الفتنة الكبرى في المسيحية


ألفى كامل شند
2026 / 9 / 16 - 08:41     


عرُف عن السيد المسيح قوله: أعط ما لقيصر لقيصروما لله لله، أي الفصل بين الدين والسلطة السياسية. ومع ذلك، لم تنج الكنيسة مبكرا من فتنة السياسة والاندماج في الدولة بعد انتصارها على الوثنية وانتشارها السريع اعتبارها الدين الرسمى للامبرطورية الرومانية، ورأت هذا التحول بعد قرن من الاضطهاد نعمة آلهية.. وقليل من أباء الكنيسة من عارض ارتباط الصليب بالسيف. وأبرز من عارض دمج الكنيسة في الدولة القديس هوسيو في رسالة شهيرة للإمبراطور كونستانتوس الثاني بفصل السلطتين الروحية عن السلطة الزمنية.
أثار هذا التحول التاريخي في حياة الكنيسة:
توقف الاضطهاد، وحظيت الكنيسة بالشرعية والانتشار واكتسبت دعماً مادياً وادبياً. وتمت مأسسة الكنيسة حسب التنظيم الإداري والجغرافي للإمبراطورية (الأبرشيات)، أصبحت وحدة الإمبراطورية مرتبطة بوحدة الدين، وتدخل الامبرطور في الشئون الدينية فأصبح من واجب الأباطرة استخدام القوة في حسم الخلاف اللاهوتى. وتحولت الأعياد والممارسات من الشكل البسيط إلى طقوس رسمية كبرى،
ومع تقديس السلطة برز صراع خفي ومعلن حول من "فوق الآخر"، انتهى الى صدور مرسوم من الإمبراطور الروماني الشرق. فالنتينيان الثالث (بتحريض من البابا ليون الاول) يلزم جميع الكنائس في الغرب الخضوع لسلطة أسقف روما (البابا) وطاعته. وصار مبدأ السيادة البابوية - مع الوقت- عقيدة رسمية في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية طبقت مع ارتقاء غريغوريوس الأول للكرسي البابوي عام 509م على الأساقفة الشرقيين، من منطلق اولوية بطرس على الرسل ومن بعده خلفاءه على سائر الاساقفة. بناء على قول المسيح لبطرس قبل صعوده للسماء " أتحبني أكثر من هؤلاء. أرع غنمي (يو 21: 15: 17).
وعلى غرار تكوين المجتمع الروماني القائم على طبقات هرمية واضحة. تشكل مجتمع الكنيسة من رعاة وقطيع؛ حسب ما جاء في رسالة البابا بيوس العاشر (1835 – 1914) بعنوان “hermentrnos”: " " ان الكنيسة هي جوهريًا مجتمع متفاوت، أي مجتمع يحتوي على فئتين من الاشخاص الرعاة والقطيع، وهاتان الفئتان متميزتين لدرجة ان فئة الرعاة وحدها تمتلك الحق والسلطة الضروريتين حتى تحرك وتوجه كل الاعضاء نحو الهدف النهائي للمجتمع، أما القطيع فليس لها الا واجب واحد هو الانقياد كقطيع مطيع يتبع رعاته وينقاد لهم".
وعرفت كنيسة مولود مذود البقر في بيت لحم الذي طوّب الفقراء حياة الترف وقادتها التشبه بالملوك والاباطرة ارتداء التيجان وترصع صدورهم بالذهب وحمل الصولجان والعصا، والتعبد في كاتدرائيات ضخمة.
تصدع الوحدة المسيحية:
لعب مبدا السيادة البابوية دوراً مركزيا وحيويا وعامل فرقة لا وحدة، سواءً من خلال التشبث بهذا الحق او عبر الجمع السلطتين الروحية والزمنية معا، وظهور الحركات الاحتجاجية داخل الكنيسة الغربية. حيث أدى تدخل الامبرطور في الخلافات اللاهوتية مثل ما حدث في مجمع خلقيدونية سنة 541م الى صدام وعنف وتبادل الحرم لم تألفه الكنيسة في عهد الرسل تمثل في عزل ديسقورس بطريرك الاسكندرية بسبب تمسكه بالطبيعة الواحدة للمسيح، وصدور قرار من لإمبراطور البيزنطي مارقيان بنفيه الى جزيرة في آسيا الصغرى، وتقسيم الكنيسة الى مجموعتين رئيستين الكنائس الخلقيدونية (الكاثوليك والروم الارثوذكس) وكنائس غير خلقيدونية ا(الاقباط والسريان والارمن).
وبسبب عدم تقيد كنيسة القسطنطنية بالطاعة التامة لقرارات أسقف روما ادارياً، والتباين في الطقوس الدينية حدث الانشقاق العظيم بين الكنيستين سنة 1054م م وتبادل الحرم الكنسي. وشهدت الكنيسة الكاثوليكية نفسها بسبب الصراع على الكرسي البابوي ما بين 1378م - 1417م انقساماً داخلياً ووجود باباوين وفي بعض الأحيان وثلاثة باباوات متنافسين في الوقت ذاته، وكلّ له أتباعه وكرادلته.
وبسبب تغول سلطة أسقف روما الدينية والزمنية. وأدى التوسع البابوية في جمع المال من بيع صكوك الغفران في المانيا، لتنفيذ مشروعات كبرى كإعادة بناء كاتدرائية القديس بطرس في روما وتمويل الحروب الى حفيظة بعض الامراء الاوربيين وأثارة النزعة الوطنية واشعال ثورة دينية عارمة قادها الراهب مارتن لوثر عام 1517م عبر "الأطروحات الخمس والتسعين"، وامتدت الى بعض بلدان اوربا . وهي الثورة التي أسفرت عن نشأة الكنيسة البروتستانتية التى تفرعت الى مئات الكنائس.
لم يكن لهذه الفتنة التى اصابت الكنيسة في صدر ظهور المسيحية ان تتوقف الا من خلال ثورة التنوير في الغرب بتبنى البلدان المسيحية العلمانية فصل الدين عن الدولة مع احترام حرية العبادة.
إنشاء
اكتب إلى عاطف حلمي