 1 - 12:12     


تشتمل طبقة الأجراء على مجموع العاملات والعمال الذين يضطرون لبيع قوة عملهم لصالح رب العمل الذي يملك وسائل الإنتاج، وذلك نظير سعر يسمى أجرا. لا تتعرض هذه الطبقة فحسب للتهميش المتواصل والحرمان من الحقوق، بل تُمارس عليها مختلف أشكال الاستغلال القسري. وصاحب العمل دائما ما يسعى إلى تشغيلهم بأقل أجر ممكن، ولأطول مدة ممكنة وباستخدام أرخص وسائل حماية لكي يظفر هو بأكبر قدر من الأرباح.

تتنوع المقاولات بين إنتاجية وخدماتية ومالية، وبين المقاولات الصغيرة والمتوسطة والكبرى. منها التي تنتمي لقطاعات استراتيجية وأخرى لقطاعات أقل أهمية، ومنها ما هو ملكية عامة وتدار بمنطق المرفق العمومي ومنها العمومي الذي يدار بمنطق المقاولة الخاصة وهناك مقاولات خاصة مملوكة للبرجوازيين.

وإذا ما نظرنا إلى تصنيف الطبقة الشغيلة، فإننا لا نجدها تتنوع من حيث الجنس والسن والتعليم والتكوين فحسب، وإنما تختلف كذلك من حيث وضعيتها، فالأجور والحقوق المتعلقة بالضمان الاجتماعي والتغطية الصحية متفاوتة ليس فقط بين القطاعات المختلفة، بل وداخل نفس القطاع. وما يبدو لافتا في هذا الصدد، ليس فقط الفجوة الشاسعة بين الأجور التي قد تتجاوز عشرون مرة الحد الأدنى، بل هناك من يتقاضى أجرا أقل من الحد الأدنى. وثمة من يعمل في العالم القروي بشكل مجاني (في الشكل هو عمل لصالح العائلة ولكن في الجوهر هو عمل لصالح الطبقة البورجوازية لأن ذلك العمل المجاني يسهم في نهاية المطاف في تقديم منتجات بأسعار منخفضة وهو ما يمكن من تلبية حاجيات الأجراء بالمدن وخارجها مقابل أسعار مخفضة وهذا ما يساعد على منحهم أجور زهيدة). زد على ذلك، أن الحماية الاجتماعية تعتبر منعدمة بالنسبة لأقسام واسعة من الشغيلة.

ومما يجدر لفت النظر إليه، هو أن الطبقة البورجوازية بسعيها إلى الاستحواذ على أكبر قسم من فائض القيمة المنتجة من طرف الأجراء على صعيد البلاد، فإنها قد تجر على نفسها إنتاج رد فعل مناهض من قبل الشغيلة التي قد تعمل على تكثيف نضالاتها من أجل نيل مكاسب أعمق وتوسيع نصيبها من الأرباح سواء على مستوى المقاولات أو على صعيد البلاد.

إن وعي الطبقة الرأسمالية بأن إحكام سيطرتها لا يمكن أن يتم بتفقير كل أقسام الطبقة العاملة، لأن تمرد الشغيلة سيكون حتما فوريا وعنيفا تجاهها، فإنها تنهج سياسة فرّق تسد، حيث تتنازل للأقسام المنظَّمة من الشغيلة التي تحتل المواقع الأكثر حيوية في سيرورة الإنتاج الصناعي الفلاحي والخدماتي عن بعض الحقوق والمكاسب، فيما تعمل بالمقابل على تكثيف استغلالها للأقسام الأخرى.

من خلال متابعة بسيطة لواقع الشغيلة، يمكن ملاحظة أن أقسام واسعة من عاملات وعمال العديد من القطاعات الإنتاجية والخدماتية هي عرضة لفرط الاستغلال الذي يقارب الاستعباد (يتم تملك العبد للاستحواذ على حصيلة عمله، على أن لا يكون ما ينتجه أقل مما يستهلكه)، ضمن هذه الفئة يندرج عمال وعاملات النظافة والحراسة.

هكذا نجد أن عاملات النظافة وعمال الحراسة يعانون من أشد أنواع الاضطهاد والقهر ، أمام مرأى ومسمع كل المسؤولين في البرلمان والحكومة وأمام أنظار المسؤولين في المحاكم والادارات العمومية. هذا ما أكدت عليه منظمة أوكسفام[1] المغرب في مرافعة لها حول شروط العمل في قطاعي الحراسة والنظافة. مع توصيات لمواجهة هذه الوضعية المزرية.

فقد أكدت هذه المنظمة ضمن مذكرتها الصادرة في ماي 2022 على أن هذه الفئة من الأجراء تشكل الفئة الأكثر عرضة لهشاشة العمل وقساوة ظروفه، فالانتهاكات التي تواجهها لا تقف عند حد الأجور الزهيدة التي يتلقونها (قد لا تتجاوز نصف الحد الأدنى للأجور) والاستغلال التعسفي في تجاوز ساعات العمل القانونية (التي قد تصل 12 ساعة يوميا) دون أي تعويض مادي على ذلك، بل تتخطاها إلى القيام بمهام إضافية لا تندرج ضمن مهام المنصب والتهديد المستمر بالطرد من العمل، هذا ناهيك عن اللجوء المفرط إلى عقود العمل المؤقتة والتعاقد من الباطن الذي يفاقم من حدة اللامساواة، وكذا النهب السافر للحقوق المتعلقة بالتغطية الصحية والضمان الاجتماعي وأيضا عدم التعويض عن حوادث الشغل.

هذا الوضع لا يمكنه إلا أن يساهم في توطيد أشكال استغلال العمال، وتجاوزه لا يتأتى، بحسب المذكرة، إلا باعتماد إجراءات قانونية خاصة ملائمة لكل مهنة وأيضا بإلزام الشركات المشغلة (التي يبلغ عددها حسب التقرير حوالي 1600 شركة) بالإدلاء بالوثائق التي تثبت انتساب العمال إلى الضمان الاجتماعي. ولأن حماية حقوق هؤلاء العمال من الانتهاكات يقع بالأساس على عاتق الدولة، فقد شددت المذكرة على وجوب تفعيل دورها الرقابي وعلى جعل احترام كرامة العمال وحقوقهم في صلب الصفقات العمومية. كما دعا التقرير إلى ضرورة دعم دور مفتشي الشغل في الكشف عن الانتهاكات التي يتعرض لها العمال مع توسيع صلاحياتهم في العمل. من جهة أخرى، حثت المذكرة على تكريس مبدأ الديمومة في إبرام عقود العمل تحقيقا للاستقرار، كما حث على تطوير المهارات المهنية للعمال من خلال تنظيم دورات تكوينية وتدريبية. إلى جانب ذلك، لم يكتف التقرير بلفت النظر إلى أهمية خلق ثقافة نقابية تهدف إلى توعية العمال بحقوقهم، بل ركز أيضا على أهمية تدعيم قدرتهم على التفاوض الجماعي. هذا، ولم تقف المذكرة عند هذه الحدود، فقد أوصت أيضا بضرورة إقامة خلية استماع إلى شكاوي ضحايا الاستغلال المهين وباستطلاع رأي العموم في تحسين جودة الخدمات المقدمة، لاسيما من قبل الشركات والمؤسسات العمومية المعنية.

لا شك في أن ما أكدته المذكرة أعلاه معروف منذ عقود. فالعمل في هذا القطاع الحيوي يتم من خلال شركات المناولة ومن خلال عقود عمل مؤقتة، مع ما يعنيه ذلك من أجور زهيدة وأوقات عمل متغيرة ومديدة وضغوط نفسية نتيجة الخوف من التسريح من العمل. هذا النوع من العقود عموما لا يُحترم فيه قانون الشغل من طرف شركات المناولة، حتى التي لها عقود مع إدارات عمومية، وإن تظاهرت بذلك، فهي تسعى دوما لتوظيف بنود مدونة الشغل التي في صالح أرباب العمل.

ليست عاملات النظافة ولا عمال الحراسة بمتسولات ومتسولين، بل يقدمن ويقدمون خدمة حيوية للمجتمع ويجنى الرأسماليون أرباحا طائلة من وراء تشغيلهم، فهم لا يحتاجون الشفقة، بل يحتاجون إلى التنظيم والتضامن من طرف الأجراء المنظمين في النقابات العمالية وكل أنصار تحرر الشغيلة. ويعد تفكيك شركات السمسرة في العمال والعاملات وكل شركات المناولة، التي تنهب عرق الأجراء، مدخلا لا غنى عنه لتحسين شروط عمل عاملات وعمال الحراسة والنظافة ومعهم باقي الأجراء الذين يخضعون لنظام السمسرة هذا.

لكي ينتزع الأجراء مكاسب لابد لهم من التكتل في اتحادات نقابية في أماكن العمل وعلى مستوى البلد، فكل المشاعر النبيلة لن تردع أي رأسمالي عن استغلال لا هوادة فيه لكل خانع. رغم أن كل رأسمالي ومعه سلطة الدولة البورجوازية يقفون بالمرصاد لكل اتحاد عمالي من أجل تحسين الوضعية الاقتصادية وظروف العمل، فإن التنظيم النقابي والنضال وحده يجدي كما أثبتت ذلك تجارب الحركة العمالية.

بقلم: أ.ت

30/12/2022