النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
مظهر محمد صالح
2026 / 3 / 20 - 02:55
(خلاصة ورقة موسعة)
يبقى النفط ، العامل الحاسم في تحقيق نقطة التعادل المالي fiscal break even point ، بوصفه الشغل الشاغل للسياسة الاقتصادية في العراق، ولاسيما في ظل القيود التي تفرضها الجغرافيا السياسية المعقدة المرتبطة بحرب الشرق الأوسط. إذ تتجسد المعضلة في تلازم دقيق بين عاملين:
الأول، القدرة على رفع مستويات التصدير عبر منافذ بديلة واستعادة مستويات ما قبل اندلاع الحرب.
والثاني، تعظيم الإيرادات النفطية لسد فجوة العجز المالي بما يتناسب مع نفقات السنة المالية الماضية.
وتُعرّف نقطة التعادل المالي ، بأنها المستوى الذي تتساوى فيه الإيرادات النفطية (السعر × الكمية) مع إجمالي الإنفاق الحكومي، دون تسجيل عجز كبير أو اللجوء إلى اقتراض واسع يتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي.
ومن هنا، تصبح إدارة هذه المعادلة تحديًا مركزيًا يتطلب تفكيك عناصرها والتعامل معها بمرونة عالية.
و في هذا السياق، تشير التجربة الراهنة في بلادنا إلى أن ارتفاع أسعار النفط إذا ما ترافق مع زيادة في الكميات المصدّرة ، يقترب الاقتصاد من بلوغ نقطة التعادل المالي دون الحاجة إلى اقتراض حاد.
غير أن هذا المسار يظل رهينًا بظروف السوق العالمية والتوترات الجيوسياسية، بما في ذلك تأثيرات قرارات أوبك ومسارات الإمداد عبر المنافذ الاستراتيجية مثل مضيق هرمز.
ومع احتمال انحسار التوترات واستقرار الأسواق النفطية، قد تتجه الأسعار نحو الانخفاض أو الاستقرار عند مستويات أقل، مقابل تحسن في الكميات المصدّرة وعودة الاعتماد على المسارات التصديرية التقليدية.
وفي هذه الحالة، يمكن الحفاظ على نقطة التعادل المالي عبر تعويض انخفاض الأسعار بزيادة حجم الصادرات واستقرار التدفقات اللوجستية.
وتتبلور مرحلة التعافي المالي عبر اتجاهين رئيسيين:
الاتجاه الأول (المرحلة الحالية):
العمل على رفع الطاقة التصديرية ، حتى ضمن حدود دنيا، مع الاستفادة من نطاق سعري مرتفع، بما يتيح بلوغ نقطة التعادل المالي بسرعة.
اما الاتجاه الثاني (المرحلة المستقبلية):
في ظل انخفاض التوتر الجيوسياسي، يُتوقع استمرار ارتفاع الكميات المصدّرة، حتى مع تراجع الأسعار، شريطة تنويع المنافذ التصديرية وبناء أسواق وزبائن جدد بما يحافظ على الاستقرار المالي.
وخلاصة القول، إن التفاعل بين سقوف الأسعار والكميات هو العامل الحاسم في تقليص فجوة العجز والعودة إلى الحيز المالي الآمن fiscal space الذي يضمن الاستدامة المالية النسبية ، من خلال قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق أو خفض الضرائب دون تعريض الاستقرار المالي أو الاستدامة المالية للخطر، ودون الدخول في مستويات مفرطة من العجز أو الدين.
وهنا ستمثل القدرة على المناورة بين تقلبات الأسعار العالمية والحفاظ على زخم الصادرات النفطية ،المعيار الحقيقي لكفاءة السياسة المالية والاقتصادية، خصوصًا في بيئة تتسم بصراعات جيوسياسية حادة تمتد عبر الشرق الأوسط وحزام الطاقة في أوراسيا.