اللؤلؤة المغادرة
عمر حمش
2026 / 5 / 3 - 01:50
كان يجاورني في سواد الليلِ،
عندما كان لا شيء سوى الصمت، وهدير عرباتهم العسكرية يأتينا من قريبٍ، يقطع علينا مهمتنا الباسلة!
في تلك الليلة، كان أوّل من اخترع المقلاع، ذاك الحبل المثلث، الذي سينسدل من تحته العلم. وقد أوثق في طرفه الراحلُ الحجر.
كنّا اثنين، ممرضا، ومعلما.
في تلك الليلة قررنا تعليقه على أعالى أسلاك كهرباء الضغط العالي، في شارع الترنس الرئيس في مخيم جباليا، العلم كان غريبا يومها، ممنوعا، ورؤيته كانت تعني لهم - إن ارتفع - نهاية دولتهم المدججة بالسلاح!
أصرّ مصطفى الحمدني أن يكون العلم هناك قبالة ثكنتهم في أعالي شارع الترنس.
كنّا نقذفه؛ فيترنح إلينا عائدا، ومع كلّ محاولة كانت أضواء العربات العسكرية تفاجئنا، ونلتقط العلم، ونختفي في زاوية هي اليوم مطعمٌ يرتاده سكان المخيم، ويعود الراحلُ مُصرّا به، وأعودُ معه.
كانت الأسلاك بعيدة تناطحُ الفضاء، وكان علينا أن نعاجل، وأن نحاول مراتٍ ومرات من قبل أن تكتشفنا الأضواء.
ولن أنسى – من بعد عودتنا - بهجة محياه وهو يبتسم لانسدال العلم، الذي تركناه يغيظهم، ويرفرف فوق المخيم، قبالة ثكنتهم للمرة الأولى!
كان ليلتها علم فلسطين كبيرا، جميلا، بهيّا،علقته أياد نظيفة بلا أوامر ضابط، ولا رغبة في راتب، ولا وعد بوظيفة.
تلك كانت إحدى صور الراحل مصطفى الحمدني ابن حزب الشعب الفلسطيني، وأحد مؤسسيه البواسل في قطاع غزة.
وكم كانت تأتيني صورته- وأنا أهرول خلف نعشه - ونحن نخطط للانفجار الموعود قبل حدوثه، ونتمناه!
حين كنا نعلق العلم في أوّل الثمانينات كنا نبعد عن زمن الانتفاضة الآتي فيما بعد بسنوات، لكنا كنا نعرف أن الانتفاضة آتية، وأنها إستراتيجية الشعب الحقيقية والمثمرة!
كان مصطفى الحمدني دوما يبتسم، كان رائعا، وملهما، وفاتنا، ومثقفا كبيرا، في زمن شحّ بالمهتمين والمبادرين، كان بيته قلعة حزبية، وأسرته خلية نحل على الدوام، فمِن احتواء اجتماعات الرفاق، إلى توزيع حِصص المنشورات عليهم، إلى صناعة الإعلام المحارب والذي يكشف عورة الاحتلال!
وهل ينسى مخيم جباليا فيلم ( غيتو غزة ) الذي أخرجه الراحل مع زوجته المناضلة، بل وأشرك أسرته جميعها فيه تمثيلا وتأليفا وتوزيعا.
وهل ينسى الناس في المخيم كيف شاركنا الراحل قيادة مظاهرات الانتفاضة الأولى بوجهه عاريا دون وجلٍ من سطوة الاحتلال أو قمعه، ليدخل سجونه مرات ومرات!
هل ننسى شراكته، ومباداراته في تأليف مجموعات العمل التطوعيّ الأولى في شمال غزة؛ لتنتشر من بعدها بوعيّ جميلٍ زمن الاحتلال!
أم سننسى نضاله الدءوب من أجل مجتمعٍ حرٍّ ديمقراطي منافس لمجتمع العدوّ البغيض؟
كان نظيفا يدا،ً ولسانا، وتاريخا، مدافعا صُلبا عن حقوق الإنسان، والمرأة والطفل، يدعو لدفع الواجبات، ولأخذ الحقوق في عهد السلطة العتيدة، محاربا للفساد، وللرشوة، وللمحسوبية.
لقد غادرتنا يا رفيق أبا عبد الله، لكنّ المجد علق بأهدابك، وذكراك أبدا لا تغادرنا!
يا لؤلؤة غادرت جسدا، وتمكنّت منّا فكرا ووعيّا وممارسة.