((رأسمالية الدولة الاحتكارية السوفييتية))!
عبدالله عطية شناوة
2026 / 6 / 4 - 07:40
تستمر محاولة تشويه التجربة الأعظم والأنبل والأشجع في التأريخ البشري لبناء منظومة اجتماعية - اقتصادية ثقافية أكثر عدلا وانسانية وهي التجربة السوفييتية في روسيا والإتحاد السوفييتي. وذلك بترويج الدعاية الرخيصة التي تمزج الحقائق بالأكاذيب عن الجرائم الحقيقية والمتخيلة للتجربة، وأخرى عن فشلها في بناء منظومة اقتصادية تتفوق على خصمها المنظومة الرأسمالية، التي كانت امتداداً طبيعيا وتلقائيا تقريبا لتفتت المنظومات التي سبقتها، وثالثة تزعم ان ما كان في الأتحاد السوفييتي لم يكن الإشتراكية بل شيء يطلق عليه الزاعمون نعت "رأسمالية الدولة الأحتكارية". والزعم الأخير هو الأخطر بين مزاعم أعداء الإشتراكية، لأنه لا ينطلي فقط على بسطاء الناس بل كذلك على اليساريين والشيوعيين السابقين، وحتى ممن مازالوا يعتبرون أنفسهم شيوعيين، لأنهم يتوهمون انهم بنفيهم الإشتراكية عن النظام السوفييتي يطهّرون أنفسهم واشتراكيتهم الطوباوية من "أدران" تجربة فاشلة، ويبقيهم بعيدون عن الإتهام بالغفلة والفشل.
أحد الكتب المترجمة من يساري مصري بارز. هو طيب الذكر خليل كلفت يصر على ان نظام رأسمالية الدولة الأحتكارية هو ما كان سائدا في الإتحاد السوفييتي وليس النظام الإشتراكي، وكما أسلفت يستهوي مثل هذا الطرح مناصري الإشتراكية أكثر مما يستهوي أعدائها، الذين بسعدهم كل ما يسيء إلى الإشتراكية والشيوعية، ويؤكد الكتاب ان "دولة رأس المال الاحتكاري تحولت البيروقراطية الحاكمة فيها، أي الحزب، إلى طبقة استغلالية بديلة عن الرأسماليين الكلاسيكيين، حيث أصبحت تدير وسائل الإنتاج وتستغل الطبقة العاملة لتحقيق تراكم رأس المال من أجل منافسة الغرب عسكرياً واقتصادياً، وكأننا أمام صراع بين رأسمالية بيروقراطية شرقية ورأسمالية غربية خالصة.
كل هذا دون تأكيد نظري أو عملي يدعم زعم وجود طبقة، كانت تستغل العمال والمنتجين في الإتحاد السوفييتي، هدفها الوحيد هو الفوز في التنافس مع الغرب وليس تأمين حقوق الأنسان المهدورة في الغرب الرأسمالي كالحق في العمل والتعليم والرعاية الصحية والسكن لكل أفراد المجتمع.
ولا يلتفت أصحاب هذا الزعم إلى أنه إذا كانت الدولة لا تستخدم التراكم الإقتصادي للمصلحة المباشرة "للطبقة الحاكمة" المزعومة، بل لتحقيق الفوز على الغرب الرأسمالي فلا يمكن وصفها برأسمالية الدولة الأحتكارية، لأن مثل هذا التنافس ليس هدفه تحقيق مصالح وتراكم أقتصادي للطبقة المفترضة، بل لدرء أخطار جهات ليست مجرد منافسة بل معادية، كما ان التنافس لم يكن خيار الدولة السوفييتية بل كان مفروضا عليها من الغرب الذي جرها اليه قسرا لاستنزافها، عبر برامج مثل الصواريخ المضادة للصواريخ، ومشاريع مثل حرب النجوم،، وكان السماح بالتطور المنفرد للغرب خاصة في المجال العسكري، يشكل تهديدا وجوديا محدقا، ليس للدولة السوفيتية وحدها، بل تهديد للتجربة الإشتراكية في العالم كله.
ما يبرهن على سُخف فرية ان الإتحاد السوفييتي كان نظام رأسمالية دولة احتكارية تقوده "طبقة" ذات مصالح مشتركة هي الحزب الشيوعي السوفييتي، هو ان هذه الطبقة المزعومة التي يزيد أعضاؤها عن العشرين مليون شخص، لم تتحرك دفاعا عن سلطتها التي يفترض انها تضمن مصالحها، بل ان بعضهم قد ساهم في تفكيك السلطة، وبعضهم الآخر انخرط في التآمر عليها، وعلى رأسهم قادة الطبقة، رئيس الحزب والدولة غورباتشوف وأعضاء المكتب السياسي يلتسن وياكوفليف وشفيرنادزه.
نعم كان للتجربة السوفييتية جوانبها الخاطئة - وأية تجربة اجتماعية أخرى خالية من الأخطاء؟ - ولكن لا يمكن وصفها بانها رأسمالية الدولة الاحتكارية.
ربما ارتكبت السلطة السوفييتية جرائم طالت حتى المناضلين الشيوعيين انفسهم، غير ان ذلك لا يقارن بمنجزها في تحويل أكثر بلدان أوربا تخلفا إلى كيان يشكل قوة عظمى تهدد أسس النظام الرأسمالي العالمي، وتحدث توازناً دولياً حال دون هيمنة الغرب الرأسمالي، وزعيمته، أمريكا، كما حصل بعد انهيار التجربة السوفييتية العظيمة، التي لم يسبقها نموذجا انسانيا يمكن ان تهتدي به ويساعدها على تلمس أخطائها ومعالجتها.